“سوسنة المستنقع” بين الواقع السردي والخيال الشعري

 

“سوسنة المستنقع” بين الواقع السردي والخيال الشعري
قراءة نقدية مختصرة في رواية للأديب مختار عيسى
مطالعة العنوان(سوسنة المستنقع) وهو العتبة الرئيسة للولوج إلى النص؛ تحيلنا إلى محاولة إدراك مغزى اختيار هذه الزهرة؛ فالسوسنة زهرة جميلة لنبات السوسن وهو يزرع في الحدائق ولونه يميل إلى البنفسجي غالبًا وبعض الأزهار يغلب عليها الأبيض المطعم بالبنفسجي، ويمكن لزهرة السوسن التكيف مع ظروف البيئة المحيطة ، ولكن هل يمكنها العيش في المستنقع أو على حدوده.؟

. يجد المتلقي نفسه أمام تأويل واحد لِما هو مقبل عليه، وهو أن النص قصة بطلتها ماجنة أو بائعة للهوى، وهو ما يؤكده الغلاف الذي يحمل لوحة فنية واضحة وصريحة تجمع امرأة عارية تكشف عريها إضاءة اللوحة، ويظهر ملتصقا بها رجل مشعث الشعر مغبر الملامح، كما يبدو في ظل الوجه وكأنه الشيطان يوسوس للمرأة في أذنِها، وهو ما جاء في متن السرد لرؤية “ندى ” لجسدها في المرآة ص29 : “تشق قميصها الخشن من أعلاه إلى أسفله؛ كأنها تنتقم من امرأة مسرفة في خصومتها ، ترى جسدًا مشقوقًا، يمينه نهدان كأنهما جبلان، ويساره ذلك الوجه الشيطاني الكئيب، الذي يطاردها في كوابيسها الليلية ”

هذا هو الوصف الدقيق للوحة ولكنه في المتن وصف لحالة نفسية تعالج طبيًا؛ حيث كانت بداية السرد في عيادة دكتور نفسي(نادر) ولم يفوت الاهداء تاكيد المعنى ولا المقطتطف على الغلاف الخلفي؛ وقد يكون ذلك الوضوح في كل الإتجهات إفصاحًا مبكرًا عن الموضوع والمحتوى.

البداية
كيف جذبني السارد إلى عمق الرواية في دقائق بطريقة حوارية مشوقة وناجحة، أخذتني كمتلق إلى إكمال السرد من دون توقف، والبدايات من أهم أساسيات نجاح العمل الروائي، بجانب لغة السرد في حد ذاتها، فهي لغة عميقة تحمل أساليب التناقض والتوريات والشعرية بحساب.

الراوي
الرواية تأتي على لسان راو عليم ومجموعة أصوات سردية من خلال الحوارات أو بعض المنولوجات الداخلية لبعض الشخصيات الرئيسية.

_الإسقاطات لم تكن وافية لإبراز درجة الفساد في البداية وما تحققه سلبيات ونتائج الرشوة الجنسية وغيرها من وسائل الفساد على المجتع، بينما برز دور الإعلام في السرد في كيفية التعرية ونشر الفضائح الحقيقية والملفقة في كثير من الأحيان، وتشير الإسقاطات إلى بعض الأدوار للكبار في نشر الفساد، هناك إسقاطات على فئة من الأطباء النفسيين، المفترض فيهم الأمانة المهنية كشخصية “نادر” الذي أصيب بلوثة في نهاية الرواية، على أساس أن الطبيب النفسي احتاج لعلاج نفسي ولكن ليس لدرجة جعله هائما على وجهه برداء خشن! فوقوعه في حب المريضة، وممارساتها معه هي خيانة للأمانة ؛لأنه تقبلها وهو ما أبرزه السارد، وأظهره في حيرة الطبيب وألم الضمير الذي يتناوبه.

ولإظهار دور المعارضة وجرائدها، فهناك أنواع مهمة من الإسقاطات مضفرة بطريقة جيدة ومتماسكة ضاعفت من قيمة العمل فنيًا، ويزداد التوغل في الأحداث والتطرق إلى السياسة، وما طالها من بعض المفسدين، وبإدخال جريمة قتل الشاب المتدين، ليرمي لنا الراوي إلى أن الفساد يطال جميع الطوائف.. ومن الجدير بالذكر توضيح كيف تُستغل المرأة من بعض الجهات جسديًا؛ لتحقيق أغراضًا خاصة أو عامة، وإبراز إهانة المرأة في عمل روائي كسلبيات تُعري المجتمع جعل العمل يسير بنا في موج كالجبال من التمرد على السلبيات المجتمعية.

وينتقل الراوي عبر محطات الزمن مما يعيدنا إلى تذكر ما حدث في قتل قابيل لهابيل، بحيث يسقط لنا ما بين الأختين ندى ومنال من حقد إشارته على هذا الحدث، كل هذه الاتجاهات التي تسير بها الرواية تجعلنا نحار في تصنيف العمل،هل هو اجتماعي، سياسي ، سيرة غيرية، أو أدب الجريمة؟ فالرواية عجينة طيعة لكل الاتجاهات، وهنا لم تعد للتصنيف قيمه مع قيمة السرد والمواضيع التي تعرض لها ، وكان الجسد والمرض النفسي هو الريشة التي أضفت الألوان المكملة للوحة ليكون عملًا شاملًا..

_ الخيال والشاعرية
تأتي في أنسنة المعاني والأشياء مثال” تقاسمين عنوستك البكاء”

بناء الشخصيات
_ البعد النفسي في تكوين الشخصية الرئيسة(ندى )

استخدم المؤلف في بناء شخصية ندى وهي السوسنة ندى صاحبة التشوه الجسدي الذي استمد منه التشوه النفسي للشخصية ودل ذلك على القراءات الكثيرة للمؤلف في علم النفس.

_الخيال يأتي في الإشارة إلى مس الجان واستخدامه لإضفاء الفانتازيا أو الغرائبية لإظهار العديد من الجوانب الواقعية.

_الإسقاطات على الواقع، خاصة بأفعال المجون لبعص رجال السياسة والإعلام، وتجارة الجسد والرشوة الجنسية.

_ الرمزية في السرد
البطلة ندى دائمة التخلص من ملابسها، والعري هنا يعد رمزًا للتحرر وقد يكون رمزًا للاعتراف بالتخلص من ما يواري سوءاتها أو التخلص من الذنوب.

_النهاية
جاءت النهاية مناسبة للمرض النفسي للبطلة أن كانت انتحارا، فنهاية القتل بلا شك غير محببة.
بالنسبة لشخصية الطبيب الذي ظهر كمجذوب، كانت كما أرها تحتاج إلى نهاية أكثر معقوليه، فإصابته بالمرض النفسي واردة لكن ليس سيرا في الميادين كالمجاذيب !

لا تعليقات

اترك رد