حين لا ينفع الوصل

 

ثيرة هي المواقف في الحياة التي نرغب فيها أن نصحح مفهوما ما أو عقيدة أو موقف حدث معنا عن غير قصد لكننا لا نستطيع ربما بسبب الغياب أو البعد أو الموت. ولهذه السبب ينصح علماء النفس والاجتماع أن نخبر الشخص الذي نحبه أننا نحبه قبل فوات الأوان وأن نرسل باقات الورد للأحياء لا للأموات وأن نكرم الأحياء قبل أن يرحلوا إلى حيث لا نستطيع التواصل معهم لأنهم أدرجوا على لوحة الغياب . التواصل في أفضل حالاته يكون مع الأحياء لا مع الأموات وقتها فقط ينطبق قول الشاعر : ” أَتَت وَحِياضُ المَوتِ بَيني وَبَينَها وَجادَت بِوَصلٍ حينَ لا يَنفَعُ الوَصل” .
يحكى أنه في يوم من الأيام قابلها في الحفلة . كانت ممشوقة القوام واثقة من نفسها يطاردها الكثير من الشباب بنظراتهم في حين بدا هو عاديا وخجولا ومترددا .
وفي نهاية الحفلة ، استدعى كل ما يمتلك من شجاعة لدعوة الفتاة لاحتساء فنجان قهوة معه. دهشت الفتاة كثيرا ومن باب الأدب قبلت دعوته للقاء . جلس الاثنان في مقهى جميل . شعر بالاضطراب ولم يستطع أن ينبث ببنت شفة وكانت هي تجلس باضطراب تنتظر القهوة . ولأنه كان خجولا ومترددا معها بدا للوهلة الأولى أن الحديث بينهما مستحيلا وأنه لن يبدأ أبدا.
حضرت القهوة فالتفت إلى النادل وطلب منه :” أيمكن أن تحضر بعض الملح؟ أريد أن أضعه في قهوتي . نظر إليه كل من كان في المقهى بغرابة . احمرّ وجهه قليلا ثم وضع الملح في القهوة واحتساها . نظرت إليه بفضول وقالت :” من أين لك هذه العادة الغريبة ؟” رشف رشفتين وأجابها :” عندما كنت طفلا صغيرا ، كنت أعيش بجانب البحر وأحببت اللعب في مياهه . أشعر بمذاقه وأنا أحتسي القهوة المالحة . وفي كل مرة أتناول القهوة المالحة ، أفكر في طفولتي ومدينتي مسقط رأسي التي أفتقدها كثيرا. أفتقد والدي اللذين مازالا يعيشان هناك . كانت الدموع تنهمر من عينيه وهو ينطق تلك الكلمات . شعرت الفتاة بالتأثر الشديد إذ أن مشاعره كانت صادقة ونابعة من أعماق القلب. الإنسان الذي يشعر بالحنين للوطن يجب أن يكون إنسانا حقيقيا يحب وطنه ويعتني به ويهتم له وتحققت من أنه يهتم لعائلته ثم بدأت تتحدث عن طفولتها ومدينتها وعائلتها البعيدة .
كان الحديث جميلا وكان بداية جميلة لقصة حب رائعة . استمرا في اللقاء . وقد تيقنت أنه الرجل الذي يحقق لها ما تريد . يتحمل شظف العيش ويمتلك قلبا لطيفا ودافئا وحريصا عليها . لقد كان رجلا جيدا تماما كما تريد . ولو أنها علقت على قضية الملح في فنجان قهوته لما تسنى لها أن تعرفه جيدا قط .
لقد كانت قصتهما مثل أية قصة حب أخرى : تزوجا وعاشا حياة سعيدة وفي كل مرة كانت تحضر له فنجان قهوة كانت تضع الملح فيها تماما كما كان يحب . وبعد مضي أربعين عاما من زواجهما السعيد توفي الرجل بعد فترة قصيرة من المرض .
وفي يوم من الأيام ، وجدت في المنزل رسالة كتبها لها بخط يده يقول فيها :
يا أغلى ما في حياتي ! سامحيني ! اغفري لي كذبة حياتي الكبيرة ! كانت تلك الكذبة الوحيدة التي قلتها لك في حياتي- حكاية القهوة المالحة . أتتذكرين اللقاء الأول بيننا؟ لقد كنت في غاية الارتباك في ذلك الوقت . في الحقيقة كنت أريد أن أطلب السكر وبدل أن أطلبه طلبت الملح لشدة ارتباكي . وكان من الصعب علي أن أتراجع بعد أن طلبته . لم أفكر يوما أن يكون الملح سبب بداية حديثنا . حاولت أن أخبرك هذه الحقيقة عدة مرات في حياتي لكنني كنت دائما أخشى أن أفعل ذلك ولذلك أقسمت في نفسي ألا أكذب عليك مرة أخرى قط . اليوم أنا أموت وأخبرك الحقيقة . أنا لا أحب القهوة المالحة . لها طعم بائس غريب لكنني تناولت القهوة المالحة كرمى لعينيك طيلة حياتي . وحيث أنني أعرفك جيدا لا أشعر بالأسف على أي شيء فعلته من أجلك . لقد كان وجودك معي أكبر سعادة حصلت عليها في حياتي . ولو قدر الله لي أن أعيش حياة ثانية أريد أن أتعرف عليك وأن أعيش معك طيلة حياتي رغم أنني قد أحتسي القهوة المالحة مرة ثانية .
اغفري لي يا حبيبتي لأنني كذبت عليك أول مرة في المقهى ولأنني لم أعترف بالحقيقة في كل مرة تقدمين فيها لي القهوة المالحة . لا أكذب إذا قلت لك الآن أنني لم أحتسي القهوة المالحة في أي مكان آخر ورغم ذلك أحبك بجنون .
تصببت الدموع من عينيها وهي تنهي كلمات الرسالة .
وتذكرت يوم كان الناس يسألونها : ” كيف يكون مذاق القهوة المالحة ؟ ”
فتجيب دائما : ” إنها حلوة ” .

المقال السابقبغداد
المقال التالى” الزَعْطُوطْ ” !!
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط سابقا . كاتب في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد