رئيسنا يتكلّم العربيّة

 

تُعدّ اللغة أهم مقوّمات الهويّة بما هي باب العقل والنفس والذّاكرة. وهي وطن لمن اضطرّ لهجرة وطنه. ولكنّ خيبة المواطن العربي تعظم حين يلاحظ على رؤسائه وقادته عيّا يعبث بقواعد لغة عدنان صوتا وتركيبا وإعرابا ويضرب صميم الدّلالة ويفسد وظيفة اللسان ويعسّر الفهم والتواصل. حينها يتساءل المواطن العربي: كيف أرجو صلاح حال اللغة ورئيسي يعذّبها وينهكها بلحنه ولا يستقيم لها لسانه رغم أنّ كلّ ما يلزمه لتجاوز تلك المحنة متاح بشكل كبير (الكتبة وفرص المراجعة والتدريب على الإلقاء وتوفر الخبراء في القصور الملكية والأميرية والرئاسيّة) ويبدأ النّاقد في تصوّيب سهامه نحو “الخطيب” الذي لا يكفّ عن اللحن وليّ عنق الألفاظ حتى يثير السّخرية منه ومن لسانه. بل قد يشكّ أحيانا في وجود لسان في فمه يصلح للكلام.
أمّا في تونس فالأمر قد تغيّر. نعم لقد تغيّر الأمر بوصول رئيسنا قيس سعيّد إلى قصر قرطاج بنسبة تفوق 72 في المائة. و لسانه العربي” المبين” كان من بين العوامل المؤثّرة في فوزه السّاحق برئاسة الجمهوريّة. فكثير من الذين استجوبتهم الصحافة التونسيّة عبّروا عن رغبتهم في انتخاب رئيس نظيف اليد ومثقف يحسن العربية. وأضيف بعد المناظرة (التي يسميها خصمه مناورة) تصميمه على مقاومة التطبيع مع الكيان الصّهيونيّ إلى تلك الحسنات التي فضله لأجلها الجمهور. ولكنّ المنجز الثابت الذي لا يشكك فيه أحد أنّ المواطن قد عشق فصاحة الرئيس وانحلال كلّ العقد من لسان “الأستاذ” وانفجار الكلمات من عقاله عربيّة واضحة الدّلالة.
لكنّ ما كلّ ما يتمنى الأستاذ يدركه. والكمال لله …. لقد أخطأ “رئيسنا” بكثرة التّفيقه والتنبير المشطّ بسبب حرصه المبالغ فيه على خطيّة اللغة باحترامه للمعجم والتركيب والدّلالة وسقوطه في اختبار التنغيم l’intonation فالسيّد قيس عادة ما يبدأ الجملة بقوّة لا تفتر مع التقدّم في الخطاب بل تتواصل على وتيرة واحدة. ولا يعلم السّامع متى ستنتهي الجملة لتبدأ التي بعدها. بل هو يؤخد بوقوف مفاجئ للكلام دون إنذار وتوطئة.
ولعلّ أستاذ القانون الدّستوري لا يجد من الوقت ما يسعفه بدراسة اللغة نحوها وصرفها وبلاغتها, ولذلك يمكن لمن يتصيّد لحنه وعجمته أن يجدها بكلّ يسر, فالسيد الرئيس يتكلّم العربية الأدبية حينما يكون في سياق يقتضي ردودا قصيرة موجزة وحينما يكون في وضع مريح الحجاج فيه قانويّ ومساراته واضحة. فالسيّد قيس سعيّد “تجرأ” على العربية الأدبية وتركها لحين في مناظرته للمرشح نبيل القروي حينما تعلّق الأمر بالتداول في الاقتصاد وعاد ليرتمي في أحضان اللسان العربي المحكيّ وقد تزامن ذلك مع توتّر اعترى رئيسنا حينما سأله منافسه :” وتوا كيف يقول لك نحبوا على القمرة؟؟؟” فما كان منه إلاّ أن نزل من علياء العربية إلى أرض اللسان الدّارج عند العامة متوسّلا إيّاها في حجاجه.
يدرك الخبراء باللسانيات أنّ اللغة العربية ذات فخاخ إعرابية لا يقدر عليها إلاّ متمرّس درّب لسانه وذهنه على الجمع بين البناء والدّلالات في مختلف السياقات. ولذلك حقّ لمن يتقنه أن يوسم بالمثقف والأديب واللغويّ والمتمكّن منها . وإتقانها هذا سمة من سمات الثقافة. ولذلك كله وصف رئيسنا بالمثقف. فهل يعني هذا أنّ المصالحة بين المثقف وعامة الشعب قد أزفت ساعة حلولها؟ إنّ ظاهر الخطاب في الحملة الانتخابية يدلّ على نوع من الاعتراف بفضل الثقافة والمثقفين في المجتمع التونسي بل يدلّ على حاجة هذا المجتمع إلى مثقفيه الذين لم تكن لهم مساهمة واضحة وذات قيمة في النهوض بالأوضاع المتردية في تونس في مستوى القيادة السياسية واستنباط الحلول والتحكّم في الأزمات.
غير أنّ الحقيقة لا علاقة لها بالمصالحة أصلا ففي الوقت ذاته يسبّ الجمهورُ “النخبَ” التي لا يقصد بها المثقفة فقط بل يتوسع هذا المفهوم عند المشنّعين ليصيب العلماء والمثقفين والصحفيين والمحلّلين السياسيين والمدونين وغيرهم ممن لا يعربون عن ولائهم التام وغير المشروط للنهضة وروبط حماية الثورة وقيس سعيّد. ونحن اليوم نعاين بشكل واضح الدعوة التي لا سابقة له لإغلاق القنوات التلفزية والإغراء بقتل الصحفيين والتشكيك في ولائهم لتونس وتكفير البعض والطعن في عرضه وشرفه.
فماذا بقي للشعب وللنخب المتنورة من هذا الشرف العظيم الذي زيّنت جوانبه اللغة العربية الفصيحة؟ إنّه سراب اللغة الخلّب الذي يعبّر عنه العاميّ في تونس بقوله:” فلان يَضْرِبْ في اللغة” في إشارة إلى أنّ الخطاب لن يتجاوز بهرج اللغة الكاذب المموه.
إنّ المتتبع لما يقال من تقريض للرئيس الجديد لا يفوته أنّه قد عُدَّ ربّ البيان والفصاحة المنافية للخلط والغموض . لكنّ ذلك يبقى مثارا للأسئلة العديدة منها: ماذا “ستغدق” اللغة على الرئيس والشعب وماذا يفيد البيان والفصاحة إذا كان الخبر عن الشيء فصيحا في بيان خوره واضطرابه وعجزه؟ فهل تحتاج البلاد لسانا عربيا مبينا ليعبّر عمّا تعانيه من فقر وبطالة وفرقة وعوز في التعليم وانخرام للطبقة الوسطى؟ وما علاقة الفصاحة والبيان والإيقاع بالفساد الذي ما فتئ يغيّر ثوبه في كلّ حين؟
ولكنّ الفخر برئيسي الذي يتكلّم العربية “الصافية” ” الرّقراقة” (بحسب مناصري الرئيس) سيظلّ ثابتا حتى يلحنَ ويعوجّ لسانه فأتذكّر به عيّ “المرحوم” وعجزه عن تركيب جملة مفيدة بعيدا عن الورقة والقلم. بيد أنّ المرحوم العيّي لم يوهم الناس بفصاحة بل انصبّ كل اهتمامه على التنمية فأصابته فيها “الفصاحة” ومسه فيها كثير من “اللحن”.

لا تعليقات

اترك رد