شعب ” الديمقراطية ” المختار, شعوب الله المحتارة

 

شعب “الدّيمقراطيّة” المختار
كنّا منذ “فجر” سنة 2011 نذكر “معجزتنا التي مثّلت نقطة الضوء الوحيدة في المنطقة التي وقفت لها أعظم الأمم والشعوب تقديرا واحتراما ودعوة للاحتذاء.كانت ثورتنا “عظيمة” إلى درجة جعلتها تتمدّد في شمال إفريقيا وسوريا واليمن دون أن يكون للتونسيين في ذلك فعل مباشر.لقد فاضت “الثورة” عن إطارها. لكنّها قصّرت عن الوصول إلى مناطق أخرى لم تتحقق فيها شروط الثورة. فتوقفت في البحرين وولّت ناكصة على أعقابها بعد أنّ صحح “المهندسون الكبار” المفاهيم والمسارات. ووضحوا الوجهات المقصودة. ورغم ما حدث “للثورة” في سوريا واليمن, رغم تلك الخيبة مازلنا نصرّ على أنها مفخرة الشعب التونسي العظيم. شعب ينتخب رئيسه بأكثر من السبعين في المائة من الأصوات. ويسلّم فيه الرئيس السّابق للرئيس اللاحق مقاليد السّلطة في جوّ مفعم بالودّ والتفاهم وربما “الحب”. إنّها “مفخرة” تونس بين الأمم , تونس التي يوشك فيها التداين الداخلي والخارجي أن يصل 80 في المائة.ولكنّ “الكرامة قبل الخبز” دائما. وهذا ثمن قليل على ثورة لم ترفع شعارات مطالبة بدعم الخبز. غير أنّنا بلا خبز نموت وتموت الثورة أيضا.

إنّه شعب “الديمقراطيّة” المختار الذي علّم شعوب المنطقة نواميس الثورة. وقديما كان شعب الله المختار “يعلّم” النّاس كيف يكون الأغيار في خدمته. وتبنى في الدين وفي السّياسة قناعات يصعب على النّاس الانفلات من قبضتها إذا لم تقوّمها بالنّقد وهي في المهد. ولكنّ ثورتنا شبّت عن الطّوق…وقدّر الله وما شاء فعل.

وتبدأ القناعات عفويّة بسيطة “لذيذة” محبّبة إلى النفس. وتبدأ القناعات منطقيّة( شعب يختاره الله ليخرجه من ضيق الاستبداد إلى رحاب الحريّة التي أسس فيها وبها دولة تقوم على رفعة عنصر الشعب القائد الملهم) ثمّ ما تفتأ تلك القناعات الأرضية النسبية تتفاعل وتتضخم حتى تكتسب أبعادا سماويّة مقدّسة يعاقب من يقف في وجهها عقوبة قد تصل إلى القتل. وقس على ذلك حينما يدّعي شعب أنّه صاحب رسالة( شعب ينشر العدالة والاشتراكية بالبوارج والمدافع . وشعب يبشّر بالديمقراطيّة بالطّائرات وعربات الهمر في االعراق وأفغانستان وليبيا والصومال. وشعب يدعي أنّه فهم الدّرس الديمقراطيّ كما لم يفهمه أحد حتى يحقّ له أن يسمّى شعب”الديمقراطية” المختار.) ورغم أننا فشلنا في أن نكون شعب “الرياضة” المختار, فقد تمكنّا بالثورة أن نكون الأوائل الرواد.

لكنّ شعب “الديمقراطية” المختار تثيره المشاهد المهيبة والخطابات الجليلة فيضعف وهو القويّ. يضعف حينما تحضر تلك المقارنات الماكرة بين ماض شقي فيه وبه الرجال وحاضر يعبق بنسائم الحريّة التي لم يبق منها في ليبيا ومصر واليمن شيء يذكر. ولا يجرؤ شعب”الديمقراطية” المحتار أن يسأل نفسه :” لماذا تعطلت عجلات التحرر في كل الأقاليم التي أصابها وابل تحرري ساقته الريح الثورية من غرب إلى شرق؟ إنّ مجرّد السؤال مربك لأنّه مشكك ويستبطن نفيا لكلّ ذلك الحلم الجميل وكفرا بتباشيره. وفي كل الأحوال فالجواب جاهز(إنهم الأزلام وبقايا الأنظمة البائدة وقوى الردّة ) ولذلك كانت الثورة الثقافية.كانت دعوة عفويّة لـ”تصحيح” مسار ظل يراوح مكانه ولم يبدأ بعد. ولكننا سنظلّ دائما شعب”الديمقراطية” المختار. نعم لم تخترنا العناية الربانية ربّما. ولكننا اختارتنا العناية العولميّة.

شعب “الديمقراطية ” الحالم.
مرّت الآن على شعب” الديمقراطية” الحالم تسع سنوات بتقويم الثورة. وإنّ يوما من أيّام الثورة المجيدة ليعادل شهرا مما كان يعدّ الناس قبل الهبّة المقدّسة. كلّ هذه المدّة التي تركناها وراءنا كانت فترة الحلم بغد أفضل. ومن حقنا أن نكون “حالمين” لكن بماذا؟

ألبرلمان انتخبناهم بأيدينا ونحن في كامل “وعينا” الثوري ثمّ التفتنا إلى الوراء نسبّ كثيرا ممن انتخبناهم ووصفناهم بأنهم مهربون ومستكرشون ولصوص ومروجو مخدّرات؟لكنّ عدّ عن ذا …

وهل نحلم بأكثر من رئيس يمشي في الأسواق ويعيد إنتاج نماذج أصيلة يحييها فينا شيء مبهم هو مزيج من حنين ويأس.

شعوب “الثورات” المحتارة
لئن اتفق الأحرار , في هذه الأيّام, على ضرورة دفع الظلم والمطالبة بالحريّة وبحقّ المشاركة في الشّأن العام فإن مسألة تنفيذ هذه الثورات “المباركة” توقيتا وترتيبا للأولويات وتحديدا للغايات والأهداف قد شكّلت نقطة الاختلاف بين ذوي النوايا الطيبة الذين تعلقت هممهم بالقيم الفاضلة وبالديمقراطية والانعتاق والمحترسين المرتابين. إنها ثورات بلا قيادت وبلا تخطيط., ثورات عفويّة, بريئة, صادقة أكثر من اللازم. هي ثورات يجيشها الشّباب تجتاح شرق البلاد العربية تغري بفتنتها الشيوخ والكهول والنساء, يشعل الشباب الثورة وهو يقبس من “جمر” عاطفته الجيّاشه مندفعا في مسار لا تظهر معالم نهايته, ينطلق الشباب بلا حسابات مسبقة تدفعه إلى النهايات المجهولة غربةٌ يعيشها في البيت والشارع والمدرسة وفي مقاهي البطالة المنتشرة في كل ركن من الحيّ والمدينة . وهو لذلك يقاتل من أجل عالم جديد, عالم يقوم على أنقاض المألوف المستهلك, عالم يأتي مرحّبا به. ولكنه ويمضي غير مأسوف عليه لأنّ الواقع لا يطابق الحلم ولأنّ الطريق التي بلا “نهاية” تعد بالمزيد من المشاريع ولكنها لا تحقق شيئا.

ولكنّ هذا الطموح الفيّاض وهذه العاطفة المندفعة وهذه الإغراءات التي لا تكف عن الغمز واللمز , كلّ ذلك لا يسلم دائما من التّأثيرات المغناطيسية التي يسلطها أصحاب المشاريع المريبة في الخارج ومن يشاركهم المنافع في الدّاخل. ويسعد هؤلاء المنتفعون من الثورات كثيرا عندما تكون الثورات بلا قيادات. وتكون ثورات تائهة في الفضاء الثوري المسكون بالشّعارات . وهل شيء أكثر تأثيرا في الشباب من الشعارات؟

ولكنّ الثورات أيضا بدت محتارة. تبدأ بالبحث عن أسمائها وكناها وألقابها فيرتاح البعض إلى “الياسمين” ويمتعض من ذلك بعض الثوار لما يرونه في الاسم من رخاوة وليونة ولذاذة قد لا تتوافق مع حدّة المعاناة والمكابدة والتضحية والدماء التي نزفت في صمت. وقد يستعيض البعض من الثوار في ثورات جارة عن الاسم ليختاروا التاريخ علامة كثورة 17 فبراير وثورة 25 يناير ويتحول “الياسمين” بذلك إلى ثورة الشهر (17 ديسمبر 2010 -14 جانفي 2011) إنها “ثورات” تبحث عن هويّة. ولكنّها في بحثها عن ذاتها وعن هويتها تتحوّل إلى حقل ألغام ينذر بالانفجار في كل لحظة.فتتحوّل إلى كابوس يزجّ بالوعي في مضايق المؤامرات فيخيب الظنّ بالمقبل وتستوطن الحيرةُ الألباب.إنها شعوب الله المحتارة.

لا تعليقات

اترك رد