حفريات تشكيلية ضياع فنان في سرايا السلطان ـ ج.1

 

تمهيد:
ليس لدي من وراء تحرير هذا المقال طموح الغوص في موضوع تتخلله إشكاليات تاريخية وفنية/جمالية، تتطلب ببداهة، بحثا عميقا وتحقيقاً طويلاً، سلاحه الصبر والمثابرة والدقة لإثبات المعلومة، في وقت اختفى فيه الكثير من شهود الماضي البعيد نسبياً.

إن رسم محاور البحث، لتصحيح بعض الأحكام المتسرعة، ولتعديل بعض التأكيدات التي ربما يكون قد شابها شيء من الخطأ أثناء صياغتها، مما قد أدى، لا محالة، إلى إساءة تفسيرها، وزاغت عن الصواب تأويلاتها، جمع في اختصار ما يجب ضبطه بدقة والتحقق منه، مما تقدمه العناصر المعروفة والمتناثرة في الزمان والمكان، والعناصر الكثيرة والغزيرة التي أوشك النسيان أن يطويها، فأصبحت المعلومة التاريخية في عداد المسكوت عنه، عمدا وقسرا.

يتجلى الجانب المسكوت عنه، إذا اعتبرنا المغرب بلدا ذا حضارة ضاربة في جذور التاريخ. ف”إذا كنا حقا نريد أن نفهم تاريخ الرسم المغربي ونفهم فنه الحالي بشكل أفضل (…) يجب أن نلقي نظرة أكثر دقة، ونعتمد وجهة نظر تاريخية أوسع وأعمق، ولن يكفينا الرجوع إلى ثلاثين أو ستين سنة مضت، ولكن العودة إلى زمن لا يقل عن عشرة آلاف سنةi” (Maraini).

فتاريخ التشكيل المغربي، لم يعد في رأيي، يقتصر على ما تراكم من معلومات، أغلب أصولها فرنسية، وكأنما أصولنا المغربية كانت هي بدورها فرنسية. فما اعتدناه من نصوص ومتون تؤرخ لظهور اللوحة الفنية الحديثة، أو توثق لزيارات فنانين أجانب إلى أرض المغرب، تعود جلها، إن لم تكن كلها إلى مصادر فرنسية، والقليل منها يرجع إلى أصول إسبانية، أو غيرها من الدول الأوروبية، تعتمد بالأساس، على أقوال وآراء كتاب ومؤرخين ينتمون إلى عهد الحماية الفرنسية/الإسبانية. والواقع أن هناك كتاب وأدباء مغاربة، قدامى، لمحوا فيما دونوه إلى نوع من التشكيل، صور ونحت، كانت متداولة في الأوساط المغربية، قبل ما يزيد على أربعة قرون خلت.

نتساءل إذن: هل كان المغرب عبر تاريخه الحديث، على صلة مع فرنسا وإسبانيا وحدهما فقط، أم كانت له علاقات مختلفة ومتنوعة، دبلوماسية وثقافية وفنية وتجارية وعسكرية مع دول أوروبية أخرى؟

لا أحد يشك بأنه “منذ استعمار الجزائر، سمحت العلاقات الدبلوماسية بين أوروبا والمغرب بتزايد أعداد الغربيين إلى الإمبراطورية الشريفة، وكان بينهم العديد من الرسامين الذين أنتجوا أول لوحات غربية عن هذا البلد”ii (ص. 29). هناك شواهد صورية (من الصورة) ونصوص نثرية وشعرية تثبت أن أول اللوحات الفنية حول المغرب لم تنجز بدءاً من هذا التاريخ، بل قبل ذلك بزمن بعيد، وسنفصل ذلك فيما سيأتي.

ماذا كان قبل 1830، سنة احتلال الجزائر؟ هذا ما يجهله أو بالأحرى يتجاهله الكثير من المنقبين في حفريات الشأن الفني المحلي. وأقف هنا عند بحث جامعي تقدمت به الفرنسية Marlène Lespes لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة تولوز جان جوريس، عام 2017، تحت عنوان ” De l’orientalisme à l’art colonial, les peintres français au Maroc sous le Protectorat (1912 – 1955). وما أثار انتباهي هو أن الباحثة غضت النظر عن مرجع فرنسي من سبعة أجزاء، أصدره الكونت هنري دو كاستري، خلال الفترة ما بين 1906 و1923، تحت عنوان: iiiLes sources inédites de l’histoire du Maroc. أقول غضت النظر وتعمدت ذلك، خصوصا وأنها اعتمدت مرجعا آخر لنفس الكاتب، عنوانه: Agents et voyageurs français au Maroc, 1530-1660، صدر عام 1911، قريب من أهدافها البحثية، لتبين أن كاستري ” لم يشر إلا إلى رسام واحد، هولندي، وهو جوستوس ستويلينج، الذي اشتغل في بلاط السلطان لينجز بعض الأعمال بقصر مراكش”. (ص. 36)

إنه رسام شاب زار المغرب عام 1620 ليشتغل ببلاط السلطان السعدي مولاي زيدان، ومكث مرغما، أربع سنوات. والحقيقة أن هذا الرسام الهولندي لم يكن الواحد الذي زار المغرب في تلك الفترة، لكنه كان الأول.

قلت فيما سبق إن الباحثة تجاهلت المصدر الأول، وهو الأهم بالنسبة لبحثها، لأنه كتب في عهد الحماية، ويتناول بكثير من التفاصيل علاقات المغرب مع الدول الأوروبية من بينها فرنسا.

حتى يمكن فهم الظروف التي نمى فيها الفن وترعرع، وأنتج فيها الفنانون لوحاتهم، نرى أنه من الضروري واللازم العودة، بإيجاز، إلى تاريخ العلاقات بين أوروبا والمغرب. فالانفتاح الدبلوماسي والمالي على الأوروبيين يعد من العوامل التي ساعدت على وجود رسامين تنقلوا بين بلدانهم والمغرب، أو استقروا به لمدد زمنية مختلفة. وهذا ما سنتطرق إليه في الجزء القادم من المقالة.

مراجع:

i Toni Maraini – Ecrits sur l’art, Ed. Lefennec, 2014 ii Marlène Lespes ـ De l’orientalisme à l’art colonial : les peintres français au Maroc pendant le Protectorat (1912-1956), THÈSE de Doctorat, Université Toulouse Jean Jaurès 2017 iii Henry de Castries – Les sources inédites de l’histoire du Maroc, Ernst le Roux éditeur, Paris 1911

لا تعليقات

اترك رد