المزمار الذي أطرب العالم و لم يطرب صعاليك الحي عمر حمدي / مالفا و الذكرى الرابعة على ولادته الجديدة

 

” مزمار الحي لا يطرب ” ، مقولة شعبية تم و يتم تداولها جداً و في أكثر الأوساط الإجتماعية على إمتداد الشرق ، و نستمر في رمي صاحبه بكل حجارة الله حتى يسقط ، نحن قوم ينام الرب في داخل كل فرد منا ، و ننسى أنفسنا ، وحده الرب يستيقظ فينا ، فنحس بأننا الرب ذاته ، و بأننا ما إن نقول كن يجب أن يكون ، لا نرى النجاح إلا في ذواتنا ، فالمبدع نحن ، و المميز نحن ، و الذي يُحْيي العظام نحن ، نحن الرب لا قامة يعلو أمام هاماتنا التي تنطح السحب و السموات ، نعم نحن قوم لم نمارس أبجدية الحياة و لهذا نمسك من ياقة الناجح منا و نجره إلى القمامة التي نحن منها و التي باتت تنتشر بقوة و كثافة على إمتداد جهات الحي

نعم مزمار الحي لا يطرب قلناها كثيراً ، و عزفنا عليها طويلاً و مازلنا نعزف ، مقولة تقال حين يتمايز أحدهم عن أقرانه ، و يبدأ ضوؤه بالسطوع في الأعالي ، ويبد أالآخرون من خارج الحي في تمجيده و تقديره ، و يضعونه في المكانة التي تليق به ، مكانة عالية مع أرفع الأوسمة ، وحدهم أبناء الحي يجحدون في حقه ، بل و يسعرون عليه كلابهم علها تنهشه و تنهش نجاحه و تعيده إلى ما كان عليه ، إلى بيته الطيني المسكون بالفئران و العقارب ( حسب قولهم )، إلى بيت فيه ينهال الأب ضرباً على أمه دون أن يعرف أو تعرف السبب ، و عليه كلما شاهد أصابعه مغموساً بالألوان ، يهاجمونه و يحاسبونه على كل شيء ، نعم على كل شيء بما فيها طريقة مأكله و ملبسه و نومه و مشيته بل حتى في طريقة خرائه

الأهم أن يتم إصطياده و إن لم يكن الماء عكراً ، هذا الحال ينطبق على سفيرنا في الأرض عمر حمدي / مالفا الذي إستطاع أن يقدمنا في كبرى المتاحف العالمية ، فبدل أن نكرمه أكثر من الآخرين و نبين للآخر بأنه إنموذج عنا جميعاً ، فهو يمثلنا في كل مكان يتواجد فيه ، و بأن الحليب الذي رضع منه رضعنا نحن منه ، فأعماله الآن تسرد حكاياتنا في أكثر متاحف الأرض و أهمها ، فبدلاً من أن نتفاخر به ، و بأن شعباً أنجب مالفا لا يمكن أن يقهر ، فبدلاً أن ندعو إلى إقامة متحف له و بإسمه أسوة بالفنانين الكبار الذين باتت دولهم تعرف بهم ، ويضم أعماله و مقتنياته و كل ما يتعلق به يأتي إبن الحي ليقول عن مزماره بأنه لا يطرب ، و بأنه ليس أكثر من دهان تعلمها أثناء عمله في كتابة إعلانات السينما و بروشوراتها ، يأتي ليرميه لا بحجرة بل بكومة أحجار

و بالعودة إلى ذلك إبن الحي فهو إما أن يكون جاهلاً بالفن و قيمته أو يكون من حزب سياسي لا يفقه من السياسة أبجديتها ، لا يفقه غير التصفيق و المااااااااع الطويلة و هو يمشي خلف المرياع مبجلاً إياه دون أن يعرف إلى أين ، أو يكون من فصيلة( الفن لا يشبع خبزاً ) و بالتالي فهو بعيد أيضاً عن ماهيته و عن خالقه ، أو قد يكون فناناً مغمورا أصبح له سنوات طويلة و هو على موائد أوروبية لم يسمع بإسمه إلا زوجته ، و لم ينجز ما يتجاوز دروس فنية كان يأخذها على موائد الكلية ، و إما أن يكون من باب الغيرة ، فنحن أبناء الشرق نرمي الناجح بمليون حجرة حتى يسقط ، لم نتعود على الإعتراف ببعض ، هذا الإعتراف الذي يرفع من شأننا لا العكس ، و لنقرأ ما قاله الآخرون عنه علّنا نصحى من غفلتنا ، فقال عنه الدكتور في النقد و علم الجمال ديترشيراكة مدير متحف الفن الحديث في فيينا / النمسا : إن من الخطأ أن نتصور بأن الفن الأوروبي فقط بإستطاعته أن يصبح عالمياً ، مالفا يثبت بجدارة ، بالرغم من إنتمائه الآسيوي ، بأن الفن قوة نابعة من الألم . و قال أيضاً : للوهلة الأولى للمتأمل لأعمال مالفا يشده هذا الفيضان اللوني المنساب من يده على اللوحات ، و إلى أهمية هذا اللون و حركته و توزيعه مما يدفعنا لمقارنتها بأعمال كوكوشكا ، و فان كوخ ، و كيرستن في النمسا .

أما الناقد الإيطالي مارسيلو أفيتالي و الأستاذ في أكاديمية الفنون الجميلة في روما بإيطاليا فقال : خلق لنا مالفا مستقبلاً جديداً من اللون و الحب ، بعيداً عن ذلك الإنحطاط الفني التي تشكو منه أوروبا ، على حين قال عنه الناقد و الفنان التشكيلي الفلسطيني عبدالله أبو راشد : بأن الفنان التشكيلي السوري عمر حمدي يعد ظاهرة فنية تشكيلية سورية تجاوزت حدود الجغرافية السورية و الوطن العربي ، لتحفر لها مكانة مميزة في ذاكرة الحركة التشكيلية العالمية ، و رواد الفن و صناعه بإعتباره واحداً من مشاهير الفن التشكيلي المعاصر

و يقول الناقد و الفنان التشكيلي السوري أديب مخزوم : بأن عمر حمدي لا يمكن التعريف به إلا كواحد من أهم الفنانين المعاصرين و أكثرهم موهبة و قدرة على تجسيد الحركة الحية في الرسم الإنطباعي و التجريدي معاً ، و هو يقدم عوالم جمالية تشكيلية حديثة تنتشلنا و لو للحظات من دوامة القلق و الإضطراب و المعاناة المتواصلة و يتابع مخزوم في مكان آخر : لم تكن المساحات البانورامية التجريدية مجرد إطار إستعراضي و إنما سجلت في فن عمر حمدي و بعد مشاركات عدة في تظاهرات فنية عالمية ، أما الناقد التشكيلي الذي لا يموت صلاح الدين محمد فيقول : عمر حمدي في لوحاته لون يعيد في الأذهان عصر التألق في الفن العالمي و خاصة في الخمسين عاماً التي سبقت و تجاوزت عام 1900 حينما لعب اللون دوراً حاسماً في التشكيلات الحديثة ، و يقول عنه الدكتور و الناقد و الأستاذ في كلية الفنون الجميلة بدمشق محمود شاهين : إن لم يكن مالفا أهم ملون في هذا العصر فهو حتماً من الملونين المهمين ، و يقول أيضاً : عمر حمدي أصبح في رحاب العالمية

لقد حقق حلمه بالسفر و الإنتشار ، أثبت وجوداً فنياً كبيراً في أكبر دول العالم . و يقول أسعد الكفري : عمر حمدي سفير الفن السوري إلى العالم ، أما الباحث الدكتور سعيد الرفاعي فيقول : عمر حمدي فنان من سورية يدخل قائمة الفنانين العالميين ، لوحاته سيمفونية تظهر آلامه الداخلية و آلام شعبه ، إنه واحد من التجريديين الكلاسيكيين ، و واقعية بلا ملامح ، خصوبة في اللون ، حركيّة المحتوى ، داكنة الأجواء ، و بنائية الشكل و تبدي السيدة سيلفيا سينجر مديرة إحدى صالات العرض في فيينا بنمسا أسفها لأن الولايات المتحدة الأمريكية أخذت عمر حمدي أكثر من بلدها النمسا ، و تكمل : إستطاع عمر حمدي/ مالفا أن يرسخ إسمه في أكبر بوابات أجهزة الإعلام الغربية ، و صدرت عن أعماله مجموعة كتب و كاتلوكات ، و تقاويم سنوية ، و ملصقات جدارية ، كما دخل إسمه القاموس الدولي Who’s Who السويسرية.. و تقول أيضاً : أمام هذا الزخم الكبير للتجربة اللونية التي يتميز بها مالفا كواحد من أهم ملوني القرن العشرين و واحد من أكثر الفنانين إنتاجاً و تسويقاً في العالم

و يقول الناقد و الفنان التشكيلي سعد القاسم : بين أعمال عمر حمدي الواقعية و أعماله التجريدية خط غير منقطع لا يصعب على المتأمل إكتشافه ، خط يمتد من تجاربه الأولى إلى أحدث أعماله و قوامه و إمتلاك بارع و مبدع للضوء و اللون يفسر من جهة أهميتها في فن التصوير و يبرر من جهة ثانية وصف عمر حمدي بأنه واحد من أهم الملونين في عصرنا ، على حين يقول الدكتور سعد الدين الطويل عنه : عمر حمدي هذا المتأمل الدائم لكل شيء يمتص كل شيء و يفرز ما يريده ، و هو واحد من القليلين الذين تمتلكهم أوروبا و أمريكا بشكل إستثنائي أو قسري ، أو ربما لضرورة الحفاظ على المفارقة الزمنية و الثقافية ، و معادلة الفن و اللافن ، بين المعطية الإبداعية و المعطة الحرفية ، و مع أن عمر حمدي يحاول أكثر من مرة الظهور بمجموعاته الكبيرة ، مجموعة من اللوحات ، كل لوحة منفردة تشكل بمجموعها لوحة واحدة كبيرة ، هذا الظهور الذي يقدم فيه نفسه في المعارض الدولية ، و الذي شكل بذلك إنتباهاً ملحوظاً في الأوساط الثقافية .

سنكتفي بهذه الآراء التي ما هي إلا غيض من فيض ، ما هي إلا قطرات مما هطلت على حقول مالفا ، فالغيوم كثيفة ، و الأمطار بعدها كانت غزيرة ليس بمقدورنا أن نجمعها جميعاً هنا ، بل نعجز نحن و المجلدات ذاتها تعجز عن ذلك ، لكن فقط نذكر بأنه الفنان التشكيلي الوحيد الذي ينتمي إلى الشرق و ترد إسمه في قاموس ” الفن التشكيلي العالمي ” الذي تصدره مجلة فلاش آرت المعروفة ، و أيضاً في قاموس الفنانين العالميين Art contem pain modial.

و أخيراً إذا كنّا جاحدين كأبناء حيّه كل هذا الجحود بحقه ، فلم نقدم له شيئاً من مستحقاته الكثيرة في ذمتنا ، حتى أننا كشرقيين لم نكن مخلصين لطقوسنا ، و لم نستجب لوصاياه القليلة ، فلا دفناه في التربة التي ولد منها ، و لا أحرقنا جثته لنضع رمادها فيمتحفما ، بل لم نستجب حتى لتلك الوصية الصغيرة التي قالها مرة في أحد حواراته بأنه يحب أشياءه الصغيرة التي لا ثمن لها و تشكل ثروته التي يتمنى أن يضعوها ( و يقصد الفراشي )معه في قبره . عذراً مالفا ، نحن قوم نكره الناجح و نطعنه إلى حد التلاشي ، نحن قوم لا يليق بك أن تكون بيننا و لهذا تركتنا في موتنا و مضيت بحثاً عن حياة جديدة تليق بك و بقامتك و ريشتك و إنسانيتك .

لا تعليقات

اترك رد