كيف تستعيد المنمنمة “تأريخيتها” المفقودة في الزمن المعاصر؟

 

لن أضع هذا التساؤل في إطار عبث فكري، أو رغبة في بلوغ نشوة، تريح نفسا قلقة، يتصارع وجودها بين الشد للماضي، وحاضر يعاني من غياب التجدد، فما نراه من جمود في حركة رسام مختص في رسوم تصغيرية مزوقة، قطعت صلته بالزمن المعاصر، يدعونا إلى إثارة السؤال :

كيف تستعيد المنمنمة “تأريخيتها” المفقودة في الزمن المعاصر ؟
احتفظ رسام المنمنمات برؤيا اختصت في تشخيص الماضي، فرسوماته التي يفترض أن تحاكي نصا، ظلت تأخذ مضامينها من ذاكرة التراث القديم، ولم يجرؤ على الاقتراب من الحاضر، الذي بات وكأنه من المحرمات,

فرض رسام المنمنمات “المعاصر” على نفسه العزلة في عالم نسبي /متغير/ ، فهو الخالي من أي إبداع أو تطور، أو خلق جديد، حتى أضحى بما يقدمه لنا شكلا ماضيا، نتاج مخيلة لا ترى الواقع، ويتشبث بمشاهد مرت عليها حقب طويلة، ليفقد تأريخيته في الزمان والمكان المتغيرين.

· تأريخ؛ جُمْلة الْأَحْوَال وَالْأَحْدَاث الَّتِي يَمُرّ بِهَا كَائِن مَا ” history
كلمة “التاريخ” تعني في المعجم الغاية والوقت الذي ينتهي إليه كلُّ شيء، وبذلك يتَّصل المعنى بحركة الزَّمن المرصودة، وليس بالحكاية الأسطوريَّة التي تشير إليْها كلمة yHistor باللغات الأوروبيَّة.

الزمان لا معنى له بدون الحركة، والحركة لا معنى لها بدون المكان، الزمان والمكان نسبيان/متغيران/ فما الذي يجعلنا نتجمد في زواية قواعد قديمة، ونقطع الصلة بحاضر معاصر، نتجرد فيه من التاريخية والموضوعية، وكأننا نغادر زمننا الحاضر ؟

الفنان له عقل تاريخي موضوعي، لأنه ينتمي رغما عنه إلى أزمنة الكم والنسبية والتجدد، لولا هذا العقل فأنه سيغادر زمن العصر الحديث لأنه لا يحمل بصمته.
ربما هنا نعتقد أن العقل خال من أي محتوى، وليست له القدرة على القيام بنشاط ذهني مبدع، لكن علينا أن نسلم بوجود عقلين :

العقل الأول : عقل مكون
العقل الثاني : عقل مكون /بكسر الواو/

العقل الأول هو عقل تقبل منظومة قواعد مقررة جاهزة، تميزت بـــ :
· نظام ثابت
· يؤمن بالحتمية
· يلتزم بمبادئ المطلق /الثابت/

أمام تطور الفكر العلمي، تجاوز هذه الأسس أو نفاها، اعتمادا على آليات التجارب المنطقية التي افرزت قوانين عقلية جديدة، أعادت الروح للعقل الراكد أو العقل اللاتاريخي، فمنحته الحضور الحقيقي في الزمن المعاصر.

ألم يثبت العالم انشتاين إن كل شيء متغير في النظرية النسبية ؟
ألم تخرج اوروبا من قيود أفلاطون المطلقة /الثابته/ وتلجأ إلى ديكارت المواكب لمتغيرات الواقع ؟

العقل الثاني : عقل ينشط ذهنيا، لينتج الأفكار، بالبحث والدراسة، ليصيغ المفاهيم الجديدة ويصيغ المبادئ التي تواكب العصر، فيكون الملكة المتجددة التي يستطيع بها كل إنسان أن يستخرج من إدراك العلاقات بين الأشياء مبادئ منفتحة وضرورية .

إلى أي عقل ينتمي رسام المنمنمات والزخرفة في العصر الراهن ؟
لا تفرض الضرورة القصوى نفسها للبحث عن الإجابة، فالتساؤل محور فكري عميق، هدفه الأبعد هو تحريك العقل الساكن في زمن متحرك.
وإشكالية رسام المنمنمات الذي نراه الآن هو : قصور رؤيته للزمان والمكان وضعف إدراكه لقيمة الحركة.
كيف رأى مؤسس مدرسة بغداد محمود يحيى الواسطي في العصر العباسي الزمان والمكان ؟

يعتبر الواسطي مؤسس مدرسة بغداد للـ منمنمات أستاذ فن شخصي، لم يخضع إلى القواعد والأصول الفنية التقليدية ، حين أسس لنفسه أصولا وقواعد فنية، يمكن أن نسميها الأن : فن حديث

كان الواسطي مثقفا واسع الاطلاع، قارئا مجدا لمختلف العلوم، ترجم الصور الذهنية إلى واقع مرئي، عاصر جيلا من مفكري بغداد أمثال المؤرخ ابن الأثير والعالم ابن الرزار الجزري , والجغرافي ياقوت الحموي ، وغيرهم ..

اقام معارض في مكتبات المدرسة المستنصرية ببغداد وأقتنيت له اعمال فنية ومخطوطات في الأندلس والمغرب العربي خصوصا من قبل ملوك الموحدين في مراكش.

خاض يحيى الواسطي في زمنه الذي يعود إلى القرن الثالث الهجري، ثورة علمية بالمعنى المعاصر، امتدت من معطيات تجربته الحسية/ العقلية، وكأنه استبق النظرية النسبية التي نفت وجود المطلق/الثابت/ في الزمان والمكان.

لقد أدرك أن المكان والزمان نسبيان، يتداخلان في الحدث، حتى وصل إلى تحقيق مبدأ التغيير والتجدد والتفرد بخصائصه الفنية.

لا وجود لفنان ينسف وجوده .. وهو ينتمي إلى أمة لها جذور تاريخية، تساهم في تشكيل خصائصه، لكن دوره في الحياة هو التجديد، ليمنح حضارته إضافات تحرك مسيرته الحضارية، عبر استكشاف قيم جمالية جديدة، تتماشى والمتغيرات المتلاحقة.

ولابد لفنان معاصر يشتغل على قواعد استقاها من التراث أن يحمل صفات ومزايا العصر الراهن وهي :
· التحرر من قيود التقليد
· يجيز لنفسه التجديد في قواعد البناء الفني
· يترك بصمته في الحاضر عبر تدوين وقائعه التاريخية.

وهنا يؤسس الفنان بناء معاصرا لحضوره المتجدد، عبر النهوض بوظائفه الجمالية، في ظل علاقات بين الأشياء يفرزها واقع راهن، كل شيء تغير فيه:
· المشهد والحركة
· الأدوات والوسائل

ويعد هذا التأسيس استحقاقا لا بد منه، هو حصيلة فعل ذهني، ونتيجة مثلى لمنطق فكري :
يبدأ بالأصل في تعزيز صلته بحاضر متغير مستشرفا آفاق المستقبل، عبر إنجاز حديث جوهره العطاء المضاف لتراث أصيل، يستوعب متطلبات العصر الراهن، متجاوبا معه، لا متجاوزا عليه، رافضا لمعاني التزمت والعزلة والانغلاق في عالم اتصالي يكاد يختصر في شاشة الكترونية.

وهو في المعنى الأعمق دعوة للارتقاء بالوعي المتأصل في الرؤية العقلية المنطقية للأشياء، تلك الرؤيا التي تمنح الفنان القدرة على بناء فعل تأسيسي جديد، لحضارة معاصرة، يدون وقائعها بريشة مبدعة.

الإبداع الفكري عمل منظم في مادته وتعبيره عن الانفعالات، إلا أنه في الوقت نفسه حر وتكمن هذه الحرية في وظيفته الرمزية التي تمثل الحياة باعتبارها عملية “ديناميكية” تحول شهواتنا إلى حالة من الحرية والنشاط، عبر قنوات العقل الإنساني الثلاث كما حددها علماء النفس : ـ قناة الحقيقة: معرفة الواقع والاعتناء به . ـ قناة الذوق: اكتشاف مكامن الجمال ـ قناة الأخلاق: إدراك الواجب النمطي السلوكي وفي غياب هذا الوعي بقيمة إنتاج الحاضر، سيطوي الفنان سجل ذكرياته، ويغلق دكاكين بضائعه القديمة، ويؤبن وجوده قبل أن يغادر زمنه.

المقال السابقتظاهرات العودة للحياة
المقال التالىلماذا يتظاهر الشعب العراقي ؟ ج1
عبدالرحمن جعفر الكناني .. باحث وناقد فني – عضو المركز العالمي للفنون محرر صحيفة الجمهورية /بغداد عملت بالصحافة الكويتية / 1982-1988 - مجلة المجالس - جريدة الأنباء - جريدة السياسة محرر بمكتب وكالة الأنباء العراقية – تونس 1990- 1994 إعلامي في المركز الثقافي العراقي – تونس رئيس القسم الإقتصاد....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد