الخطوط الحُمر والوطن

 

لعل من أبرز ما يلفت الإنتباه منذ إنطلاق إنتفاضة الأول من تشرين (أكتوبر)، هي إعادة إنتاج (الوطن) كمفهوم وكمصطلح قيمي ليس له شريك بالإحساس في شعور المواطنة وألإنتماء لوطن يؤمن به كل إنسان على وجه الإرض، وحتى فاقدي هذه القيمة هم بالكاد باحثون لها.

وكل من شهد تجربة الحكم في العراق بعد 2003، بغض النظر عن توجهه تجاه هذا التغيير في نظام الحكم السياسي، لا يختلف إثنان من مختلف الإتجاهات بإن النظام السياسي الحاكم قتل وبمعنى الكلمة مفردة وقيمة (وطن).

لنضع سؤالاً بسيطاً جداً … وعلى أساس سايكولوجي .. متى يبدأ الإنسان يُدرك هذه المفردة (وطن) في تجربة حياته الشخصية؟

أغلب النظريات النفسية، على إختلاف فرضياتها تلتقي في أن مراحل الطفولة المبكرة تُسهم في تشكيل مفاهيم قيمية معرفية، سلوكية ، من شانها فيما بعد تحدد ملامح شخصية ذلك الفرد، إذ لا يوجد فرداً بكينونته السايوكولوجية وبأدنى مستوى من الصحة النفسية الإجابية ليس لديه وطن، ومن هنا ببساطة أن مفردة الوطن واحدة من البنى المعرفية المُتشكلة في شخصية الفرد، وإن إختلفت طرق وآليات تَشكُل هذا المفهوم، وهنا بمعيار واحد إلتقاء الجغرافيا (مفهوم الوطن مكانياً كخارطة) بالتركيب النفسي لشخصياتنا هو المحرك الذي ينمي هذه القيمة.

ومن الجدير بالذكر أن بمرور التطور النفسي لشخصية الفرد ينشأ ويتكون ويكبر هذا المفهوم، وبالطبع التجارب والخبرات ذات تأثير في كيفية التعاطي المعرفي والعقلي لهذا المفهوم من شخص لآخر، ومن هنا نقطة البداية.

حينما أتت الطبقة الحاكمة حالياً .. بالرغم من أدعاءها المعارضة والتعرض للتعسف والظلم من النظام السابق وهي نتيجة حتمية طبيعية في السياسيات الغير دميقراطية كحاكم ومعارض (وما يحصل اليوم ليس ببعيد عن ما حدث لهم في السابق.. فهم يمارسون بتقمص محترف بل اكثر مما قد تعرض البعض القليل منهم) .. لم يكن الوطن هو الهدف .. ولكنه كان الغاية (لغرض الحُكم فقط .. الشيعة تحكم بإسم المذهب الباحث عن الولاية المُستلبة … الكُرد تحكم بمنطق الوطن المقصود على أساس فكرة مهاباد.. السُنة الحُكم على أسس حسن البنا .. ودولة إسلامية حديثة).. كل هذه هي بمثابة نظريات إفتراضية أُريد لها التبيق على العراق (كوطن)، ولم يُدركوا بأن العراق لا يمكن له بذلك إلا أن يتجزأ ..عدا ذلك فهو بلد متعدد ومتنوع هي كينونة العراق الحديث.

ولعل.. نتيجة ضعف (الأنا السياسية في شخصياتهم) وعدم نضوج ىيديولوجياتهم حتى في دواخلهم وجدوا انفسهم في عزلة عن المجتمع والذي يفترض انه المُعادل الموضوعي للسياسة، ذهبوا إلى ممارسة تزييف وطني من خلال إختلاق مسميات ومفاهيم حُرِفت عن مضامينها الحقيقية وطيها لمقتضيات مصالحهم الخاصة تحت مسميات (الخط الأحمر).

وكأن بهم يلقنون الشعب ..درساً بالقيم والأخلاق، لما يجب الوقوف عنده وما لا يجوز الغتيان حتى بإسمه همساً، والانكى من ذلك راحوا يسوقون ذواتهم الجوفاء على انهم نوعا ما .. من هذه الخطوط الحمراء.. صادروا حتى أرواح ودماء من ضحى لاجل الوطن من خلال التجارة الدينية.

هذا الجيل .. ايقظ .. خوارزمية غابت منذ زمن .. لا تقبل غحتمالية الشك او الخطأ مفادها، ان لا شريك مع الوطن، وأن لا خطاً احمر دون الوطن، فجعلوا من الوطن خطاً لا يوصفه لون او شكل إلا (الشهادة).

نحن اليوم أمام خطان احمران … يختلفان في المعيار ، الأول على أساس الوطن واحد احد لا شريك له في الحب الوطني، الثاني، على أساس مفاهيم وقيم وافكار محرفة او بالية يُفهم على انها سر وجود ووحدة الوطن، الأنبياء والاولياء والعظماء يموتون وتبقى الأوطان قبوراً لهم.

لا تعليقات

اترك رد