عَيْنُكَ الَّتِي لَا تَرَاكَ

 

Selfie عَيْنُكَ الَّتِي لَا تَرَاكَ

كثير من النّاس يتراءون في شاشة هواتفهم، يلتقطون صورا لأنفسهم (Selfie). تعجبهم صورهم فينشرونها “سلفي و… خلفي”.

ليس المهمّ صورتك في عين عدسة الكاميرا لأنّها تعكس ما يُعرض أمامها عفوا أو قصدا، ولأنّها لا تفرّق بين العارض والجوهريّ فيك وفي أفعالك، ولأنّها قد تقول ظاهرا قد يخالف الباطن، ولأنّها قد تكون بنت هواك لا عقلك.

المهمّ صورتك في عين نفسك. هل أنت واثق من قدراتك تختبرها بالفعل المريد المفيد؟، هل أنت مؤمن بقدرتك على الأفضل؟ هل تستطيع مواجهة أنانيّتك وضعفك ونقصك وتقصيرك؟، هل أنت قادر على الاعتراف بخطإ ارتكبت؟، هل أنت قادر على التّجاوز والصّفح من أجل غد أجمل؟.

ما أيسر أن تتراءى لشاشة هاتفك! ولكن مأ أعسر أن تتراءى أمام ذاتك وجها لوجه تتأمّلها، تراجعها، تستدرك أفعالها، تتّهمها، تؤنّبها، تخاصمها … !

صورتك الـSelfie قد تخفّ إلى مشاركتها الآخرين ولكنّك ضنين بصورتك في عين نفسك عليهم فأنت لا تجرؤ دائما على عرض شكّك ووهمك وارتباكك وخيبتك… ولعل صورتك الـSelfie حيلتك لإخفاء صورتك في عين نفسك. وقد تلتقط صورتك الـSelfie أمام أنظار الآخرين ولكنّك لن تظفر بصورتك في عين نفسك حتّى تخلو إليها ساعة من نهار أو ليل، حتّى تجرّد من أناك المنظورة أنا ناظرة، حتّى تتّخذ المسافة بينك وبينك، حتّى تستدعي عيون الآخرين تنظر بها ومن خلالها، حتّى تشتدّ عليها تمتحنها بالوقائع والمواقف وتفضح عنادها ومكابرتها وخطلها ونزقها… هناك في خلوتك بأناك تَسفِر الوجوه وتسقط الأقنعة وترى.

حين تظفر بصورتك في عين نفسك تجمُل ذاتُك بحقيقتها الصّادقة، وتجمل حياتُك بوقفات لك مع نفسك تتدبّر فيها حظَّها من طموح إليه نزعت ومن حلم كان وقودَ عزمها، وعللا فيك حالت دون الغاية فتنبعث من وقفاتك تلك وقد جلوت ما ران وأيقظت ما خمد وأوريت زناد الفعل تقصد إلى ما تريد.

ها أنت تمدّ ذراعك وتشرئبّ إلى الكاميرا وبعضك يمسك بها ليلتقط صورة لبعضك الآخر، ها أنت تستدعي ذكاء جسدك لتختار زاوية الرّؤية الأنسب. ولكن ألا ترى أنّك في الوقت الّذي قرّرت أن تثبّت اللّحظة الجميلة الّتي تعيشها خوف أن يطويها تيّار الزّمان الجارف تكفّ عن الاستمتاع بها بوهج روحك وتحرّر انفعالك وعبارة ملامحك وحميميّة علاقاتك. ستتحوّل عن الحدث الّذي تعيشه جوارحُك إلى هاجس توثيقه وأثناء ذلك سترتبك ملامحُك. لن ترسم ملامحُك الحدثَ في محيّاك وقد انشغلتَ عنه وستضطرّ أنت إلى اصطناع ملامحَ تناسب الحدث موضوع الصّورة الملتقطة، ستكون زاوية النّظر ضيّقة مهما اتّسعت، وستكون أبعاد الصّورة رهينة مدى ذراعك وحركة يدك.

كم أُصبتُ بخيبة أمل كبرى وأنا أجرّب التقاط صورة Selfie، أحسستُ بأنّ اللّحظة الجميلة الّتي أردت تخليدها تهرب منّي، وشعرتُ بملامحي تغادرني وفقدَ جسدي اكتماله وبعضه عينٌ على بعضه، وغادرتُ

حالَ الانغماس في الحدث إلى حال التّرقّب والفضول… نظرت في الصّورة الملتقطة فأنكرتها وجدتها أقلّ صدقا وأضيق أفقا ووجدتني نأيْت عن حال كانت اعترتني. ألقيت بالهاتف بعيدا وعدت أكتشف الفضاء من حولي وأتصفّح الوجوهَ والأصواتَ وأريجَ الحياة من حولي.

اللّحظات الجميلة تعاش ولا تقال، تُرقش في القلب فلا تُمحى وتظلّ مائدة شهيّة تصيب منها الأرواح كلّما كلّتْ فتنشط. فلا حاجة لك بوسائط تنقلها أو تخلّدها.

اللّحظات الجميلة المفعمة بالصّدق وبالشّوق، واللّحظاتُ القويّةُ المترعة بالألم والصّبر والتّحدّي ستتقاسمها مع الآخرين نابضة حيّة، وستعطف عليها عيونا وقلوبا وستجد للّحظة الّتي تعيش قلبا آخر يعيشُها معك وعينا أخرى تراها معك. لن تعدم عينا أخرى توثّق لحظتك الفريدة من دون إيعاز منك أو رجاء. ستجد عينا أخرى ترى بها نفسك لأنّ اللّحظات الجميلة تولد في رحم الاجتماع الإنسانيّ، ولأنّ سرّ فرادة هذه اللّحظات كامن في مُشتركها الإنسانيّ. وعليك فقط أن تعيش لحظتك بكلّ حواسّك وبكلّ صدقك وعفويّتك وأن تستغرقك الحال فأنت فيها لا تغادرها. ستمرّ أمامك عيون فاتنة وعيون شاعرة وعيون حالمة. اُدعُ إحداها إلى أن تراك بعدستها. ستكونُ في صورتها الملتقطة أكمل روحا وجسدا وستغادر هذه العينُ مجالك البصريّ وصورتك الحميمة الصّادقة بعضُ كُحلها وبعضُ بريقها.

أنا غنيّ عن الـــSelfie لأنّني في حالَيْ انفرادي واجتماعي أحتاج عيون الآخرين أتراءى من خلالها وأراني بها.
قلت لصاحبي: Selfie عَيْنُكَ الَّتِي لَا تَرَاكَ.
قال لي: أجيبك بعد اكتمال نصّك.

وقد اكتمل النّصّ.

لا تعليقات

اترك رد