هوس البعبع والمربع صفر وحاجات ميادين الانتفاضة

 

إنَّ إجابة عدد من الأسئلة الجوهرية تحيلنا إلى معالجة موضوعنا بأسس علمية سليمة.. فأسئلة من قبيل: كيف نفهم النظام القائم؟ وكيف نستقر على خيار تغييره أم إصلاحه؟ وهل بالفعل هناك إمكان إصلاح ولو من بوابة الترقيع وسد بعض عيوب؟ أم أنّ ذلك قد انتفى وانتهى عهد فرصة العمل به؟ وما وسائل التغيير بعد انتهاء إمكانية الإصلاح؟ وقبل ذلك وبعده: ما نتيجة ولوج مهمة التغيير ومحاولة تلبية شروطه في مقابل نتائج التقوقع على مهمة إصلاحه والاكتفاء بترقيعات لا منجز لها أكثر من التضليل والمخادعة إدامةً للنظام المعضلة؟

ربما أوفت إجابات سابقة عن هذه الأسئلة جانبا من المهمة.. ولكن في الإطار ذاته من منحى التساؤل: ماذا يعني اختيار مهمة التغيير؟ وماذا يجابهها؟ وكيف نفسّر ما يُنثر بوجهها من اتهامات بقصد التشويش والتضليل من قبيل: تهمة البعبع التي استطاعت أن تخترق منطق أو قراءة بعض التنويريين، المثقفين منهم؟ وهل هواجس العودة إلى المربع صفر محقة؟

إنَّ طرفاً يخشى شروطَ مرحلةٍ انتقالية واجبة، تقتضي سلطة طوارئ ومحددات حكومة إنقاذ وطني؛ لن تدفعه تلك الخشية إلى مجرد قبول الوضع العليل حسب بل ستفرض عليه أن يتناسى أو يغض الطرف عن الاحتمال الوحيد الكامن في تدهور الوضع نحو منظومة أكثر فاشية حتى من البعبع الذي يخشاه، بالإشارة هنا إلى طابع الفاشية (الدينية: الإسلام السياسي الظلامي)…

وبدل العمل على الدفع باتجاه التغيير المرتجى، نجد ذاك الطرف (التنويري) يخضع لمنطق تجييره لمصلحة نظام لا أفضلية فيه على النظام الذي فقد رأسه وبعض شخوصه ولكنه لم يرحل بل تكرَّس بأوجه أخرى عبر بقاء عناصره الأكثر نفاقاً وتقلبا لتحقيق مآرب فاسدة على حساب الشعب ومصالحه..

إنّ المهووس بالتحدث عن بعبع وجود أتباع الطاغية ونظامه وقدراتهم مولع أو موروط بفهم ضيق للصراع القائم ولقراءة النظام.. فهو من جهة يمنح قوة مفرطة تتضخم لصالح بقايا عناصر النظام القديم وإن وُجِدوا فمن يمنحهم فرصة التقدم والظهور هو خطل النظام الحالي وتردد القوى البديلة أي قوى التنوير وتشتتها أو تمزقها.. ومن جهة ثانية فإن من يقرأ الأمور بهذه الصياغة يساعد المخادعين المضلِّلين على ترهيب الناس من حركة التغيير! ليُبقِي المخدوع مأسوراً لنظام يستلبه ويستعبده!

وبدل أن يدير التنويري المعركة مع نظام الفساد القمعي ذي الطابع الفاشي الميليشياوي بتوحيد الصفوف من جهة وبكسب قوى مترددة وأخرى من أطراف وقوى مختلفة، يقع هذا التنويري أو ذاك بشباك النظام وأجنحته بتسويقه للبعبع؛ وكأن الشعب كسب (ديموقراطية) بزوال رأس النظام الديكتاتوري! وهو فهم سطحي تجاوزه الشعب بحراكه الرافض للنظام القائم وسياساته.. مجسداً ذلك بشعار: الشعب يريد تغيير النظام.. مستخدما صيغة الشعب يريد إسقاط النظام…

إنّ لعبة الانتخابات المزيفة كلياً حيث لا صناديق حقيقية ولا أصوات معبرة عن خيارات الشعب ليست الديموقراطية ولعبة التعددية الحزبية هي فبركة تخترقها التشكيلات المصطنعة بمختلف السماء والعناوين والشعارات إلا عنوان التنوير والعقل العلمي الذي يحتاجه الشعب لبناء دولته المنهوبة…

وبالمحصلة لا وجود لدولة في ظل تفريغ مؤسساتها من كل معنى قانوني دستوري، فالسلطة فيها للمال السياسي المفسد ولسطوة البلطجة الميليشياوية بطابع العسكرة الفاشية وإن ظهرت بمسميات وأسس شرعنة ذات طابع (قدسي) بالفتاوى ومنطق ما قبل الدولة الحديثة حيث دويلات الطوائف وتخندقاتها ومنظومة قيمها سواء الميول الطقسية المصطنعة المزيفة التي تستغل القدسية الدينية وإسقاطاتها أم الميول العشائرية وتشكيلات تتأسس على حساب مؤسسات الدولة ومكوناتها الطبقية الفئوية يساعدهم في هذا الانجرار إلى الخلف والتراجع السحق الهمجي للمجتمع فلا اقتصاد غير الريعي بكل أمراضه التي تعطل الطاقات الإنتاجية حيث تتفشى البطالة وظواهر الفقر وفجوته بتفاقم الفقر المدقع فضلا عن ملايين النازحين والمهجّرين والمخربين بالمخدرات وغيرها!!

أين الدولة التي يخشى (تنويري) ما، عليها؟ أين الدولة التي يسوق الطائفي المفسد أنه يمثلها وان المنتفضين يريدون تخريبها؟

في عصرنا السمو الدستوري للشعب وصوته.. ولهذا فإنّه عندما تنتفي الدولة ومؤسساتها وتنهار تحت معاول التخريب الهمجية المُجترَّة من مجاهل الزمن الغابر، يكون لزاما لقوى الشعب التنويرية أن تنهض بمهمة استعادة الأمور لبناء الدولة التي لم تعد موجودة…

إنّ تلك المهمة تقتضي فرض سلطة إنقاذ بين يديها ما يسمح بمكافحة أدوات التخريب أي الميليشيات والعصابات المافيوية المنظمة وبناء أسس وجود الدولة الحديثة وإطلاق عجلة الاقتصاد المنتج كيما يمكن التحدث عن مجتمع مدني وأحزاب سياسية وحواراتها البناءة في تقديم أفضل برامج التقدم والتنمية..

إن حتمية فرض مرحلة انتقالية لا تقوم على أمزجة أو ميول للمركزية بل تنبثق من ضرورات تفرضها المرحلة التي تتطلب مكافحة الأمراض المستفحلة من قبيل المافيات الكبرى والميليشيات أو المجموعات المسلحة الخارجة على الدولة الحديثة وقوانينها بأية حجة جاءت وتشكلت ومنها ذريعة إسقاط القدسية المذهبية أو الدينية…

عليه فإن فكرة حكومة الطوارئ والمرحلة الانتقالية ليست (المربع صفر) ولا انعطافة باتجاه اجترار النظام القديم بطابعه (الدكتاتوري) وطغيان المركزي و\أو الفردية في توجيه الدولة..

إنها مرحلة تفرضها الظروف أو المجابهات القاسية المريرة مع قوى العنف الهمجية التخريبية وتتأسس المرحلة على أساس ميثاق عمل وطني محدد المعالم والخطى وبأسقف زمنية معلومة. يجري في إطارها تفكيك عناصر التشويه والتخريب المجتمعي بأوجهها: سواء ما يسمونه أحزاب الإسلام السياسي المبرقعة بالقدسية المزيفة وأضاليلها وإنهاء آلية المرجعية الدينية مذهبية أو غيرها التي تخلط الديني بالسياسي وتفرض فعليا عمليا ولاية السفيه أو ما يزعمون أنه الفقيه وهو حتى إن صح كونه الفقيه بالدين فإن الدين لله والوطن للجميع وإن لكل ميدان بناء وخطى مساره وطبعا وبالتأكيد إنهاء هراوة السلطة التي تلتحف الدين غطاء للتستر والتضليل اي الميليشيات فضلا عن استعادة المال السياسي المنهوب بوصفه ثروة وطنية للاستثمار والبناء والعيش الكريم لا أداة تضليل وتزييف بشراء أصوات أو التصدق بفضلات منه بقصد تبييض صفحات النهب واللصوصية وتحويلها إلى ملكية لقوى الضلال والاستغلال!

إنّ شعار تغيير النظام وتطهير العملية السياسية بإسقاط مشروعها القائم بجوهره الطائفي الكليبتوقراطي وبنظامه اليوم ذي الطابع الفاشي الميليشياوي إنما هو شعار دقيق لا يخشى ولو للحظة من فكرة الدكتاتورية أو ما يسمونه المربع صفر لأننا في الحقيقة لم نتقدم على المربع صفر بل تراجعنا وراءه..

إذ أن تعطيل الاقتصاد وتخريب المجتمع بتصفية العقل العلمي وبتجهيل جموع الشبيبة التي وُلِدت في ظل النظام الحالي وبنشر منطق الخرافة ولو بصورة طقسيات (مقدسة) مزيفة في حقيقتها وجوهرها، إن ذلك يعني سحق الطبقات الاجتماعية وتشويه البنية المجتمعية فسحق الطبقة الوسطى وتعطيل الطبقة العاملة وقوى الإنتاج وتدمير البرجوازية الوطنية مقابل استيلاد طبقة الكربتوقراط الطفيلية؛ كما يعني استيلاد تشكيلات ما قبل الدولة مجتمعيا حيث التخندقات الطائفية والعشائرية القبلية وبيوتاتهما التي تضع السلطة الاجتماعية السياسة كليا بين يدي زعامات فارغة يمكنها التلاعب بالأوضاع وتوفير فرص التقلبات المزاجية لكنها الخاضعة استراتيجيا للنظام وآلياته..

إن كل الأمراض والمشكلات موجودة في ظل هذا النظام ولا استبعاد لوجود بعبع النظام القديم بصيغته المهزومة لكن الأدق تشخيصا واحتمالا للظهور والتجلي ما هو قائم فعليا بوصفه سليل ذات الآليات الهمجية الفاشية حيث الرصاص الحي ضد من يعبر عن رايه ويدافع عن حقه في الحياة الحرة الكريمة..

وفي وقت يسهل فضح أحابيل النظام وقياداته وأبواقه في التحدث عن البعبع والمربع الصفر تضليلا فإنه من غير الصائب بالمرة أن يقبل تنويري لنفسه أن يتحدث ذات الحديث ويساهم بالتسويق لإرهاب الناس بالبعبع وبالعودة إلى المربع الصفر!!

إن الشعب تجاوز تلك الخشية وتلك الشكوك.. و لكن بعض المثقفين مازال واقعا في أسر تلك القراءات لأسباب بعضها عاطفية انفعالية ممهورة في داخل الأنفس لعمق الجرح الغائر الذي مازال رديفا بخلفية عدم معالجته من النظام الوليد بعد 2003 بل تكريسه الجرح والمتاجرة به!

وطبعا يمكننا القول إن اختلاط الأوراق والتباسها في معركة غير متكافئة يدفع لتحليلات من هذا القبيل! لكن قراءة متأنية ستكشف أهمية التخلص من هواجس البعبع ومن أي تهديد لما يسمونه المربع الأول..

إذ تقدمت العملية السياسية برمتها بخطى بعيدة عن كل فرص بناء دولة ووجود دستوري يحتفل بالقانون ويمارس فروضه.. وعليه فإن التخلص من تلك العملية السياسية لا يعني قطعا ونهائيا إلا التقدم نحو بناء بديلها بعد توفير أسس البديل ما يتطلب حتما ((مرحلة انتقالية))..

كل ما خلا ذلك سيقع بإطار الدجل وإدامة اللعب بما يكرس انحداراً أخطر وأشد وطأة بتحولاته إلى صيغة الفاشية المطلقة بجوهرها (الديني) أو بسطوة دكتاتورية دينية فاشية الطابع ستفكك الدولة بسبب الخلل البنيوي الهيكلي للنظام الديني ((الطائفي)) بدجله حتى اللحظة ولكنه سيكون الفاشي بكل تفاصيله وجوديا منهجيا وبكل مخرجات ذلك من كوارث تعيد عصر العبيد لمنطق ولايات دويلة طائفية مشوهة البنى!!

إن من يسوق للبعبع يوقع الشعب بهاوية العبودية بدل من محافظته على ما يتصوره مغادرة للمربع الصفر فكل ما حصل عليه الشعب حتى اليوم ليس سوى خسائر بشرية مادية لم تحصل إلا بظل النظم الفاشية واستعبادها للشعوب..

وجود بعض ((صدقات)) مازال يتمنن بها المعمم بجوهره الفاسد الأقذر تاريخيا فهو لا رجل دين ولا رجل سياسة ولكنه لص مجرم بتغطى بعمامة المتدين ولسان السياسي ولكنه ليس إلا ما يراه كل صاحب عقل ببصيرته لا ببصره، أي ما يراه بالتجربة الحياتية اليومية من انهيارات وتراجيديا كارثية ما بعدها أكثر كارثة سوى قعر الهاوية الذي لا مخرج منه إذا عشنا مهزلة البعبع الذي ما بات بعبعا للناس ولكنه كذلك في وهم من لا يحيا مصاطب التبطل ولوعة الفقر المدقع وعار امتهان الكرامة الإنسانية بالاتجار بالبشر في سجن الوطن الخاضع لهراوة الفاشية الدينية الحاكمة..

فلننظر ببصيرة تسعفنا ونمضي معا أو ليتشدق من يريد ويسوّق ما يشاء فالحقيقة تبقى ذاتها وهو يدركها لو حرك عينيه قليلا عما يزيغها؛ أكتب إجاباتي هذه الموضوعة من أكثر من زاوية لا تكرارا بل توضيحا للحقيقة ووصولا لجوهرها مع الآخر قبل استفحال الكارثة ووقوع مجزرة جديدة لقوى التنوير بما يعني كارثة أخطر للشعب ..

فلنكتفِ ونتخذ القرار: انتفاضة التغيير هي إرادة تقرير المصير

لا تعليقات

اترك رد