حفريات تشكيلية ضياع فنان في سرايا السلطان ـ ج.2

 

يعد جوستوس ستويلينج Justus Stuijling (1595 ـ 1624)، أول رسام أجنبي زار المغرب، وكان ذلك عام 1620، ليشتغل في بلاط السلطان السعدي مولاي زيدان، يصمم ويسهر على إنجاز جداريات فنية بقصر البديع بمراكش. قضى مرغما، بالمدينة، أربع سنوات يتنقل بين أحيائها، ثم انقطع أثره في عام 1624. والحقيقة أن هذا الرسام الهولندي لم يكن الواحد الذي زار المغرب في القرن السابع عشر، لكنه كان الأول.

شذرات من التاريخ:
لا يمكن الحديث عن تاريخ أوروبا في العصر الوسيط دون سرد الأحداث التي توالت عليها، منذ غزو جزء من إسبانيا من قبل المرابطين (معركة الزلاقة 1086)، وبعدهم الموحدين (1146 ـ 1154)، وحركة البحارة والقراصنة المجاهدين الذين كانوا ينشرون الرعب في البحر الأبيض المتوسط، فتواصلت مراكبهم تهدد أوروبا في عقر دارها (هجوم قراصنة سلا على جزر أيسلندا عام 1627). ولا ينسى التاريخ معركة واد المخازن1، أو معركة الملوك الثلاثة، التي نشبت بين المغرب الأقصى والبرتغال عام 1578، وما خلفته من آثار في نفوس الدول المجاورة، مما جعل بعضها يتكالب على كسب صداقة المغرب والتعاون معه. واستمر التعايش الحذر بين القوى المغربية والأوروبية لأكثر من قرنين، إلى أن وقعت معركة إيسلي2 عام 1844، ف”كانت أول هزيمة مغربية خطيرة في مواجهة الجيش الأوروبي. فكارثة إيسلي ضربة لسمعة إمبراطورية باتت لا تقهر، والتي منذ معركة واد المخازن، قضت على جميع محاولات التوغل الأجنبي في أراضيها” (Abitbol ص.358). وهكذا، اختلت موازين القوى ومالت الكفة بشدة نحو الغرب. “إنها بداية لتطويق البلد من قبل أوروبا (وخاصة فرنسا وإنكلترا وإسبانيا، وبدرجة أقل ألمانيا) التي تستخدم الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية لتحقيق أهدافها: السيطرة على المغرب” (Lespes ص. 20)

إن سنة 1830، لا يمكن اعتبارها بدايةً لانطلاق التفاعلات بين المغرب وأوروبا، بل بداية إحكام قبضتها عليه، والتحكم في مصائره. فقد تشهد الوثائق الغزيرة، والأرشيف المتراكم بخزانات المغرب ودول أوروبية كانت على علاقة به، على مدى الروابط التي كانت تجمع المغرب الأقصى، أو ما كان يسمى بالإمبراطورية الشريفة، بدول مجاورة، بعضها بات يتربص الفرص للهجوم والاستيلاء على الشواطئ والثغور المغربية، والبعض الآخر يداهن ويلاطف عساه يكسب عطف السلاطين الشرفاء، فيسرع لتوقيع معاهدات الحرب والسلم، واتفاقيات التجارة والاقتصاد.

المغرب وهولندا:
تعتبر هولندا من الدول الأوروبية السباقة إلى التقرب من المغرب، خاصة بعد وقعة معركة وادي المخازن.

إن التقارب الذي ربط بين هولندا (الولايات العامة3) والمغرب، ساعدت عليه عدة عوامل منها، بالخصوص، الشعور المشترك الذي كانت الدولتان تبديانه اتجاه إسبانيا، إضافة إلى أن الجالية اليهودية الثرية التي استوطنت الأراضي المنخفضة، بعد طردها من الأندلس، تعاطفت بقوة مع يهود المغرب والجزائر، وربطت معهم علاقات تجارية متينة، فكانت السفن الهولندية تتردد بدون انقطاع على الموانئ المغربية.

وتثبت الوثائق التاريخية أن هولندا كانت تسعى نحو السلطان المغربي السعدي، أحمد المنصور (1549 ـ 1603) كي يوفر لرعاياها الأمن والأمان، على نحو ما يمنحه لرعايا إنجلترا وأصدقاء المغرب المقربين، وأن يتكفل بإيواء من يلجأُ إليه من الولايات العامة. واستمرت علاقات الصداقة بين البلدين حتى بعد وفاة أحمد المنصور. فوطدت هولندا روابطها مع خلفه السلطان زيدان بن أحمد المنصور. ومن تم استمرت الدولتان في تبادل السفراء بينهما.

وتعد المعاهدة التي وقعها المغرب مع هولندا عام 1610، أول معاهدة له مع قوة غربية، وتخص بالأساس الأسرى الهولنديين وتفويض سفنهم بالرسو في الموانئ المغربية. فهولندا، القوة الاقتصادية الكبيرة آنذاك، مالكة شركة الهند الشرقية الهولندية VOC ، كانت ترى نفسها ملزمة بكسب صداقة المغرب كي تضمن حصانة سفنها التجارية التي تمر قرب الشواطئ المغربية، وتتفادى هجومات قراصنة سلا. فنجدها تتصرف بأكثر من التعاون التجاري العادي حينما تدعم القراصنة بالمال والسلاح والرجال. والأكثر من ذلك أن أول زعيم قراصنة سلا هو الهولندي جان جونسون، الملقب بمراد الرايس، المزداد حوالي سنة 1575 بمنطقة هارليم بشمال هولاندا. “حكم سلا، وقاد عدة غزوات في بلاد الإنجليز ووصل مدى عملياته الى آيسلاندا، وكان من بين أسراه نبلاء أوروبيين، ووزراء لبعض الأقطار الأوروبية”.

مع بداية القرن السابع عشر تكثفت رحلات العودة للسفارات بين المغرب وفرنسا. لكن رغم تبادل السفارات، لم تكن العلاقات بين البلدين متميزة، ومن مستوى تلك التي كانت تربطه بهولندا وإنجلترا. ففرنسا، الحليف الأول للعثمانيين، الذين شكلوا “منغصا لا يقل عن الأول، [يتجلى المنغص الأول، حسب الدكتور عبد التازي، في الطرد النهائي للمورسكيين من الأندلس، على عهد فيليب الثالث، وهجرتهم إلى المغرب، بذلك طمع تركيا في المغرب، وعملها باستمرار على ضمه الى ما كانت تحتله من أراضي بالشمال الإفريقي، وقد كان مما زاد في دقة الموقف المغربي أن تركيا ترتبط بمعاهدات مع فرنسا لضرب إسبانيا”. (التازي ص. 131)

هوامش

1ـ معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة، هي معركة قامت بين بلاد المغرب الأقصى والبرتغال في 30 جمادى الآخرة986 هـ، 4أغسطس1578 م. تطور الأمر من نزاع على السلطة بين الملكين محمد المتوكل وعمه عبد الملك إلى حرب مع البرتغال بقيادة الملك سبستيان الذي حاول القيام بحملة صليبية للسيطرة على جميع شواطئ المغرب، كي لا تعيد الدولة المغربية بمعاونة العثمانيين الكرّة على الأندلس. انتصر المغاربة، وفقدت الإمبراطورية البرتغالية في هذه المعركة سيادتها وملكها وجيشها والعديد من رجال الدولة، ولم يبق من العائلة المالكة إلا شخص واحد ثم عادت الإمبراطورية البرتغالية بعد 93 سنة من سيادة إسبانيا عليها. (ويكيبيديا)

2ـ معركة إسلي هي معركة قامت بالقرب من مدينة وجدة بين جيوش المغرب وفرنسا في 14 أغسطس 1844 م بسبب مساعدة السلطان المغربي المولى عبد الرحمن للمقاومة الجزائرية ضد فرنسا واحتضانه للأمير عبد القادر، الأمر الذي دفع الفرنسيين إلى مهاجمة المغرب عن طريق ضرب ميناء طنجة حيث أسقطت ما يزيد عن 155 قتيل ثم ميناء تطوان ثم ميناء أصيلة. انتهت المعركة بانتصار الفرنسيين وفرضهم شروطا قاسية على المغرب. تمثلت هذه الشروط في استيلاء فرنسا على بعض الأراضي المغربية عقابا له، وفرضت فرنسا غرامة مالية على المغرب ومنعها المغاربة من تقديم الدعم للجزائر.

3ـ الولايات العامة أو المقاطعات المتحدة هي جمهورية أوربية سابقة استمرت بين عامي 1581و 1795في نفس موقع المملكة الهولندية الحالية. كانت من القوة العالمية الكبرى في القرن السابع عشر، وهي تتألف من سبع مقاطعات في شمال هولندا تمكنت من أن تنال استقلالها من اسبانيا في الفترة ما بين 1568 و 1609، ونمت قوتها تدريجيا عقب اتحاد أوترخت عام 1579 والذي كان من أهدافه الأساسية تحسين المقدرة العسكرية لتلك المقاطعات الثورية. وهكذا بينما بقيت المقاطعات الجنوبية (لاحقا بلجيكا ولوكسمبورگ) خاضعة لحكم الأسبان أصبحت المقاطعات الهولندية السبعة دولةً مستقلة بموجب اتفاقية أوترخت.

القرن السابع عشر كان العصر الذهبي لهذه الجمهورية، حيث امتدت سيطرتها الاستعمارية إلى مناطق شاسعة خلف البحار، مما فتح عليها باباً واسعا للموارد الاقتصادية المختلفة، ولعبت دورا بارزا في التحالف ضد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر خلال حرب الخلافة الإسبانية، وتحولت إلى مركزا عالميا للتمويل، كما لمع نجمها أيضا كمركز ثقافي بارز في أوروبا.

مراجع:

· عبد الهادي التازي ـ التاريخ الدبلوماسي للمغرب، المجلد الثامن السعديين، 1988

· Michel Abitbol, Histoire du Maroc, Paris, Perrin, 2009, p. 358.
· Marlène Lespes ـ De l’orientalisme à l’art colonial : les peintres français au Maroc pendant le Protectorat (1912-1956), THÈSE de Doctorat, Université Toulouse Jean Jaurès 2017

المقال السابقسبب خراب البلد
المقال التالىالمقالح ليس شاعراً
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد