اسْكَان

 

يَشُكُّ في المرض الخبيث! طلب مِنِّي أن أعمل أشعة على الثدي وبعض التحاليل، مصيبة إذا تحول شَكُّه إلى حقيقة! لجأت إليه كي يركِّب لي جهازًا مناسبًا لمنع الحمل؛ حالي متدهور منذ تزوجت مَن أحب رغمًا عن أهلي وأهله، عيشتنا بسيطة، لن نقدر على تحمُّل مسؤولية طفل في الوقت الحالي؛ اتصلت به تليفونيًّا؛ فطلب زيارتي في العيادة؛ ابن خالتي ويحبني، كان من المرشحين للارتباط بي، طبيب ناجح، مركزه مرموق، يملك شقة، عيادة، سيارة، وأخلاقه ممتازة، لكنه يعلم حبي لزوجي منذ صغرنا، حاول مرارًا أن يثنيني إلى أن اقتنع بأننا لن تجمعنا أكثر من علاقة قرابة، انزعج حينما تحسَّس ثديي! ما الذي دعاه للشك. يا إلهي! مِن أين سآتي بثمن التحاليل والأشعة والعملية إذا تحوَّل الشك إلى يقين؟! والكيماوي بعد العملية؟! وجلسات الإشعاع؟! سيسقط شعري وحاجباي ورموشي! سينحل جسدي! سيعجزني العلاج في كل الأحوال عن العمل لفترتين في الشركة، سيقل نشاطي وسيمنعني عن رعاية بيتي وزوجي.

سيحزن أحمد حينما يعرف! هل سيتقبَّلني بأنوثة ناقصة ومستوى جمال لم يعهده في حبيبته البيضاء الجميلة النابضة الصدر والخصر؟! من أين سيأتي بمصاريف العلاج؟! هل سأنجب بعد ذلك؟! ربي، إني مسَّني الضر وأنت أرحم الراحمين! هل سيشمت فيَّ أهلي وأخواتي المعارضين؟! هل سيظل أبي مجافيًا لي مقاطعًا لفلذة كبده؟! سيطيح الظن بهم ويميلون للتأكيد على أنني أستحق نتاج عقوق الأهل. يا إلهي! ماذا أفعل؟! لا مفر من الذهاب للتأمين الصحي وخصم مصاريف الأشعة والتحليل من راتبي!

الانتظار صعب، التأمين وجَّهني لدار أشعة معروفة وغالية، الجالسون معظمهم من السيدات، الماموجراف كحاسب آلي يحصي عدد النهود المبايعة له على بترها! يا رب أنت كريم! حسين شَعَر بِكُرَةٍ في الجهة اليُسرى، قد يكون الورم حميدًا، لا زال هناك أمل في النجاة، آهٍ! وقد يكون خبيثًا! لا يجب أن أقدر البلاء قبل وقوعه، لكن أمي ماتت بنفس المرض، عمتي بُتِرَثدياها وماتت في النهاية، ابنتها جاءها في الدم، المرض متأصِّل في العائلة. الانتظار قاتل! العيون تنظر لي بشفقة، سألتني إحداهنَّ: هل أتيت بمفردك؟ رددت بانفعال المصاب بالإيجاب، مَصْمَصَتْ شفتيها، قالت إن الله كريم، أحسستني باللحظات الأخيرة في حياتي، بل شعرت أنني انتقلت تحت الثرى وتحللت بالفعل.

جاء دوري، الممرضة تنادي على اسمي، تأمرني بخلع كل ما على النصف العلوي من جسدي، تدسُّني في آلة عجيبة، ترفع الثدي الأول على رف الآلة فتلتقمه كطفل يريد وجبة رضاعة حان وقتها، هل حان قطافه؟!الخوف يتملكني، شفاهي جافة نُزِع منها الماء، أشعر بالظمإِ، الممرضة تشدني بلا رحمة وتوجه الآخر لتلتقمه الآلة، أصبحت كصحيباتها من الآلات، تعوَّدت على جَزِّ النهود، لا ترتسم على وجهها أي تأثيرات بالسلب أو بالإيجاب، يخرج طبيب من وراء ستار أسود لم ألحظه التقط صور الأشعة؛ شعرت أنه مصور فوتوغرافي، سألني عن اسمي واسم طبيبي، ثم تركني للمرضة مرة أخرى، لا مجال لديهما لسماع أي سؤال أو استفسار متواضع عن حالتي، تأمرني بأن أضع ما خلعته من ملابس والانتظار بالخارج.

الوقت يمر، الدقائق كالساعات، تخرج الممرضة بعد نصف ساعة وتطالبني بعرض الأشعة غدًا صباحًا على طبيبة التأمين، لم تلتفت حتى ليديها وهي تدس الأشعة بين راحتيَّ، أخرج لا أرى أمامي بصيصًا من نور، وجوه الناس مطموسة، لا أجد طريقًا لساقي لتسير فيه وسط ظلام الإحباط، أسير وأسير إلى أن تنهك قواي لأنام من الإجهاد حتى الصباح قبل أن يأتيني الانتظار زائرًا.

أرسم ابتسامة باهتة على وجهي حتى لا يشك أحمد بشيء، أجتهد في صناعة وجهي المألوف. ليل طويل باهت متضامن مع انتظار يائس مخلوط بحزن تآلف معه ضدي، أتسلل مع خيوط الفجر وأنزل مبكرةً لأقف على باب حجرة الطبيبة؛ عدد الكشوفات كثير، قد يكونون مبكرين للحاق بدور أو لم يناموا مثلي، مجرد الشعور بالخوف يقتلني، أنقسم إلى جزأين؛ أحدهما مستكين وصابر متضرع إلى الله يحمده ويستغفره بعدد ثواني ودقائق وساعات الانتظار، والآخر ناقم خائف يتربص بإعلان الحكم على الثدي المسكين.

أجلس أمام طبيبة غاضبة من وقت تضيِّعه في النظر إلى وجوه المرضى وتخبرهم بمصيرهم، إمَّا شقي وإمَّا سعيد، عزرائيل يجلس أمامي يقبض الأرواح، لا وجود لملاك رحمة في هذه الأماكن.

بدون كلمة واحدة تأخذ الأشعة، توجهها ناحية الضوء، تُقَلِّبها في كل اتجاه، وأنا أتقلب على جمر النار. كلمات قليلة وجَّهتها لي: “جميل أن تكشفي لتطمئني على نفسك، الكشف الباكر ظاهرة صحيَّة، قليل من يفعل ذلك”.

أخرج وأنا أحمل الأشعة لا أدري أَأَفرح؟! أم أشطاط غيظًا؟! السافل أراد أن ينتقم مني! أحسن اختيار الوسيلة!

لا تعليقات

اترك رد