هواجس ومُدُن

 

عندما استعرض قائمة العواصم واقارن اسعار الطيران لاختيار وجهة سياحية مناسبة للعائلة كنت دائما افضل اختيار مدينة او عاصمة تاريخية.. فأنا على خلاف دائم مع المدن الحديثة ، بيني وبينها نفور غريب كأننا التقينا في عالم اخر واختلفنا على اشياء كثيرة ادت الى هذه القطيعة التي دامت حتى يومنا هذا .. لم افكر يوما بإعادة النظر في اسباب هذا النفور ولم احاول ان ابرر ذلك ، كنت قد آمنت ان ما من كيمياء تربطني بتلك الاماكن مهما تكلفت بالمجاملة ومها ابديت من اعجاب ، واعتبرت ان سوء التفاهم بيننا من المسلمات التي لا تحتمل اي نقاش او جدال ، تماما كما يحدث عندما تتم استضافتنا في حفلة او مناسبة رسمية لا نعرف احداً من المدعوين والحاظرين سنحاول ان نجد رفيقا نمضي معه وقت الاحتفال، هكذا كانت الرحلة السياحية بالنسبة الي ، كلقاء عابر بصديق من اصدقاء الطفولة استعيد معه ذكرياتي و براءتي، نعيد اكتشاف بعضنا البعض ونبحث عما كان مشتركا بيننا ليستمر الحديث .. تسحرني المدن التاريخية القديمة الضاربة في القدم تبدو مألوفة لدي كأنها تحتفظ بين دهاليزها بجزء مني كما احتفظ في داخلي بجزء منها يرافقني ويرشدني اي منعطف اسلك وبأي اتجاه اسير ، تتراءى لي العصور بتسلسلها الزمني عصرا بعد آخر بانتصاراتها وخيباتها بنهضتها وانهياراتها حتى اكاد اشاهد جنودا وامراء واستمع لضحكات اطفال وزغاريد نساء، هناك نفحة من عبق التاريخ بين الازقة العتيقة تهز وجدانك لتستشعر قيمة الزمن من مجرد ملامسة الجدران المتشققة بيديك و الاسفلت المتآكل بقدميك الحافيتين ، رهبة حضورها في القلب تجبرني على الصمت والاستغراق في التفكير، وتدفعني لتخفيف وطء خطواتي اثناء السير لئلا اتعثر بحكمة شيخ هنا او نصيحة عجوز هناك ، اجدها عميقة واسعة الى الحد الذي يحتوي مداي بالكامل من خيال وذاكرة وعاطفة ، ذراعان مفتوحتان تستقبلانك برحابة تضمانك اليها بحنان ام غاب عنها ابنها الوحيد لسنوات ، اغوص بتفاصيلها متناسية الآخرين من حولي فلا فضول يدفعني للمبادرة بالتعارف او خلق حديث مقتضب مع اي احد، يقول زوجي بأنني انفصل عن السياح الاخرين وادخل آلة زمن تأخذني الى عصر آخر، وكنت امازحه فأتحدث بلغة عربية فصحى لأثبت له صدق تصوراته .. استغرب كيف يمكن لمدينة حديثة ان تكون نفيسة؟ كيف لهذا البهرج الخداع ان يبهرني بريقه ؟ لقد رسخت في ذاكرتي صورة الكنز الثمين المدفون تحت الارض في صندوق من الخشب ، كنز يعود لأقوام من عصور غابرة تركوا نفائسهم لنا نستقرئ تاريخهم من خلالها ، هكذا يجب ان تكون كنوز الماضي ، نفيسة وثمينة ونادرة ، ليس كمثلها شيء ، ربما لو قدر لي ان اعود الى الحياة بعد الاف السنين سأكون من المغرمين بمدن الحداثة المزعومة الان ..لعلها حينئذ ستكون قد شاخت وهرمت وارتسمت تجاعيد الزمن على خرائطها المدن العتيقة

لا تعليقات

اترك رد