نذور وقرابين في برج بابل .. في المعرض المشترك للفنانين رضا فرحان وعقيل خريف

 

ان ما يجذب المشاهد لتجربة المعرض المشترك (نشيد الفجيعة) على أروقة برج بابل ببغداد هو تمظهر الصورة الافتراضية المصغرة للمجتمع الاستهلاكي المعاصر مابعد الحرب في بلداننا الممتلئة بالاحتلالات المتكررة التي تصنع الحياة بصورة وهمية موضوعاتها العزلة والحرمان والتشظي ومفرداتها الاشياء الجاهزة والنفايات المتنوعة تحت عنوانات تقترب من عتبات الملاذ الآمن !!الذي يحلمً به الانسان بشكل عام والعراقي على وجه الخصوص .

فقد استضافت اروقة برج بابل من العام الجاري (نيسان 2019) المعرض المشترك للفنانين العراقيين (رضا فرحان وعقيل خريف) الذي تضمن عملين فقط لكل فنان عمل فني تركيبي مفاهيمي وحيد ، محاولة من الفنانين مناهضة طروحات مابعد بعد الحداثة التي تعاشت مع الحروب وتداعياتها المفاهيمية وممارساتها الدوغمائية ومستوياتها المتنوعة في التزييف والتوهيم والترقيع والتقسيم والسيمولاكر والتجهيل والتي تحدث عنها المفكر والناقد الثقافي وعالم الاجتماع الفرنسي بودريارد في اغلب طروحاته مؤكداً على ان هذه المستويات المستبدة تقدم وسائل اعلامية حديثة تصنع لنا متاهات ودوائر مفرغة من الواقع ، فلا تعرض لنا وللآخر صوراً معبرة عن أحداث العالم الحقيقي بل مجرد صوراً افتراضية منتجة بأدوات غربية غريبة لعالم آخر … ليصبح العمل الواحد لكل من الفنان رضا فرحان والفنان عقيل خريف جاء بمثابة صورة حقيقية مصغرة من نمط الحياة الانسانية المعاصرة التي كانت ومازالت تمجد التهميش والتسليع ذات الابعاد الكولونيالية الخطيرة الساعية الى تغييب الهوية وتشويهها …

فالفنان رضا فرحان عرض عمله الفني الذي عنونه بـ (بقايا ذاكرة) والذي نشاهد فيه عربة حمل خشبية حقيقية متهالكة مع مسند (مقعد) صغير أمامها ، نجدها حاضرة في واقعنا العراقي المعاصر في الاسواق الشعبية والتجارية والتي يجرها انسان بسيط كاسب لرزقه القليل ويحمل فيها بضائع الاخرين الكثيرة والثقيلة ينقلها من مكان الى آخر مقابل أجر قليل يسد رمق عائلته .. ومن ثم نحت الفنان راس إنسان مقطوع ووضعه في العربة ! ليُعلن احتجاجه بان حتى الرأس الذي هو رمز للحكمة والعقل وللفكر الفلسفي والجمالي أصبح مجرد سلعة تباع وتشترى في زمننا المعاصر تشبه الى حد ما وكأنها خردة ! فضلاً عن تواجد أشرطة ذهبية اللون تداخلت مع الراس المقطوع ، محمّلة بالمرموزات الانسانية التي تمثل ذاكرة الحلم العراقي بالسلام والعيش الرغيد المؤجل منذ زمان في البلاد .

بينما شارك الفنان عقيل خريف بعمل تركيبي مفاهيمي بعنوان (جثة في مكب النفايات) ، قدم فيه رؤيته الفكرية والجمالية من خلال استعانته لخامات محلية جاهزة الصنع ،مرمية في المحيط المحلي والمتمثلة بالعلب المعدنية الفارغة للـ (كوكا كولا) التي وضعها على ارضية طلائية غروية تم لصقها بشكل متراصف أفقياً وعمودياً على وفق وضعية واحدة وبزوايا متشابهة تماماً استفاد الفنان من الفتحات الصغيرة للعلبة لتمنح المشاهد ملامح لأفواه مفتوحة تعبر عن حالات انسانية متوشحة بالألم والحزن والعوز كأن تكون صارخة أو جائعة ، ناطقة أو محتجة ضد الخراب والدمار التي صنعتها الحروب وفرضتها الاحتلالات المتكررة على البلاد .. فقد قام الفنان بطلاء هذه العلب وهي مرصوصة باللون الابيض ، تشبه الاقنعة المموهة والمتظاهرة ضد الظلام والفساد القابع في البلاد .

تكاد تمثل التجربتين ذات الاسلوب التركيبي المابعدي معرضا فنيا تتنوع فيه الافكار وتتشابك فيه الآراء وتتشاكس معها الاسئلة والمشاهدات وتتقارب وتتباعد الحوارات فكريا وجماليا وتقنيا بتعدد التأويلات والدلالات المعرفية والجمالية والادائية المتجذرة بخطابات الامس .

فالتجربتين المحتفية بجماليات مابعد الحداثة ومابعد بعدها ، أجدهما لا تخفي أحداث الامس الدامية وحقائق اليوم الطاحنة في العراق الجديد ، بل ربما نستشعر حضور الخطر نفسه بلونه الاحمر القاني ولكن بعنوانات مغايرة فنتنبأ بالقادم من الخسارات المتكررة … فالتجربتين ذات الابعاد المفاهيمية سواء كانت بخصوص تجربة الفنان العراقي رضا فرحان الذي مسرح الواقع كي يصنع ذاكرتنا البصرية فيذكرنا بالقرابين ويمنحنا المثال .. أو عن تجربة الفنان عقيل خريف الذي قام بتجيمع و تركيب أجزاء من النفايات المعدنية معا لتكوين شيء ثالث جديد يسهم في صناعة الاسئلة النبيلة .. تجربتان تستحقان المشاهدة والتقدير لما تحويه من معان عدة ودلالات رمزية عميقة وممارسات سوسيولوجية تحتفي بالهامش .

المقال السابقلتعزيز الحرية والسلام والعدالة
المقال التالىقرابين
الاستاذ الدكتور شوقي الموسوي Prof.Dr.Shawqi Al.Musawi Babel University / College of Fine Arts - شوقي مصطفى علي الموسوي - تولد العراق /1970 - حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون التشكيلية / كلية الفنونالجميلة بجامعة بابل / 1992 - حاصل على شهادة الماجستير في الفنون تشكيلية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد