تبادل سلمي للسلطة


 
تبادل سلمي للسلطة.

هي مقاربة ساخرة لما يجري في العراق، بعد كل هذا الذي يجري من حرب وشتات وانهيار في كل المقدرات الانسانية والاقتصادية والسلوكية، حيث أختلط الحابل بالنابل والحقيقي بالغرائبي والحلم بالعلم ..فبعد نظام دكتاتوري قل نظيره ..جلب محتلون معهم ثلة من العراقيين ومن اصقاع مختلفة من الأرض ..قالوا أنها منافي ، وبدعم وتمكين قوات الاحتلال ..عملوا منهم حكاما ..وأطلقوا أيديهم في بلد بالغ الأهمية بشريا واقتصاديا وثقافيا كالعراق، ولأن هذا كما يعتقد الكثيرون أنه كان مرسوما وفق رؤيا سياسية محددة وإستراتيجية عميقة متعلقة بالعراق والمنطقة .. هدفها رسم الحدود الشرق الاوسط والعالم من جديد ، وانتاج سايكس_ بيكو جديدة…ولأن الطائفي هو آخر ما توصلت اليه الذهنية الكولنيالية الثاقبة في العدوان والانتهاك ،بعد استنفاذ الشعور القومي وصخب الأيدلوجيات القديمة، جربوا الوصفة الجديدة وصفة(الطائفي) التي كانت اكثر فعالية من اليورانيوم وكانت بحق وصفة مدمرة وفعالة وأكثر تأثيرا من كل الوصفات السابقة ..فزرعت الموت والفاقة والجدب الشامل في كل مناحي الحياة في المجتمع العراقي، وبدلا من أن يتحول العراق الغني بما يملك من مقدرات هائلة غير محدودة ، تحول إلى بلد يقاوم الموت والنسيان ومحاولة الحفاظ على ما تبقى من مقدراته المهدورة عبر الفساد والحرب وسوء الإدارة وغيرها …وتحول إلى عالم يشبه قصتنا كثيرا والتي أبطالها رضخوا في النهاية الى ما قرره الواقع وفرضته الظروف في تبادل سلمي للسلطة…لكن ما يحدث في العراق هو ابعد بكثير عن حل ينصف الجميع ،كما يحدث من إنصاف لأهل الغابة في قصتنا التي تقول………في غابة ذبلت غصونها واصفرت أوراقها وجفت أحراشها ونضبت فيها السواقي والغدران..لمواسم عديدة ….وترقبت أشجارها المطر دون جدوى … فقد شح فيها كل شيء..وغنى اليباب فيها أغانيه الكالحة فتفشى الجوع واشتد الصراع وارتفعت حمى الافتراس بين حيواناتها حتى من الجنس الواحد …وهاجرت أو نزحت اغلبها تلك التي فازت بسلامتها من الحيوانات الأقوى الى غابة أخرى….ووسط هذا المشهد الذي يشي بالغروب في هذه الارجاء التي كانت خضرتها تطغي على باقي الألوان وتشكل مع الأحمر لون الافتراس جوهر الغابة… أو بعديها المتوازيين، كانت تعج بالحياة وتمور بالحركة وتنتفض في كل لحظة على صخب الحيوانات ..وصراعها وتهارشها. ….بعد كل هذا العالم الضاج بالحياة والحركة..راح الأسد ملك الغابة ينظر بعينين ذابلتين حزينتين دون ان يستطيع فعل شيء.. فالخراب المريع قضى تماما على الحياة في مملكته وهو يعرف تاريخه الدموي والأعداد الهائلة لضحاياه ..فلم تزل ذاكرته الخرفة تختزن الاف الصور من الحيوانات وهي تنازع بين انيابه .وتركل برجليها بعد ان يطبقها على حنجرتها وهو يتلذذ بذلك …كان يعرف تماما ان السماء لا تكن له أي مقدار من المودة… فعلاقته بها ليست كما يجب على خلفية ما أسلفنا.. ليفكر بان يدعوها ويترجاها انزال المطر وعودة الاخضرار والحياة الحقة الى الغابة، لكثرة ما مارس من عمليات الافتراس والإبادة ……….لم يكن لديه سوى ان يترقب بقلق وحزن عميقين أفول سلطته وتلاشي سطوته وقرب انهيار مملكته …كان ينقل خطاه حزينا برما في احد دروب الغابة الشاحبة …فقد اخذ الجوع منه مأخذا إلى جانب يأسه وإحباطه من إمكانية عودة غابته إلى ماض ذهب و رحل ..وعلي ان يقمع نفاد صبره في ترقب أمطار أصبحت عصية وغيوم أصبحت حلما وكأنها من مكونات و تفاصيل سماء أخرى … كان يعيش أسوأ ايام حياته وأكثرها بؤسا ..ولكن للجوع سلطته ايضا ….وهو يمشي كأنه النائم بعد أن أرخى جفنيه متفكرا محاولا التركيز للبحث عن فرصة للخلاص صادف في طريقه الذي يقطعه وئيدا مترنحا وجها لوجه كلب بصحة جيدة عليه شيء من اللحم ولا يشكو الهزال فهو لم يزل في عافية حسده عليها الأسد ، فالقوارض والكائنات الصغيرة التي يتغذى عليها آخر من يختفي من ساكني الغابة….كانت مفاجأة مذهلة للاثنين …الاسد راح يشعر بمس من الفرح الذي فارقه طويلا.. وبدت أحشاؤه الفارغة اليابسة تتحرك وتفرز عصاراته بعد جوع طويل فهاهي وجبته التي انتظرها طويلا جاهزة أمامه ولا يحتاج الا لمطاردة بسيطة لتكون بين انيابه…..والكلب شعر ان حظه السيئ والعاثر قاده كالقدر المحتوم ليصطدم مواجهة بملك الغابة ودكتاتورها في ظل هذه الجوع والخراب..فظل ساكنا كالحجر.. لأنه يعرف تماما ان أي حركة أو تصرف عضلي لن يجدي شيئا… فهذا ملك الغابة الذي بطش بأعدائه وأصدقائه على السواء والذي فتك بالأبعدين والأقربين وكل كائن في غابته الفسيحة كان مشروعا لوجبة يومية ..شعر الكلب بقرب نهايته فهو سينتهي قريبا بين تلك الأنياب التي جعلها الجوع أكثر بروزا فأنزل رأسه الى الأرض وراح يذرف الدموع ويبكي بحرقة …فسأله الأسد لماذا تبكي ايها الكلب …قال الكلب متظاهرا بالتأثر والصدق …يا سيدي ملك الغابة انا ابكي على فراقك ..ليس سهلا علي ان لا أراك بعد اليوم بعد أن تأكلني…فأنت ملكنا المبجل الطيب الحريص علينا وعلى غابتنا …الفراق يا سيدي الملك هو اشد وقعا من الموت ..وسوف لن أراك بعد اليوم…وهذا الذي يبكيني ..واسترسل الكلب بحديثه العاطفي بحرارة ..كنت طيبا معنا ولم نلمس منك سوى الخير والحب والاحترام …وحتى لو كنا نسيء التصرف كنت تصفح عنا ..السماحة والعفو والبساطة من اهم سجاياك …بهت الاسد وراح يسمع خطاب الكلب باهتمام وشغف ..فهو لم يسمع مثل هذا الكلام من قبل ..بل لم يحلم به طوال حياته وخصوصا في بعض المقاطع من الحديث كان الكلب تدمع عيناه وتسيل دموعه ..فيزداد المشهد تراجيدية ..نسى الاسد وسط هذا الحوار المؤثر جوعه تماما وفعل به المديح والإطراء فعله فأقعى على الأرض باسطا ذراعيه في حالة هدوء وسلام ودموعه و هي تنز بين فترة وأخرى فهو كان في اشد حالات الحزن ايضا….شعر الكلب انه سيطر تماما على الاسد وأصبح ملك الغابة تحت سطوة لسانه العذب وكلامه المنمق والذي كان له فعل السحر …أصيب الاسد بالخدر تماما وشلت كل قواه…تابع الكلب كلامه المعسول بحماس …انت ياسيدي كنت ملكا بحق ..تعمل على راحة رعاياك وتطمئن لهم ولا تخشى احدا منهم في ان يشكل تهديدا ….انت ملك طيب جدا …ولو طلبت منك الان ان اقيدك بهذا الحبل …لما اعترضت ابدا….وتساءل الكلب اليس كذلك يا سيدي …؟ فهز الأسد رأسه موافقا وهو في غاية التأثر …..فاطمئن الكلب تماما وتأكد من ان الأسد ملك الغابة أصبح طوع يديه وليس عليه سوى التنفيذ …فجاء بحبل ضخم متين وراح يربطه …والأسد مستسلم مثل حمامة وكأنه في سبات عميق ..واحكم الكلب ربط الاسد بقوة ..ولما انتهى منه …قال له هل تستطيع الان ان تقطع الحبل و تتخلص منه ….؟ شنج الاسد عضلاته وزأر غاضبا واستحضر كل قوته وجهد كثيرا دون جدوى ولم يفلح في فك اسره وحاول وحاول ولكن الفشل كان حليفه في كل محاولة …فاستسلم لقدره وهو ينظر الى الكلب بتوسل …فضحك الكلب من الأعماق وقهقه عاليا …كيف تكون ملك الغابة وأنت صغير العقل الى هذا الحد…؟ كيف حكمتنا كل هذه المدة وانت تفتقد الحكمة تماما.؟..هل من المعقول اننا جميعا أغبياء يسوسنا غبي اكبر .. وكاد ان يبصق عليه.. ولكنه تذكر مبدأ العفو والتسامح وأطلق ساقيه للريح باتجاه غابة اخرى …والأسد غارق بالفشل ومحكم بالقيود…..ومضى وقت طويل ازداد فيه حزنا فوق حزن واسى على اسى ..وبقى زمنا طويلا ..ولما اشتد الهجير ..راح ملك الغابة يبكي خيبته وبؤس مصيره ويرثي نفسه لهذا المآل الرهيب …وفي هذه اللحظات النوعية ..جاء على ذات الدرب حمار هائم ..فاصطدم بمنظر الأسد المسكين مقيدا ذليلا باكيا ..اصيب بالدهشة وفغر فاه مصعوقا …بل وشعر بشيء من التعاطف والأسى على حاله …سأله ……….ماالذي حدث يا ملك الغابة …من هذا الذي قيدك …ابن من ..؟ ياملك الغابة من استجرأ عليك انت تحكم ولا يحكم عليك …مالذي جرى للدنيا ؟…اين قوتك وسطوتك وزئيرك الذي كان يتردد صداه في الغابة ..؟ وراح يتلمس الأسد ظنا منه أنه اسد من صوف ..أو خروف ارتدى حلة الاسد للتمويه …لكن يا والويل …اكتشف ان الاسد حقيقي ومن لحم ودم …وحينما اكثر اللوم طأطأ الاسد رأسه ولم يحر اي جواب ……..انكسر قلب الحمار عليه …وراح يراوح بين قلبه الطيب وبين مصلحته في استغلال الفرصة ….فكر مليا ..وخض رأسه مرات محاولا في لحظة انذار للدخول في جولة من التفكير والتركيز …ونطق أخيرا بشيء من التردد محاولا عقد صفقة مع اسد الغابة المهزوم ….فقال له ….سأحررك يا سيدي ولكن مقابل شيئين ..الاول هو ان تعطيني الامان وتضمن سلامتي والآخر …هو ان تمنحني نصف الغابة اكون سيدا وملكا عليها ؟….فهز الأسد رأسه بسرعة خاطفة موافقا ، بل كان يشعر في قرارته بعرفان كبير لما طرحه عليه طيب القلب الحمار ..وراح الحمار يفك قيود الاسد ..ويحرره من الحبل الذي قيده طوال النهار …ولما انتهى وهو لم يزل في ريب من غدر الأسد الذي كان الغدر سجية معروفة له ومن خوف ازلي قر ورسخ في ذاكرته …ولكن الاسد نهض بالكاد .وبتثاقل كبير عانته قدماه على الوقوف وتمكن من حمل جسده المنهك …وانتصب مرتعشا يكاد ان يتداعى بين فترة واخرى …..والحمار لا يصدق كل هذا ولم يزل الخوف يتلبسه …وسأل الحمار الاسد … هل تفي ياسيدي بوعدك وتمنحني السلطة على نصف الغابة ؟.؟ ..نظر الاسد مليا للحمار وقال له بحب كبير …اما على ضمان سلامتك فانا عند عهدي …واما على منحك نصف الغابة ..فاني ساكون اكثر كرما معك وسأمنحك الغابة كلها ..فلم يعد لي اي مكان فيها…أن غابة يقيدني فيها كلب ويحررني فيها حمار سوف لن امكث فيها يوما او ساعة واحدة ….وسكت قليلا ……وقال له شكرا لك ..وارد ان يقبله لكن الحمار جفل وتراجع الى الوراء …وقال الاسد للحمار لو كنت اعرف انك بهذا القدر من الطيبة لما تعرضت لنوعك وسلالتك ابدا ….ارجو منكم الصفح فالصفح جميل وذهب الاسد يمشي وئيدا مترنحا من الفشل و التعب والالم والشعور بخسارة كل شيء..وابتعد عن الغابة حتى اختفى في الأفق البعيد.

لا تعليقات

اترك رد