هوية المَذهَب .. بين المُعتَقَد والسُلطة

 

بوصفه أحد المذاهب الإسلامية الرئيسة في الأسلام، وبمعناه الإصطلاحي والحرفي لمفردة (شيعة)، والتي تعني جماعة حَمَلَ هذا المذهب مئات السنين فكرة إستلاب السلطة (بالمعنى الديني والفقهي خَلَفاً للنبوة)، وهي الأس الأساس لوجود وكينونة المذهب، وعلى الرغم من التباعد او التقارب بينه وبين المذاهب الآخرى فهذه السطور ليست بمعَرض إستجلاب هذا الأساس للوصف والتوضيح على إعتبار أنه أمر تأريخي ديني وضحته الكتب على إختلاف النوايا والمشارب.

إلا أن متلازمة (المذهب- السلطة) وتحديداً هنا المذهب الشيعي، قضت لزمن طويل ملازمة لصفة المظلومية وإن كان (الحُسين) ثائراً ورافضاً للظلم ومنادياً للإصلاح، ومنذ تلك الملحمة التأريخية (والمرجعية) في العراق تأخذ دورها كمؤسسة دينية في الفقه والأمور الإجتماعية وحتى السياسية في أقصى الضرورات كمتدخل طارئ لجزء من الحل.

والمتتبع يمكن لهُ أن ينظر إلى مرجعيتين، الأولى (مرجعية النجف) في العراق ومرجعية (طهران) في إيران، والفارق واضح بين الأثنين للجميع في أن الأولى هي مؤسسة ذات جذور تأريخية قديمة وولادة للآراء والمدارس الفكرية في الفقه الجعفري بينما الثانية هي نتاج الثورة الإسلامية منذ أربعين عاما، ويتسم التوجه العام لها بالسياسي أكثر منه للفقهي.

إلا أن مرجعية النجف، برزت وبشكل مباشر وتكاد تكون على أعلى مؤشر لدورها التأثيري في السياسة العراقية الحديثة هي بعد عام 2003، مع إحتفاظها بدورها الديني، ومن الجلي الواضح أن تسنم سدة الحكم شيعياً بالمشاركة مع الآخرين لم يحيد دور المرجعية التي دعمت العمل السياسي للإحزاب المتصدية للحكم، وهنا يبرز السؤال الآتي:

كيف حددت المرجعيتان دورهما بين جدلية الولاية التأريخية (للإمام) و السلطة السياسية للمذهب والحكم سياسياً في العصر الحديث وعلى اسس السياسة العالمية الحديثة ؟ وهنا ينبري سؤال آخر .. كيف تنظر المرجعيتان إلى تظاهرات تشرين في العراق والتي أردفت بتظاهرات الأرز في لبنان؟

الجواب يكمن من متابعة السلوك االسياسي للأحزاب السياسية الحاكمة في العراق، والتي أحرجت (مرجعية النجف) في مواقف كثيرة وآخرها الآن، إذ لم تعي تلك الاحزاب أنها في تيه كبير بين النظر لنفسها أحزاب حاكمة وكأنها أخذت زمام الحكم للتو بعد (السقيفة) ولم تسوق نفسها كأحزاب تسعى إلى دولة حديثة بتوجهات إسلامية شيعية كما هي الفكرة عند (الأخوان) والدليل أنها لم تنتج طبقة إجتماعية طليعية والتي من المفترض أن تتمثل بالجيل الجديد الحالي الذي يتنفض الآن ضدها باول لحظات نضوجه ووعيه، وهنا من الملفت للإنتباه أن هذه الأحزاب وقعت في خطأ كبير هو أنها ظنت بمجرد وجود صور وشعارات دينية في الشوارع والتقاطعات وإقامة الشعائر كفيل بتوعية الشباب ومن ثم مطاوعته لتوجهاتم .. وأنه سيرضى بكل ما موجود من حوله وأنه سيقبل البطالة والجوع والفقر والتعليم المتدني والفساد مقابل (فكرة أن الحكم والسلطة للمذهب) وهو ما جعل الأحزاب والكتل السياسية في (حرب الفكرة) مع الجيل الجديد، (حرب الفكرة هي النظر إلى السلطة من وجهة نظر شيعية إسترداد تأريخي لولاية مسلوبة.. وهو من الخطأ أن تقارن الولاية بحكم قابل للزوال على أسس قد تتعارض فقهيا مع الولاية كالدميقراطية مثلاً كأساس في الحكم ) هذا من جانب الوعي للأحزاب السياسية الحاكمة ، أما بالنسبة للجيل الجديد المنتفض وهو ديموغرافياً يصنف شيعي المذهب على الرغم من وجود متظاهرين من مذهب آخر وإن كان الأساس هو ليس مذهبياً بل مطلبياً، فالجيل الجديد لا ينظر إلى الحكم الحالي بالنظرة نفسها (إسترداد ولاية مسلوبة بعد النبوة) ولكنهم .. أي الجيل الجديد.. أكثر براغماتياً .. يريد أن يجعل من تصحيح في مسار ذلك الحكم الشيعي من حكم وتجربة سياسية حديثة مشبوهة بالفساد والصفقات وغيرها إلى حكم وطني نزيه يكون المذهب الشيعي هو الرائد في هذا التصحيح مستلهماً من قيم الثورة الحسينية مضمونها الإصلاحي تطبيقاً عملياً لا شعارات ترفع في أوقات الشعائر فقط.. وهنا تنطلق لحظة الصراع والتفاعل الإجتماعي السياسي (شيعي-شيعي).

ومن جانب فإن ترنح الأحزاب السياسية هذه بين مرجعيتي (النجف) و (طهران) هو ما أربك وجودها السياسي بمرور الزمن، وذلك لوجود إختلافات جذرية وكبيرة في وجهات نظر المرجعيتين تجاه (المذهب- والسلطة).

فالتظاهرات التشرينية يُنظر لها تهديدات لوجود سلطة شيعية متمددة عبر ثورة إسلامية من مرجعية طهران تهدف للإنتشار والحكم، بينما وجدت مرجعية النجف أن التعامل مع أبناء المذهب بهذه الطريقة لمجرد الحفاظ على المصالح والمغانم هو تهديد (لتمثلات المرجعية) وهو ما قد يؤدي إلى شيء من العتب المظمور تجاه المرجعية من قبل الجمهور.. وهنا يقع الإحراج الذي سُبب للمرجعية وهو أكبر موقف محرج سببته تلك الأحزاب منذ مجيئها إلى اليوم.

المرجعية النجف أمام موقف لحفظ أبناء مذهبها ليس فقط من القتل والإبادة بل من الإتهام والطعن بالتبعية والعمالة والخيانة، ودليل ذلك مناداة المتظاهرين لها بالألتفات لهم ولصوتهم .. وهو ما لا ترتاح له مرجعية طهران لأنه يقف عائقاً أمام تعاملها بمصدر تهديد مشروعها
التوسعي، وهنا الأستنتاج أننا ليس فقط اما إحتمال صراع (شيعي-شيعي) ولكن قد يتمدد إلى صراع (مرجعية-مرجعية).

لا تعليقات

اترك رد