زهير حضرموت .. أجنحة ترفرف وأصابع تعزف

 

تساءل عن سر ما يقودك إلى هذا المكان ..لتقول أنك تعرفه أو أنك عشت فيه في سالف الأزمان هي الألفة تشدك إلى مدخل الدار إلى جوانب ترقص فيها الجرار وإلى تفاصيل واضحة يحوطها الخضار ..إلى آنية ملساء كما المرايا إلى أجنحة ترفرف وأصابع تعزف في إحدى الزوايا إلى وجه تنبعث منه الملاحة ونوافذ لا تنقصها الفصاحة إلى وجنتين بلون الخجل إلى ليلى المحكومة بالأمل تترقب وتراقب متلهفة لعودة الغائب في عينيها ألف سؤال وجواب وخلف صمتها يختبئ العتاب أما أنا فصرت أقلب في لوحاته كما لو كانت كتاب

كان الباب مفتوحا … وكان القلب مجروحا .. توجهت عبر مدخل الدار إلى البهو مشدودا بغير خيار … عيوني على ليلى ويداي تلاحق الحبل النازل من إحدى الأشجار كنت أثبت قاعدتي على الأرجوحة لأطلق أسئلتي المستورة والمفضوحة بالنيابة عنكم مستأذنا من زهير حضرموت الفنان ومنكم إلى أية مرحلة ينتمي الفنان ؟ وهل البحث في الشكل غايته ؟ أم هي تغريدة الألوان

ماهو ترتيب الموضوع كقيمة في أعماله ؟ ومن من الفنانين يعمل على منواله ضمن أية تراتبية استطاع أن يوظف نسيج السطح ليعطي ذاك العمق الأثري الموحي للحجارة والمكان ؟

قبل أن أمر على تلك الأسئلة .. أتذكر وأذكر أصدقائي البعيدون والقريبون المستمرون والمتوقفون وكل أولئك الذين يتابعون .. اذكرهم بسويعات كنا نقضيها في حديقة مركز الفنون القديم .. رسمنا الباب الصدئ والعشب النابت في الحجر الحزين كان هو الشاهد على الماضي وعلى الحاضر وعلى على عشقنا الباطن والظاهر أتراه كانت يتوقع الفراق أتراه كان يتألم بعد بهجة اللقاء هكذا كنتم وكنا يا أصدقاء يد ترسم الأحلام وقلب يشتعل بلا كلام عيون تسترق النظر وريشة تقتحم الخطر.. كان اللون طريقا غير مباشر للبوح ..

وكان عليكم أن تدركوا أن عودتي هذه هي مقاربة في الزمان والمكان بين ظلال البيت القديم في حماة ومركزنا المنسي ولوحة زهير حضرموت الأولى المشبعة بالتفاصيل الناضحة بالألوان كما ثمرة تضج خجلا كما فاكهة المنغا تذوب في الحلق عسلاً … في ذاكرتي البعيدة لازالت ألوانه حاضرة تتصدر جدران المحبة لترسم في الصمت الكلمات .. وليمرر ( الفينيق ) عبرها أجمل المفردات

وأخيراً يبقى التحليل المرتكز على الأسلوب فتحضيرات زهير حضرموت السابقة لسطح العمل لا تحاصر رؤيته إنما تغنيها عبر تلك الهضاب الجصية الملساء والخشنة التي يؤسس لها ثم يشكل من خلالها لوحته بما يتوافق مع الرؤى اللاحقة التي تمكنه من استنطاق الحجارة والجدران ليعزف من خلالها أجمل الألحان

وهنا يؤلف موضوعه مستحضراً كل المفردات الباقية في البهو والبيت القديم يوزعها ويصوغها محوراً ومصوراً الجلالة والشال والآنية والخلخال والقمر في الوجنتين .. يضج بالجمال .. توليفة لونية تشعرك بالتناغم والألفة وتنتقل بك عبر الظلال المرتبطة بالجذور إلى درجات الأخضر والعفن وإلى جرار تكسرت و تآكلت عبر الزمن ثم يكمل معزوفته عبر مفردات تبررها الحاجة للتفاحي والأحمر ولما تبقى من مكملات لونية في الزوايا الأصغر .. في النهاية يبقى ذاك الانتقال الغني بدرجاته والعمل الكث بمفرداته والمشغول بعناية فائقة ونفس عميق ليأخذ ما يحتاجه من زمن وليعكس الصورة الأنيقة للبساطة والغنى في شخص فنان يعشق الوطن

أختم منوهاً .. يقدم الفنان الشامل حضرموت عبر شاعريته ورحلته الصوفية الحالمة لحنا للخلود إذ نجده في الجانب الآخر يلعب على الكمان وهو هنا لا يستكمل معزوفته اللونية عبر مؤلفات موسيقية إنما يؤكدها ويؤكد لنا أن الأذن الرهيفة يمكنها أن ترى الجمال كما يمكن للعين الحساسة أن تلتقط لحناً ينسجه الخيال

لا تعليقات

اترك رد