الفن بين الشكل والمضمون

 

هنالك صلة وثيقة ومهمة بين الشكل والمضمون، ليس على صعيد الفن فحسب، وإنما في المجالات الأخرى، منذ أيام أرسطو، عندما طرح القضية لأول مرة وأجاب عليها إجابة خاطئة بقدر ماهي باهرة في الوقت ذاته، منذ ذلك الحين عبر كثير من الفلاسفة، والفنانون الفلاسفة، عن رأيهم القائل بأن الشكل هو الجانب الجوهري للفن، وهو الجانب الأعلى، الجانب الروحي، وأن المضمون هو الثانوي، الناقص الذي يتوافر له النقاء ما يجعله واقعاً كاملاً. ويرى هؤلاء المفكرون أن الشكل الخالص هو جوهر الواقع، وأن هناك حافزاً يدفع كافة أشكال المادة للذوبان في الشكل إلى أقصى مدى، أي يدفعها للتحول إلى شكل، وبذلك تحقق كمال الشكل، ومن ثم تحقق الكمال ذاته. وأن كل ما في العالم هو مزيج من الشكل والمادة، وكلما تغلب الشكل – الانغماس في المادة – زادت درجة الكمال ألتي يبلغها. وبذا تكون الرياضيات أكثر العلوم كمالاً ، كما تكون الموسيقى أكثر الفنون كمالاً، لأن الشكل فيها أصبح هو المضمون ذاته. فهم يرون الشكل كما كان أفلاطون يراه، (فكرة) شيئاً أولياً تسعى المادة إلى التغلغل فيه، وهو كيان روحي يسيطر على المادة. وقد عبر أحد صناع الآنية الخزفية البدائية عن تجربته بقوله :”أني أصنع الشكل البداية، ثم أصيب فيه كتلة الخزف الخالية من التشكيل ” . وقد أفاض في شرح هذا الرأي أنصار المدرسية (هي الفلسفة المسيحية بأوروبا أبان العصور الوسطى) وأتباع توما الأكويني، إذا نادوا بفكرة النظام الميتافيزيقي للعالم. فتوما الأكويني (توما الأكويني، 1225 -1274، فيلسوف ولاهوتي إيطالي)

توما الاكويني المعرفة:
يرى إن كل كائن يتحرك من أجل الوصول إلى هدف نهائي ميتافيزيقي، وأن النظام – أي التعدد المرتب داخل كيان موحد – يفترض أن ثمة غاية، وأن فكرة النظام فكرة غائبة. فكاهة الكائنات تسعى إلى هدفها النهائي، ولكافة المخلوقات نظامها، لأن ألله قد خلقها. وكافة الكائنات فيما خلا ألله ناقصة. وتحتدم لدى جميع الكائنات الرغبة في بلوغ الكمال. وهذا الكمال متاح لكل ما هو موجود في العالم كامكانية أصيلة. ومن طبيعة الإمكانية التي تسعى إلى التحول إلى فعل أو حقيقة. ولذا لابد للناقص أن يسعى لبلوغ الكمال. وسعى أي كيان مادي هو الشكل، وهذا هو مبدأ السعي أو الحركة. والسعي أنما يتحقق من خلال الشكل، وكل سعي إنما يهدف إلى الوصول بصاحبه إلى الكمال. وكل مخلوق يبلغ، داخل إطار النظام المقرر للأشياء، حده الأقصى من الكمال بالسعي المناسب لطبيعته، أي بالسعي المناسب لشكله الطبيعي. وبهذا يتطابق السبب الشكلي مع السبب الغائي. فالشكل يسعى إلى الهدف وغاية، وهو المصدر الأصلي للكمال.

بعد التطرق على ما ورد أعلاه:
ومن خلال الإطلاع على بعض البحوث المتنوعة من المصادر، ألتي تم ذكرها، وأولهم – إرنست فيشر – في كتابه (ضرورة الفن) نجد إن الفنون بمختلف وظائفها وأنواعها التطبيقية والتشكيلية والمعمارية والصناعية والمسرحية والموسيقية، أي السمعية والمرئية، هي نتاج فكري ونفسي، تزامنت منذ وجود الإنسان، في الحياة، حيث توافقت الصيغ التكوينية للمنتوج الإبداعي، مع متطلبات الحياة المادية، لقد نشأة الصناعة في بداياتها البسيطة، هي بإستخدام وسائل الدفاع عن الصراعات البشرية، وكذلك مع الكائنات الأخرى المفترسة، تم ذلك بتحوير وصقل الخامات الحجرية، إلى وسائل دفاعية، وفيما بعد إلى وسائل إستثمار منتوجات الطبيعة ألتي

تقتضي وجود أدوات، ليست بوجودها العشوائي، وإنما بإبداعات التحوير تمظهر بشكل جمالي مع المنفعي، حصلت تلك البدايات الأولى للفن والصناعة، بعد مرحلة المشاعية أي (بمشاعية الأملاك) وعدم وجود منافسة بين المجتمعات البشرية بسبب نسبة عدد سكانهم الصغير، ولكن بعد زيادة السكان، أو مايسمى بالثورة (الديموغرافية) أو الإنفجار السكاني، إنساق الإنسان نحو الإدخار لضمان ما بعد اليوم الذي يعيشه، أي بخطوات بسيطة في خطواتها الأولى، والتي تسمى بالإقتصاد بداية مفهوم (فائض القيمة) أو الإدخار، تلك المرحلة الجديدة، برغم خلق تنوع بالطبقات الإقتصادية، وخلق طبقة نظام الرق (العبيد) بعد الصراعات وأسر الخاسرون وتحويلهم إلى عبيد للإستثمار والاستغلال، إلا إنها كانت البداية نحو الإبتكار والتصنيع والتصميم الهندسي والنحتي، الذي هو جزء من الفنون التشكيلية، إقترن بأول خطواتها البدائية الأولى، فضلاً عن تجسيدات ذاتية لرسوم داخل الكهوف، تمثل السيطرة على الكائنات الحيوانية المفترسة، ولقد تطور فيما بعد مناهج الغايات والتوظيف ألذي يرتبط بالعقائد والشخصيات السلطوية، وذلك بخلق منحوتات الآلهات والملوك، ثم تطور فيما بعد ليجسد شخصيات دينية في الكنائس وخاصة في عصر النهضة، ولكل مجتمع وحظارة لها مميزاتها الخاصة، حيث نجد المنحوتات التراثية عند الآشوريين تماثيل لملك فيها مبالغة في الضخامة والعظلات والقوة، أما في الإغريق فأنها تسلك صيغة النسب الذهبية، إضافة إلى القوة التعبيرية للأشخاص، ولقد توافقت وترافقت الأعمال الفنية مع البناء التراثي المعماري، عبر عصور عديدة، لذلك كان للفن ضرورة وأهمية في حياة الإنسان، منذ المرحلة الأولى وإلى الآن، برغم أنصراف وتبدلات كبيرة في الأهتمام بالفنون في الوقت الحاظر، بعد أن طغت المصالح البرغماتية الفردية والدولية، وخاصة ذوي النفوذ الإقتصادي والإجتماعي لمجريات الحياة الحالية.

المقال السابقولدي
المقال التالىسد النهضة بين السياسة والقانون
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد