مواجهة تسونامي الركود

 

لم يعرف العالم سوى ثلاثة أنواع من الأنظمة الاقتصادية من النظام الرأسمالي والاشتراكي والمختلط، بالطبع هناك مبادئ إسلامية تركز على سلامة المسار الاقتصادي بشكل أخلاقي لكن هناك دعاة لنظام ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي التصق بتنظيمات الإسلام السياسي وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، فيما أن الاقتصاد محايد ولا يمكن أن نطلق على الاقتصاد إسلامي أو غير إسلامي لكن هناك قيود ومبادئ يجب أن يلتزم بها الاقتصاد وهي مبادئ أساسية للحفاظ على سلامة الاقتصاد من الانحراف عن المسار الأخلاقي.

يعتبر البنك اللاربوي من المصطلحات الجديدة التي دخلت قاموس الفقه بل إن ما تسمى بالبنوك الإسلامية تحقق أرباحا تفوق أرباح البنوك التي تسمى بالبنوك الربوية بدأت بالخطوة الأولى من تفسير حرمة الربا تفسيرا جديدا وبيان معاني الربا وماهيته لغرض الالتفاف عليه وتغيير المصطلحات بأخرى ظاهرها البيع الحلال لغرض الالتفاف عليه وتغيير المصطلحات بأخرى ظاهرها البيع الحلال وباطنها الفائدة البنكية أي تغيير القواعد الشرعية الدينية التي تحرم الربا وذلك عن طريق الخروج شكلا من الربا الذي نص عليه القران، لكن ذلك لم يقود إلى نضج تلك الآراء وهذا التوجه لأن أساس النموذج الإسلامي المشاركة ولم ينجح المسلمون في تحقيقه على أرض الواقع أو لم يتمكن مؤسسوا ما تسمى بالبنوك الإسلامية من البحث عن صيغ لنموذج المشاركة التي نادى بها الإسلام بشكل قابل للتطبيق، بسبب أن مؤسسوا البنوك الإسلامية اعتمدوا على فتوى تحريم الربا وهي الفوائد البنكية عام 1965 في مجمع البحوث الإسلامية الذي حضره حوالي 80 فقيها من 35 دولة في القاهرة، والبعض حرم سعر الفائدة والجمارك والضرائب باعتبارها أكل أموال الناس بالباطل ويستدلون بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة صاحب مكس ) أي الضرائب وهو جهل كبير بطبيعة النظم الاقتصادية ولم ينظروا إلى أن تلك الضرائب تحمي الإنتاج المحلي من المنافسة الضارة وهي محرك اقتصادي وتنموي وهي وجهات نظر آحادية.

وإذا نظرنا إلى حديث الأصناف الستة الذي رواه مسلم عن عبادة بن الصامت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) فالحديث يسد ذريعة ربا القروض ويمنع

الحيلة في إتيان ربا القروض في باب البيع، ولم يدخل القرض في الحديث لأنه تحدث عن ربا البيوع ويستنبط من الحديث جواز البيوع المؤجلة في غير هذه الأصناف الستة ويجوز التفاضل إذا جاز التأجيل ولكن بشرط اختلاف الأصناف خارج الأصناف الستة ففي بيع التقسيط يزداد مقدار الثمن، حيث يستنبط من الحديث قيمة الزمن والمعجل خير من المؤجل، وهناك بيع السلم وهو الأرخص ( هو أن يسلم المشتري رأس المال للبائع في مجلس العقد قبل أن يستلم السلعة التي اشتراها على أن يعطيه إياها البائع بعد تحديد أوصافها في أجل ووقت معلوم أي أنها بيع سلعة آجلة موصوفة في الذمة بثمن مقدم والسلم ليس من بيع الكالئ بالكالئ المحرم شرعا ) وعن ابن عباس رضي الله عنه قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث فقال: من أسلف في شئ ففي كيل معلوم إلى أجل معلوم) وهو بمثابة التمويل مقابل الإنتاج والسلعة المؤجلة بالطبع يستفيد المشتري أو الممول أن تكون السلعة أرخص من السوق وهو يختلف عن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان.

وقد أشكل على مشركي مكة فقالوا ( إنما البيع مثل الربا ) فرد عليهم الله ( أحل الله البيع وحرم الربا ) فهناك ربا البيوع هو الذي ضيع كثير من الباحثين واختلط عليهم فهم معنى كلمة ربا المحرمة شرعا ولم يتمكنوا من التفريق بين القرض والبيع ففي صحيح مسلم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكرا – أي بعيرا صغير السن – فجاءته إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة فرجع إليه أبو رافع فقال لم أجد فيها إلا جملا خيارا رباعيا فقال أعطه إياه خيار الناس أحسنهم قضاء ) .

وما أود أن أركز عليه هنا في هذا المقال أن الدين الإسلامي نهى عن كنز الأموال وأكل أموال الناس بالبطال ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) فالنهي ارتبط بأكل أموال الناس بالباطل وكنز الأموال لأن إخراج الزكاة ينقص تلك الأموال المكنوزة فيضطر صاحبها إلى استثمارها في السوق لتحريك العجلة الاقتصادية.

نجد العالم الغربي يتجه نحو فرض رسوم على الودائع وجعلت أسعار الفائدة سلبية حتى تحولت الأصول إلى نوع من المطلوبات حتى لا يدخل العالم في أزمة مالية على غرار أزمة 2008 فهناك أسعار الفائدة السلبية في خمسة بنوك مركزية ففي سويسرا نحو 0.8 في المائة والاتحاد الأوربي 0.4 في المائة واليابان 0.2 في المائة فبعدما

كان ينظر إلى محافظي البنوك المركزية على صعيد القوانين التنظيمية أو تحديد أسعار الفائدة في العقد الماضي لكن بسبب الفشل السياسي الواسع النطاق في توفير تحفيز من المالية العامة، ذهب محافظوا البنوك المركزية إلى أقصى حدود فأمطروا الاقتصاد العالمي بالأموال السهلة وأنقذوا العالم بذلك هم دمجوا السياسية المالية والنقدية أي رفع الأصول بشكل مصطنع تسبب في ذلك التسهيل الكمي رغم أن السياسة الكمية استطاعت منع الانهيار العالمي لكنها لم تعالج المشكلات الاقتصادية الحقيقية فيستمر الركود يطاردها.

الفائدة السلبية تؤذي المصارف وبالتالي اقتصاد البلاد بالكامل حيث تتسبب الفائدة السلبية في تحول الأصول إلى نوع من المطلوبات وتدمير استقرار صناديق التقاعد والتأمين.

ربع البنوك المركزية في مجموعة العشرين خفضت أسعار الفائدة الرسمية الخاصة بها، والحديث بين محافظي البنوك المركزية لا يدور حول كيفية إنهاء التسهيل الكمي لكنها لا زالت تتحدث عن مواصلة التسهيل الكمي لمواجهة الركود المتوقع فيما تساءل محافظ البنك المركزي الأمريكي جاي باول ما إذا كان ينبغي للاحتياطي الفيدرالي أن يوسع مجموعة أدواته.

السياسة النقدية على الطراز القديم كانت غير واضحة كذلك السياسة النقدية السلبية أمر مختلف تماما ويشعر الناس بشكل غريزي أن أسعار الفائدة السلبية غير طبيعية إلى حد ما التي شجعت مزيد من الديون وأصبحت هناك شركات معرضة للمخاطر وعدم سداد ديونها التي تقدر بنحو 19 تريليون دولار وهي نحو 40 في المائة من الدين الكلي في ثمانية اقتصادات رئيسية، كذلك تحث أسعار الفائدة المنخفضة المستثمرين عن عائدات أعلى في الأسواق الصاعدة.

العالم لديه مخاوف من ركود يباغت عالما بلا قوارب للنجاة، أي جولات أخرى في الحروب التجارية ستجعل صانعي السياسة أمام احتمال غير مستساغ هو محاولة مواجهة الركود بصندوق أدوات فارغ، بسبب أن السياسة النقدية الميسرة والارتفاع المصطنع لأسعار الأصول لتحفيز الإنتاج يفضيان إلى نمو سريع لكنه زائل وما يزال العالم يعاني تداعيات الأزمة المالية العالمية 2008 وبدأت البنوك المركزية تفقد كثيرا من نفوذها بسبب أنه يجب استخدام التوجه المستقبلي لتوفير دفعة أكبر للاقتصاد أكثر مما يقدمه تخفيض سعر الفائدة وحده.

المقال السابق“ الخَمَّاطْ ” !!
المقال التالىنبوءة
د عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية العمل الحالي : قسم الجغرافيا بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة أم القرى بمكة الخبرات العلمية : - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1413-1419 بمكة المكرمة - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1420- 1427 - رئيس لجنة اختيار مكة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد