“ الخَمَّاطْ ” !!

 

يتهم البعض أحياناً شخصاً بعينه فينعته بـ (الخماط) ، أو يقول (فد واحد خماط)، أو (خمط فلان)، أو (خماطة)، فما المقصود بذلك؟
خَمَط : بمعنى أخَذَ بسرعة، وهي كلمة تُعطي نفس معنى كلمة عامية عراقية أخرى (نَتَشَ) أو الفصحى (خَطَفَ) ، ويوجد ما يُرادفها في البابلية وهو جذر (خماطو) بالمعنى نفسه تقريباً.
والجدير بالذكر هنا أن اسم ملاح العالم الأسفل المُوَكَل بنقل أرواح الموتى في نهر ذلك العالم في الأساطير العراقية هو: (خَمَط تبال) وتعني: (خُذ على عَجَل، أو: احمل بسرعة). وعلى نفس المنوال نجد أن الأساطير اليونانية أعطت اسماً لملاح عالمها الأسفل وهو (شارون أو خارون) ، وهو اقتباس كاربوني آخر من أساطير ما بين النهرين(1 ).
في العراق تحديداً شاعت هذه المفردة بعد احتلال العراق عام 2003 بسبب الانهيار الأمني والاقتصادي والتفكك الاجتماعي وضعف المؤسسات القانونية وتردي الخدمات وغير ذلك من عوامل الانفلات ، وكان السراق (واللغافة) و (الخماطة) ، في مقدمة الفاسدين الناهبين ، والأخطر منهم ، من تبوأ مناصب عليا في الدولة أو تسيد على الناس من خلال الأحزاب أو الميليشيات أو البرلمان أو بحكم القربى للمسؤولين وهكذا.
وكان التمادي واضحاً وكبيراً في عملية (الخمط) بسبب فساد الرؤوس الكبيرة ، وخشية من القلة القليلة الباقية من الشرفاء على حياتهم وعيالهم ، في حال محاسبتهم لهذه الحيتان النتنة وتقديمها للعدالة. بل وصل الحال الى قيام البعض ( بخمط ) التظاهرات والثورات بعد ثباتها ونجاحها من أجل إخمادها وإفشالها إرضاء لأجندات أجنبية !!.
إن الفساد لا يقل جرماً ووطأة عن الإرهاب ، وكلاهما وجهان لعملة واحدة ، فإذا كان الولي قليل الفساد فإنه كثير الإرهاب والعكس الصحيح أو كلاهما مكمل للآخر، ولهذا وجد الشعب نفسه أخيراً أنه في حال لا يحسد عليه بعد تجرعه مر الحرمان (والهجولة) ، وكان لابد له من استئصال الورم الخبيث وفصد الدم الفاسد من جسد البلاد ، ليعيش بكرامة وعز ، ويستعيد كرامته وحقوقه وأمجاده ، وكل هذا لن يحصل مالم يتم التخلص من آخر ( خماط )!!.

1- بتصرف ، الحكيم البابلي ، مُفردات سومرية آكدية آرامية لا زالت مُستعملة في اللسان العراقي ، الجزء الأول ، الحوار المتمدن ، 8-1-2015

لا تعليقات

اترك رد