فشـــــل التنويــــــر بالقطـــــــار السريـــــــــع

 

كي ادعم فكرتي المكثفة في العنوان اعلاه، والتي قد تبدو ضبابية المعنى للوهلة الاولى، دعني اقدم صورة واقعية لما جرى قبل مئات السنين في بعض دول الغرب عموما، اوربا و الولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص.

يذكر هنتجتون ” كان عدم الاستقرار السياسي سائدا في القرن العشرين الماضي في دول اسيا و افريقيا و امريكا اللاتينيه. ومرد ذلك ان معدل العصرنة كان اسرع بكثير مما كانت عليه في الدول التي ظهرت فيها العصرنة اولا. فالعصرنة في اوربا امتدت لعديد من القرون، وكان يتم التعامل مع كل قضية على حده. حيث كان التعامل حسب مبدأ “البرهان بالتجربة ” هو اساس تعامل الاوائل في اوربا…..ففي بريطانيا امتدت العصرنة 183 سنه (1649- 1823) وفي فرنسا امتدت الفترة 73 سنه وفي امريكا 89 سنه”.

اية جرعة زائدة من الدواء تجلب اثار معاكسة. وهنا لا اسعى الى خلق حالة ياس او الجلوس وندب الخدود او تقديم الشتائم ذات اليمين وذات الشمال، بل اسعى لشحذ الطاقة الفكرية للتنويرين في كيفية حل المشاكل والعقبات التي تواجه بناء مستقبل افضل من الواقع الحالي. ومحاولة ابعاد الفكر الوردي – الرومانسي عن مستقبل “بلا مشاكل”، حيث بالنظرة العلمية، وبها فقط، نستطيع تقديم الحلول للمشاكل الحالية والمشاكل التي تواجهنا مستقبلا في سيرنا نحو الافضل. هذا الافضل هو نسبي، حيث ان ما هو افضل اليوم لن يكون افضل مستقبلا. لكن بامتلاك المنهج العلمي و “البرهان بالتجربة ” سيكون هو الطريق الصحيح.

ومن اجل الخوض في خضم تعقيدات الوضع في العراق ومستقبله دعونا نعالج هذه المشكلة ثم نغوص في تحليل الوضع القائم .

هل ان اعتماد انتخابات حره وعادلة كافٍ ؟
يقول صامويل هنكنتون في ان العديد من المجتمعات الحديثة، لا تمثل الانتخابات او لا تقود الى الاستقرار، لان كي تكون الانتخابات ذات فائدة او معزى يجب ان توفر مستوى معين من التنظيم السياسي. لان المشكلة لا تكمن في اجراء او عدم اجراء انتخابات بل في ايجاد هيئات منظمه.

العراق، من ناحية النظام السياسي، كدولة حديثه فان ما قادت له الانتخابات هو المزيد من تعزيز قوى التفكك، والتي هي في الغالب ارتدادية الى الوراء. فالانتخابات كما يقول ماديسون يجب ان تقود الى :

1- تمكين الحاكم من السيطرة على المحكومين
2-ان يسيطر الحاكم على ذاته .

في العراق فان الانتخابات لم تقود الى تحقيق رقم (1) اعلاه، فكيف بالثاني.

ولنترك ماديسون الى حين ودعني اطرح سؤالي الجوهري التالي :
هل المشكلة في الحرية و الديموقراطية ؟
الديموقراطية والحرية كمبدأ إِنساني اساسي ظهر في مراحل متقدمة من تطور التنوير والحداثة وعبر نظال عنيف، لا بل دموي احيانا كما في فرنسا مثلا، الى ان وصل الى ما هو عليه في يومنا الحالي. وهنا يتوجب علينا تحديد الموقف من العلمانية ضمن مرحلة التنوير جلها. وهنا لا بد من العودة الى ظهور مارتن لوثر وشق الكنيسة الكاثوليكية وظهور البروتستانتيه وظهور حركة جديدة تدعوا الى عودة الكنيسة الى مهامها واهتمامها بالقضايا الروحانية فقط، وحدث ذلك مع بدايات ما يسمى العصرنه او ما سماه ماركس مرحلة البرجوازيه او الراسمالية او التنوير. ولا انوي في هذه المقالة مناقشه اي من تلك المفاهيم هي الادق، لان جّل اهتمامي هو توضيح ان السير في طريق العصرنه ليس بقصير ولا سهل وتكتنفه العديد من الصعوبات ولكن لا بد من السير فيه، فهذا الطريق هو سُنّة التاريخ.

ما السؤال اذن ….؟
ليس هناك سؤال بل استنتاج من تاريخ البشرية الا وهو … الحكم يمكن ان يوجد بدون ديموقراطية، ولكن لا يمكن للديموقراطية ان توجد خارج النظام .

ما الوضع الذي كان علية العراق قبل لحظة 2003؟ ماذا كشفت تلك اللحظة وما بعدها ؟
الاجابة على التسائل الاول اسهل بكثير من التمعن لايجاد وصف للمجتمع العراقي، تلك الصدمة التي كشفت تشرذم هائل . كان هناك حكم استبدادي قمعي اخفى تحت عبائته كل التناقضات والتشرذم داخل المجتمع.

كان النظام السابق يحاول ان يذيب مكونات الشعب العراقي تحت عبائة القومية العربية، فكان هناك تذمر كردي و ايزيدي وبقية المكونات. فعل سبيل المثال وليس الحصر بعد تاميم النفط بداية سبعينيات القرن الماضي رفع شعار “نفط العرب للعرب، موتو يا رجعيه” فكانت السخرية من هذا الشعار ” نفط العرب للعرب، وبالنزين للاكراد”. هذا النظام بفعل احتلالة للكويت جعل مبدء القومية العربية وتهتز ولكن لصالح اعادة انبعاث واحياء السلفية الجهادية، ومن جانب اخر هذا الفعل جعل من المبرر لقدوم وانشاء قواعد امريكية ثابتة ومتحركة في المنطقة. وعندما دخل العراق نفق ما بعد 1991 استعان بالعشائر وخلق شيوخ عشائر جدد سماهم الشعب العراقي سخرية ” شيوخ تايوان “. ولما لم يجد ان الاستعامة بالعشائر كاف عاد للاستعانه بالدين فخط على العلم الله اكبر تسبقة شعار البعث وحدة حرية اشتراكية، وخفف الضغط على القوى السلفية لتنشط داخل المجتمع العراقي. اما التعليم فانغمس في تمجيد الماضي او ما اسطلح عليه الخلف الصالح واصبحت الجوامع مركز لاستقطاب السلفية الجهادية وبالاخص بين الشباب وصفوف حزب البعث و كبار ضبط الجيش. تلك التغيرات القادمة من اعلى او المدعومة من اعلى، والمنبعثة من برغماتية مقيتة للنظام خلقت، بل اضافت، تذمرات جديدة للتذمرات السابقة.

هذا الفكر القومي لم يخرج من عباءة تمجيد التاريخ لا بل محاولات العودة له، فيذكر جون نيكسون في كتابه استجواب الرئيس بانه عندما كان يجري استجوابه لصام حسين وطرح السؤال عليه عن حدث معين تم خلال فترة ولايته، كان صدام حسين يبادر بالعودة الى حكم صلاح الدين .

قدر الضغط وصمام الامان
لدى قدر الضغط للطبخ صمام امان من اجل تسريب الضغط الزائد وكي لا ينفجر القدر نفسه، هذا ما افسر به الوضع في العراق.

وقبل الدخول في انفجار جدر الضغط دعوني اوضح ما كتبه كانط، حيث قال ” ليس هناك الا طريقة وحيدة لنشر الانوار وهي الحرية. ولكن ما ان الفظ هذه الكلمة، حتى اسمعهم يصرخون من كل حدب وصوب: لا تفكروا حذار من التفكير، الضابط يقول: لا تفكروا تمرنوا، وجابي الضرائب يقول: لا تفكروا ادفعوا، والكاهن يقول: لا تفكروا أمنوا “.

لماذا يخشون من التنوير. يقول كانت او يصف التنوير بانه “عملية خلاص الانسان من سذاجته التي جلبها لنفسه، التعصب وذلك عن طريق استخدام العقل دون ان يشوه تفكيره”.

ما الذي اخرج هذا التعصب لسجن الفكر ؟
لحظة 2003 لم يكن النضوج للمجتمع العراقي مؤهلا لاحتضان الديموقراطية لا فكريا ولا اجتماعيا ولا اقتصاديا ولا سياسيا، مع غياب شامل لمؤسسات تحتضن التغير هذا و غياب النضج السياسي. فما ان وجهت الضربة القاضية للنظام السابق حتى تشظى المجتمع العراقي الى طائفتين و قوميتين و تقوقع المكونات الاخرى . ولم يتوقف التشظي هذا عند ذلك بل امتد الى العودة السريعة الى العشيرة والقبيلة والمناطقيه والعائلة. ومما زاد الامر سوء هو التريّف المرعب لمدينة بغداد الى درجة يجد ابن بغداد نفسه غريبا في وسط لم يعد له ( انا ابن بغداد ومولود فيها وفي العديد من المرات اواجه السؤال التالي عندما اتحدث مع غريب حيث يسالني: من يا عمام ومن اية مدينة ؟ ).

كان الامريكان يعتقدون انهم وعبر الصدمة و جاذبية افكار الديموقراطية انه وعبر برنامج اقتصادي طموح وعبر دستور و تجليس قيادات، او تمكينها، ستستطيع ان تقود البلاد بمرنة وسهولة نحو العصرنه والتحديث، ولم

يعوا انه حتى التعليم عندنا كان محاصرا بالمفاهيم الضيقة بلاضافة الى تخلفة الشديد، مع غياب شبه كامل للقطاع الخاص وشلل اقتصادي و اجتماعي للريف بلاضافة الى شلليته. كما وان غياب طبقة البرجوازية الصغيرة كان له التاثير السلبي ايضا. الا ان هذه الهزالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية كانت السند الاساس للحكم القائم بعد ان سيطر على عوائد النفط واصبح هو الممول للارزاق وليس العكس كما في الدول الراسمالية، حيث ان الفرد والشركة هم اللذين يمولون انشطة الدولة عبر الضرائب المتنوعة .

وقبل ان اترك هذا الموضوع عن دخول الولايات المتحدة العراق لابد من الاقرار ان امريكا لم تكن تفهم المجتمع العراقي اطلاقا . يذكر جون نيكسون في كتابه “استجواب الرئيس ان بوش الابن في تعليق له على تقرير قدم له من المخابرات المركزيه عن الاسلام، ولدى سماعه بوجود نزاع شيعي سني قال: انتظر، كنت اظن انك قلت ان جميعهم من المسلمين ؟

العودة الى المربع الاول !
يتوجب بناء الدولة اولا عبر تطوير المجتمع سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا وتعليميا على اسس العلمانية و دولة المواطنة ومن ثم ستنضج العوامل للحرية و الديموقراطية.

بالقطار البطيئ 2019/10/1الوصول الى لحظة
ما افرزته احداث 1/10/2019 ( ساسميها احداث لانها ما تزال تحتاج للوقت للتوصيف العلمي هل انتفاضه ام ثورة ام خريف الاسلام السياسي ) لكنها تبقى مهمة جدا، لا بل بالغة الاهمية من ناحية ما افرزته في الشارع. فتلك الجماهير التي خرجت غاضبة تجاه سياسات احزاب الاسلام السياسي، تلك الاحزاب التي كانت تعتبر ان هذه الجماهير قاعدتها الجماهيرية بعد ان كانت تخاطبها بانها اتت من اجل المظلومية التاريخية لتلك الجماهير. خرجت الجماهير وهي ترفع شعارات بعيدة جدا عن الدين والطائفه، ولا تقدم دعمها لاي حزب اسلامي ولا حتى مدني، مما يدل على بحثها عن تمثيل جديد لها. وعند هذه المحطة لابد من التوقف عند نقطتين :

تتجلى هذه اللحظة في الانتخابات لعام السياسية: -اولا2018. فرغم ان المشاركة في تلك الانتخابات انحصرت في قواعد احزاب الاسلام السياسي الا ان تلك القواعد كانت مشتته بشكل كبير بين تلك الاحزاب، حيث لم يحصل اي حزب او تجمع على اغلبية برلمانية مريحة تمكنه من اختيار رئيس الوزراء. من ناحية اخرى فان تلك الاحزاب لم تستطع الاتفاق فيما بينها على اختيار مرشح لذلك المنصب، فتم “التهادن” على اختيار شخصية دينية لكنه ليس عضوا من الاحزاب الاسلامية الطائفية.

من ناحية اخرى فان اختيار السيد عادل يمثل ازمة الاسلام السياسي في العراق، وذلك بعدم وجود شخصيات شابه، لا على صعيد قيادة تلك الاحزاب ولا على صعيد مناصب الدولة.

الاجتماعي:-ثانيا
جيل المتظاهرين هم شباب ولدوا في نهاية التسعينيات، وتكون وعيهم ضمن فترة الانفتاح على العالم مع صحافة متعددة و متنوعة، وعدد كبير من القنوات الفضائية المتنوعة ايضا، يقابلها خطاب ديني مسيس ومطعم بالمظلومية التاريخية، الا ان الواقع كان يصفع بعنف. دعني اصف هذا الواقع ببضع كلمات، وباختصار شديد على امل العودة بعد انجلاء الاوضاع :

” تتميز السياسات العراقية الحالية بوجود مؤسسات ديموقراطية شكلية، جوهرها الممارسات خارج القانون و و العرض الراسمالي للبضاعة والتي يسميها البعض “الزبائنية”. كما وان الاعتماد على عائدات النفط ادى الى التدافع على المغانم مما خلق سياسة ريعية، وحل محل الايديولوجيا الاسلامية سياسة زبائنية، والمثال على ذلك “مجالس الاسناد ” ،والتي خصص لها 282 مليون دولار، تلك المجالس المستمدة من المرحلة الصدامية لم تتوانى احزاب الاسلام السياسي من استنساخها. سياسة الزبائنية هذه اتبعها نوري المالكي و اسس لها عبر الدرجات الخاصة والتي تقدر باكثر من 6000 درجة خاصه،بالاضافة الى التعينات المنفلته حيث يقدر عدد موظفي الدولة المدنيين بـ اكثر من اربع ملايين مع زيادة في مرتباتهم لا تتلائم مع انتاجيتهم “.

ولا بد من تكثيف الوضع في العراق بعبارات مركزه. فما مستوى فهم و وعي القوى السياسية والقيادية في المجتمع العراقي. يذكر الصحفي اللبناني غسان شربل حوارا جرى بينه وبين احمد الجلبي، حيث قال الجلبي ” ارى ان فكرة الدولة بمعناها الحقيقي ليست عميقة الجذور لا في مجتمعنا ولا لدى القوى السياسية الرئيسية. لا تكفي الانتخابات حين تكون فكرة المؤسسات غائبه. ثم ان معظم القوى تتحدث عن الاقتصاد من دون ان تعرف ان العالم تغير والاقتصاد تغير. هناك تسابق محموم على الاستئثار والمكاسب الشخصية و الفئوية. لا يمكن ادارة الاقتصاد بعقلية الفصائل والمليشيات. اخشى ان يضيع العراقيين الفرصة. فتبقى بلادهم اسيرة اضطراب ستدفع المنطقة اثمانه ايضا.

لا تعليقات

اترك رد