تظاهرات العودة للحياة

 

ببساطة شديدة ربما لاتتناسب مع الدماء التي سالت على شوارع بغداد او المحافظات- الشباب العراقي ثائر لاجل الحياة- ثائر ضد الفساد والجمود وانعدام الامل- وهو ينشد ليس اصلاح النظام بل ازالته وهو حق مشروع له بعد سنوات الغياب التي عاشها منذ سقوط النظام السابق، ولكن هؤلاء الفتية الذين امنوا بربهم وبوطنهم ربما لايدركون انهم انما يتظاهرون ضد ما هو اقوى من السلطة التي يرونها، حكومة وبرلمان وميليشيات مسلحة، فهؤلاء كلهم ليسوا سوى بيادق تحركها قوى اكبر واكثر تسلطا وتغلغلا في مفاصل الحياة العراقية، رئيس الوزراء مثلا لايمكنه اتخاذ قرار البقاء او الفرار، والبرلمانيون اساسا ليسوا سوى ارقام معدة لاجل رفع اليد او عدم رفعها استنادا لما يرتايه قادة الكتل، اما الميليشيات فرغم ماتملكه من قوة وعدة وعتادا انما هي مسيرة من اطراف خارج العراق، تتحكم بها متى شاءت ووفق ما تريد، كل الرؤوس التي تطل من شاشات الفضائيات والتي تحيط بها الحمايات والخدم والحشم ليسوا سوى دمى بيد اخرين، ولا احد مطلقا من ساسة العراق كبيرا كان ام صغيرا، معمما ام افنديا، يمكنه ان يفكر او يقرر وفق هواه ، فعلى مدى سنوات طويلة احكم الطوق عليهم وشدتهم شبكة العنكبوت الى مركزها ، ولهذا السبب لم يتمكن رئيس الوزراء من التصرف بما يتيح له منصبه او حتى دوافعه ومسؤولياته الاخلاقية تجاه دماء تنزف ومطالبات جماهيرية مستحقة ومحقة، ولم يتمكن حتى الذين نصبوه من حل الاحجية بانتظار اوامر من ملكوت اعلى، وهذا التجاهل الذي نراه ونعيشه ممن يمكن تسميتهم بالمسؤولين او القادة ليس لغبائهم فهم يملكون في الاقل مايمكله اغبى الاغبياء وهو النظر الى الصور المتحركة وفهم معناها ولكن لانهم لايملكون من امرهم شيئا..

اذن يتظاهر الشباب ضد من؟.. انهم يتظاهرون ضد القوى الخفية التي تتحكم بهذه الدمى، وما يزيد الامر تعقيدا ان هذه القوى ليس لها مقرا واحدا ولا اتجاها واحدا، فالعراق اساسا مثل اسد حوصر بشبكة يمسك خيوطها صيادون متخاصمون ومتصارعون، يسعون للاتفاق فيما بينهم وعقد صفقاتهم الخاصة دون الانتباه للجراح التي اكلت من جسد الاسد وحطمت من قواه..

ثورة الشباب صداها هناك، في كهوف طهران واميركا وربما دول اخرى ، وكلها تراهن على خفوت عزيمة الثوار، او تراجع الهمم وتصاعد الملل الى مزاجهم وارواحهم وعدم قدرتهم على المطاولة، ولكن وربما هذه هي الشوكة التي تقف في بلعومهم اليوم وهي ان العراقيين اشبه ما يكونون قد افاقوا من غفوة طويلة، ولم يعد بامكانهم الاستكانة لما هم فيه..

ليس من مصلحة طهران ان يستقل العراق وان يمتلك العراقيون ارادتهم وقرارهم، اذ انها ستفقد ميدانا مهما لصراعاتها المتواصلة، كما ستفقد كنزا مكنونا مرسما باسمها، واخيرا فان استقلال العراق يعني اعلان فشل ذريع للنظام الايراني وربما بداية لانهياره..

اما اميركا فهي ايضا ستفقد باستقلال العراق فرصة الهيمنة المتكاملة على المنطقة، كما ان شركاتها النفطية ستكون ربما تحت طائلة اعادة النظر فيما حصلت عليه دون حق ودون مراعاة لحقوق الشعب عبر جولات التراخيص سيئة الصيت، وربما ايضا سترى في استقلال العراق تهديدا لامن اسرائيل كما تحب ان تسوق كل خطواتها وفق هذه القاعدة..

شبابنا الثائر البطل اذن امام هذه التحديات التي لايمكن ان تكون سهلة وبسيطة، تبتدأ من قوة الميليشيات وجيوش العملاء والمتامرين والمندسين ، وقوة النظام الذي هو واجهة لقوى اخرى ومن ثم لاراداة قوية متحكمة ومتغلغلة، ولكن كل ذلك ليس بشيء امام قوة شعب قرر ان ينهض وقرر ان يستقل وان يتوحد وان يرفع عن جسده رداء الكسل والجمود والرضوخ وان يستخدم حقه كاي شعب مستعمر ومحتل يطمح للاستقلال والحرية والعودة للحياة..

لا تعليقات

اترك رد