المهرّج

 

أُسدلتْ الستارة العتيقة والممزّقة، ولا يزال التصفيق والصفير يملآن أرجاء ساحةٍ مكشوفة، أطلق عليها رجالٌ متعبون اسم _ المسرح الشعبي _. أحسّ بحبٍّ يغمره وهو يسمع صفيرهم ومناداتهم أن يخرج من جديد، فتح الستارة وانحنى بحركةٍ بهلوانيّة، رسمَ قلباً بيديهِ، وبعث قبلاتٍ طائرة من فمه المصبوغ حتى أذنيه باللون الأحمر.. رمى طفلٌ صغير يتشبّث برقبةِ أبيه، وردةً حمراء ذابلة، على وجهه انكفأ عند التقاطها؛ فاشتدّ الصفير والتصفيق، وكركر الطفلُ جذلاً. منهكاً نهض، أغلق الستارة وارتمى على كرسيٌٍ خشبيّ. سعادةٌ من نوعٍ فريد غمرت صدره وهو يشمّ الوردة الذابلة ويضعها على قلبه، ووجه الصغير ضاحكاً يبعث الدفء في روحه.. أُحبّهم، هم لا يدفعون فلساً واحداً.. لا يهمّ، تكفيني سعادتهم وضحكاتهم الصادقة.

سيخلعُ ملابس البهلوان، ويعود ماشياً بتثاقل إلى غرفته الباردة. يدلفُ إلى مطعمٍ صغير اعتاد أن يشتري منه سندويچاً بارداً كلّما عاد من المسرح. يملأُ رئتيه بهواءٍ نقيٍّ بارد، ويسارع الخُطى، يسابقه زهوٌّ ورغبةٌ ملحّة أن يطير.. أن يحلِّق في أجواءٍ لا متناهية. الفرحُ يغمره، السعادة في عيونهم المتعبة وقهقهاتهم، تملأُ روحه شوقاً إلى ضمّهم جميعاً إلى صدره. أناسٌ مجهدون، منسيّون يسرقون ساعةً من زمنهم اللعين، على مقاعد خشبيّةٍ بائسة، وبعضهم على الأَرْضِ يجلسون في انتظارٍ بهلوانهم النحيف، يزيحُ عن كواهلهم_ ولو لحين _ بؤس الحياة . سعيدٌ هو لتلك السعادة الصغيرة التي يرسمها على وجوههم لزمنٍ قصير؛ حتى وإن عاد بعدها وحيداً، متعباً إلى غرفته المعتمة.. يقبّلُ وردة الصغير.. ويقضمُ سندويچاً بارداً..

لا تعليقات

اترك رد