علم نفس الأرهاب بين المهاجرين المجتمع الأوروبي الشخصية الأرهابية ج3

 

على العكس من الباحثين في مجال العلوم السياسية والأجتماعية يعتمد الباحثون النفسيون في إهتماماتهم البحثية على المستوى الفردي للظاهرة، ومن هذا المنطلق يهتم المجال النفسي بتوصيف الفرد الأرهابي كشخصية ليتسنى التعرف على الظاهرة كجماعة، وماهية شخصياتهم،معتقداتهم،إتجاهاتهم كأرهابيين.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن تساؤلات منها :
أولاً: لماذا/ أو كيف يقرر بعض الأفراد بكسر صفتهم المجتمعية والشروع لممارسة الأرهاب؟
ثانياً: هل للأرهابيون سمات، وخصائص مشتركة؟
ثالثاً: هل هناك شخصية إرهابية وما هي معالم تلك الشخصية؟

ولما كان علم النفس وتحديداً (علم نفس الشخصية) كأحد فروعه، يدرس تكوين الشخصية وتشكلاتها ومحاولة التنبؤ بسلوكها والتشخيص، ومن جانب آخر أضحت ظاهرة (الإرهاب) كظاهرة عالمية لا تلتزم بحدود أو زمان ومكان وبطبيعتها المعقدة نتاج لسلوك بشري بجانبيه (الفردي والجمعي) فأن من الأهمية بمكان البحث وراء تعريف وتوصيف لشخصية ذلك الفرد الذي يسمى بأنه (إرهابياً).

ولإن الظاهرة بالمفهوم الحديث حالياً يتم التعاطي معها على أنها مشكلة العصر الحديث وهي كذلك فعلاً، فأن الدراسات السايكولوجية الحديثة في دراسة السلوك الإرهابي قائمة على قدم وساق وفي تسارع وتصاعد في التحري والبحث لتوصيف شخصية الإرهابي وما هي الأطر التنظيرية الأقرب للتوصيف الدقيق، ولعل أبرز إنموذج تنظيري (يمكن له أن يُطور أكثر بحسب المُنظر البروفيسور فضالي مُغدام- الأمريكي الإيراني الأصل في جامع جورج تاون الأمريكية) يسمى بإنموذج (السُلم) والذي يقوم على فكرة توصيف مجازي لتمرحل تطور الشخصية الإرهابية على شكل سُلم (دَرَج) ضيق يؤدي الوثوب (صعوداً) عبره إلى خمس طوابق تمثل مراحل ذلك التشكل البنائي لتلك الشخصية.

هو المصطلح العلمي السايكولوجي وفقاً للأدبيات الحالية، السلم إلى الأرهاب هو فكرة الأنموذج النظري الأحدث حالياً، ومفادهُ أن الشخصية الأرهابية تتشكل من خلال الوثوب عبر سُلم ضيق من خلال عدة طوابق وصولاً إلى قمة البناية، وسواء أن أكمل الفرد (الإرهابي) الصعود أم لا، فهذا يتوقف على فكرة الأبواب المتخيلة أمامه لتَشكُل شخصيته في هذا المسار والتي قد يتوقف بها عند طابق مُعين، والأهم في ذلك هو ليس أكمال الصعود الكُلي للطوابق والتدرج بها، ولكن الأهم هو كيفية إدراك الفرد لتلك البناية وأبوابها وكيف ستكون مفتوحة له أو بالأحرى متاحة.

ينطلق الأنموذج النظري هنا من فكرة إفتراضية (السُلم إلى الإرهاب) أن هنالك بناية من خمس طوابق وأن البداية هي من الطابق الأرضي الذي سيؤدي إلى طوابق البناية الخمس، وهنا يتحدد سلوك الشخصية الأرهابية وفقاً لخصائص كل طابق (وفقا للمجاز الإفتراضي في التوصيف لتقريب فكرة التحليل النفسي لتلك الشخصية).

أولا: في الطابق الأرضي: تكون مشاعر الحرمان هي السائدة على نمط الشخصية الإرهابية في بدايتها، وهنا من الجدير بالذكر أن الملايين من الناس تقبع في الطابق الأرضي من مراحل تشكل الشخصية الأرهابية أو قبيل تشكلها وهي مرحلة الإنسلاخ عن المجتمع، وأحد الأسس المحددة لهذه المرحلة هو الحرمان.

ثانياً: بعض من هؤلاء الذين دخلوا مرحلة الطابق الأرضي وهم بالتحديد الساخطون من المحرومين سيكونون أقرب للوثوب إلى الطابق الأول صعوداً، متصورين أنهم يبحثون عن حل نفسي نتيجة هذا الإرتقاء في المرحلة وهنا يكون جانباً من غاياتهم البحث عن طرق تحسين أوضاعهم وبالتالي تحقيق (عدالة أكبر في تصورهم)، وإذا لم يروا إحتمالات لإنتقالهم الفردي ولا يرون تأثيراً أو تغيراً في حياتهم فأنهم يستمرون بالوثوب إلى السُلم (كميكانزم نفسي في نشوء وتطور الشخصية الأرهابية).

ثالثا: وهنا في مرحلة الطابق الثاني، يتميز بها الواصلون إليها بأنهم مدفونون بتجاربهم وخبراتهم عن الحرمان وعدم العدالة والإحباطات، وهؤلاء في هذه المرحلة يرتقون في ظروف معينة للتأثر بقادتهم وهو ما سيؤدي إلى تحويل مشاعرهم وخبراتهم المكبوتة والدفينة إلى عدوان او عنف تجاه (عدوهم المُفترض لديهم) وأولئك الميالون إلى تحويل عدوانهم جسدياً تجاه عدوهم سيواصلون الوثوب وفقا لآلية او ميكانزم السُلم إلى الأعلى صعودا.

رابعاً: الوثوب الأهم يحصل بين أولئك الذين يثبون إلى الطابق الثالث والذي يمثل الإنظمام التدريجي لأخلاقيات المنظمات الأرهابية، وفي هذه المرحلة يبدأ هؤلاء بالنظر إلى الإرهاب كأستراتيجية مُبررة، وهؤلاء بهذا المعنى هم المنتمون إلى المنظمات بشكل وثيق وهو ما يجعل وثوبهم إلى الطابق الأعلى تطوراً مرحلياً يضمن توظيفهم كأرهبيين حقيقيين.

خامساً: التوظيف (المهنة) في المنظمات الأرهابية يأخذ مكانهُ في الطابق الرابع، عندها تترسخ لدى شخصية الأرهابي تَعلم تصنيف العالم بشكل حاد وقاس وعلى أساس متطرف (نحن-هُم)، والتطرف هنا ليس بالكاد دينياً بل مطلقاً وهو ما يجعلهم يشعرون بان منظماتهم لها كينونة شرعية. (من وجهة نظرهم طبعاً)

سادساً: في الطابق الأخير وهو الخامس، أشخاص محددون يصلون نتيجة آلية الوثوب على السُلم،وهو الذين يتم إختيارهم وتدريبهم هنا على خطوات محددة لميكانزمات تُمكن منع هؤلاء من أن يصابوا أو يُقتلوا وهؤلاء يتم إختيارهم كأفراد مجهزين لتنفيذ أحداث أرهابية أو قيادية.

السياق الأوسع لفكرة السُلم هو في تدويل التبادل والإتصال الجماهيري (على سبيل المثال التجنيد الإلكتروني)، نتيجة للحركة الواسعة من الناس والمعلومات حول العالم، فالأزدياد المتصاعد لإنسيابية حركة البشر عبر الحدود الدولية جعل التأثر العالمي للغرب بشكل عام والولايات المتحدة واوروبا بشكل خاص لهذا السياق مثار مخاوف وجدل بالإضافة إلى عوامل أخرى.

لكن يبقى التوصيف العام كأساس إطار تنظيري لتحليل الشخصية الإرهابية قائم على مختلف الدول والمجتمعات وهو ما ينبغي البحث والمتابعة المستمرة.

لا تعليقات

اترك رد