عندما نرقص تحت المطر ننشد للحب والطفولة والحرية

 

عندما نرقص تحت المطر ننشد للحب والطفولة والحرية
قراءة في ديوان شعري ثنائي “لأنّك كنت مطرا” للشاعران: فرنسيسكا ريسينسكي وعبد الواحد سويح

1-في عسر الكتابة الشعرية:
ليست كتابة الشعر متاحة للجميع، كما أن إدراكها وتذوّقها تذوّقا فريدا، هو من الأمور التي لا تُتاح إلاّ لندرة من الناس، هم الشعراء اللذين يتوسّلون الكلمة في صلواتهم أمام البحر والشمس والمطر، يختلون بالطبيعة في صحوها وفي مطرها خاصة، فربّما تمطر السماء شعرا، وربّما يمطر الصمت الذي سكن في قلب شاعرين، شعرا متفردا، يحدث في النفس ايقاعية المعنى رغم نثرية الأسلوب، وبساطة الجملة.

ليست كتابة الشعر أمرا متيسّرا للكلّ، وهذا الأمر لا جدال فيه، وإلاّ لصار الشعر مألوفا إلى حدّ الغرابة، مقروءا إلى حدّ الرتابة . ذلك ما يؤكده جيرار بلوا (Gérard Blua) في تصديره للديوان الشعري الصادر حديثا ” لأنّك كنت مطرا” (Car tu étais pluie ) للشاعران : فرنسيسكا ريسينسكي والشاعر التونسي عبد الواحد السويّح.

1- “إنّ الكتابة الشعرية هي فنّ صعب المراس، لأنّها تفلت من قيد العقل المعقول والعاقل للاستسلام اللذيذ لحركات القلب والعاطفة”1.

2- وأمام الشعر فلنصمت:
لكن ما ينضاف إلى ذلك حقّا –وهو ما لا يدركه إلاّ العازمون على فهم الشاعر أحسن مما يفهم نفسه-، هو أن نقدّم لديوان شعريّ عنوانه ” لأنّك كنت مطرا”.

“لأنّك كنت مطرا”، ديوان يُمطر شعرا، اشتركا في نسجه نسجا على جهة المناجاة الحوارية شاعران فذّان: صدر الديوان باللغة الفرنسية لدى دار النشر الفرنسية لهارمتون (l’Harmattan) سنة 2019 ضمن سلسلة شعراء القارات الخمس، على امتداد مائة وأربعين صفحة، وحمل جوفه توأمين، وزنهما مائة واثنى عشر قصيدة، كان وطنهما الاحساس الصادق والكلمة التي ترجّ أعماق القارئ.

1- Francisca Ricinski et Abdel-Wahed Souayah, Car tu étais pluie, Poèmes en prose, Paris, L’Harmattan, 2019, La préface de Gérard Blua, P.7. Nous traduisons.

3-إنّها تمطر من العنوان:
إنّها تمطر من العنوان فعلا، فعندما نقرأ عنوان الديوان، “لأنك كنت مطرا”، نُدرك أنّها ستمطر شعرا وصورا شعرية، غزيرة ومكثفة معنى ودلالة، شحنها مبدعاها بالصور الشعرية العميقة، وجاءت في شكل محاورة أو مناجاة ثنائيّة، كأنما هذا المطر المنهمل شعرا نثريا، يروي قصة ابداع بين “الرعد” و”البرق”، يغازلان السماء الحبلى بالغيوم المكثفة، غيوم باردة أحيانا ودافئة أحيانا أخرى تُخصب الأرض الجدباء، فتغدو حبلى، تتدفق الأنهار الشعرية، فتُضفي على أديم العطاء نكهة مخصوصة، تقرؤها فلا تملّ ولا تشقى، فالقصائد خفيفات الظل، ممتلئات المعنى، واضحات المبنى. متتاليات تتالي أحداث قصة شيقة، متسرسلات تسرسل النصوص المنطقية.

4-من هي الشاعرة فرنسيسكا ريسينسكي؟
تعرف نفسها شعريا، على أنّها، المرأة/المطر، أو هي الصحراء. ربّما هي نجمة هوت، أو ملكة لا عرش لها، لا تعرف من تكون حقّا، لذلك تتردّد في سرد هويتها. البعض منها قدّ من خيال، وبعض آخر من الخلود. ترى في أناها، أنها الآخر، فتتلو قلقها الفلسفي من الآخر والآخرين. تحتمي بأطروحات سارتر، ورامبو، لتقنع نفسها أنّها عليها أن تستبعد هذا الآخر، عن أناها. لكنها رغم رغبتها في التخلص من هذا الجحيم الذي يسكن بعضا من أناها، تتبيّن أنّ الأنا، “أناها” جزء من هذا الجحيم نفسه.

تقول فرنسيسكا ريسيسنكي:
“لا أستطيع أن أجيبك من أكون، من أين أتيت
إن كنت ملكة دون عرش أو نجمة هوت،
المرأة-المطر أو الصّحراء…
أو هذه الروح التي تقبع في جسدي بكل ما فيها من خلود
تفكّر في نفسها ولا تفكّر في شيء.
ذات متخيّلة والآخر يدّعي أن يقول لها أنا
أو بلا أيّ أنا
إنّ الأنا هو آخر ما، إنّ الجحيم هم الآخرون
إذا مزجت كلمات رامبو بكلمات سارتر
أستنتج أنّ الأنا هي جزء من الجحيم
استباق قديم. الجدار هو أيضا بالنسبة إلى
مرآة. في داخلها أرى جسدي في حرارة فرن،
أسمع نفسي أغنيّ لكسالى هذه الحفرة “ماذا في رأسك”،
ولو أنني بعيدة عن أكون مقدّسة.
مرات كثيرة تمنيت موضع النار هذا
للناس الذين خانوني، كذبوا عليّ وطعنوني
الذين اختاروا الصحراء أو حتى الموت
عندما كنت واهنة أكثر من أيّ وقت مضى
وانت سيزيف، حبّي المؤرق. ولو مرّة واحدة
لم أساعدك على دفع صخرتك
في الليلة المنقضية تدحرج على ساقيك.
إذا للحظة، أضع علامتي على العشب.
أنا من سيمشي من أعلى إلى أسفل،
ومن أسفل إلى أعلى…
استرح!1

5-من هو الشاعر عبد الواحد السويح؟
هو التونسي الذي “يظنّه أصدقاؤه الافتراضيين أنّه “أبو محمود”، ويناديه أصدقاؤه المقربين إليه “وحيد”. أمّا الاداريون أو الموظفون، فإنّهم مقتنعون على أنّه “عبد الواحد س”. تعتبره زوجته زوجا، وأبنائه “أبا” لهم، وطلبته “أستاذا”. أما دفاتر الحالة المدنيّة فتعتبره مواطنا من جنس الذكر” (من قصيدته “مستلقيا على طبقة من حجر، ص.26.).

يرسم عبد الواحد السويح لنفسه، بورتريه خاص جدا، غامض الملامح، سريّ العلامات، في قصيدة له بعنوان “أوتوبورتريه، أو بورتريه ذاتي”:
يقول:
“لست أميرا أو صديقا للسلاطين
قذر وسكّير مثل شقيق شرّير
أبول على الحائط، وأبصق على السرير
لديّ بلغم رجل الدّين
لا أفتح أبدا الكتب المقدسّة.
ولا أنتظر شيئا منكم بعد الآن،
من أموالكم أو أيّ شيء آخر من إلهكم
ولكن لأمارس جنوني، أحتاج لأن أكون هادئا1.

1. الترجمة من عندنا.المصدر نفسه، ص.-13

6-فل نرقص معا تحت المطر:
يستهل الديوان بلوحة فنية لستيفان ماريا قلوكنار، ووسط اللوحة تحضر امرأة ترقص تحت المطر، منتشية وفرحة، أسارير وجهها الملائكي والطفولي، توحي بأنّ الرقص تحت المطر هو حرفة الأطفال، ولعل الشاعران كانا يقصدان ذلك حقاّ. من منا على ابداّ لم يجرّب أن يرقص تحت المطر، وزخات المطر المتساقطة، تنزل على ملابسنا، فتتبتل، ثم يصل الماء إلى أجسادنا، فننتشي بذلك الدلال، ونتعمد البقاء تحت المطر، وكأنّ المطر هنا في فهم الشاعران، ضرب من الاغتسال المقدس من خطايانا تجاه أنفسنا وتجاه الحياة، نحو من معانقة الاصل والبدء، بحثا عن نقاوة أصلية انتهكتها الحضارة والقيم المزيفة. المطر هو ضرب من تطهير الروح قبل تطهير الجسد، إنّه “كاتارزيس” وفق الفهم الاغريقي القديم. ولعل هذا الشعر المتساقط مدرارا، هو المطر نفسه، ضربا من التطهير العميق، ولا يقدر على التطهير الروحي، إلا اثنان: رعد وبرق، صوت لامع، وصورة رعدية، ينشران الفرح بصوت عال. إنّ الشعر في هذه البقاع يُدوّي دويّا لطيفا لكنّه يترك في الروح أثرا عميقا. وكلما تابعنا سيلان أو تدفّق الكلام، تنحني أرواحنا وتنتشي الى حدّ التلاشي.

جعل المطر ليتلاشى الجدب، والشعر بماهو مطر، يُنظم، ليتلاشى الضياع وسط زحام الفوضى، لتتلاشى الأحزان وقتامة الالوان. ورغم أن الصورة أو اللوحة التي انفتح عليها الديوان كانت بالقيمتين اللونيتين الابيض والأسود، إلاّ أنها تنشر فرحا ملوّنا، وتفتح شهية القارئ، ليقرأ الديوان وقد رسم في مخيّلته صورة الطفولة الراقصة تحت المطر.

تتكثف في هذا الديوان الشعري، الصور الشعرية الدالة على حنين الشاعرين إلى زمن الطفولة الهارب، وما نزول المطر إلاّ دليل على الرغبة في التطهّر من قتامة الالوان التي ألبستها لنا الحضارة، والتجرد من القيم التي فرضتها علينا، لأجل التعايش وسط المجتمع.

المصدر نفسه، ص.-1.12

لا تعليقات

اترك رد