((العـــراق يتحطـــم أمام أعيننـــــا))

 

أشــعر بغصــة ألم في حنجرتي عندما أرى العراق يتحطم أمام أعيننا .

العراق حطمته النخــب الفاســدة والمحاصصات الطائفية والحزبية والفئوية الضيقة والحروب والمنازعات السياسية والثأرات والجهل والعقول الصلدة والذهنية الانتقامية والمؤامرات الخبيثة .

أشــعر بألم يفري قلبي عندما أرى الخراب والدمار وحمامات الدم وتحطيم العمران الحضري ، عندما أرى الفقــر والجهل والجوع والمرض يفتك بالعراقيين ، وأشعر بسكينة روحية وبنسمة أمل عندما أرى الشارع العراقي ينتفض ضــــد سياســـــــة الفســاد والإفقار واللصوصية ، وينشرح فؤادي برؤية الشباب الواعـــي الذين طفح بهــم الكيــل وهم يقاومون الطغيان والتزمت العقائدي والمذهبي ويترنمون بحــب العراق ويرفضون الصراعات الطائفيــــة والعرقيـــة والتقسيمات القاتلة للشـــعب العراقي التي جلبت الخراب والبوار والظلم والتشرر .

نتمنى من أعماق قلوبنا أن ينتصر الشعب العراقي الأبي في معركته من أجل الحرية وأن يكســر الأصفاد التي تكبله .

لقد تفاحش العــوز والفســاد والباطل وانكشفت الشعارات الطائفية الفضفاضــة التي مزقت العراق الشامخ وقطعت أوصاله بالعنصرية والشعوذة والكيـــد وبســـــموم قاتلة لعـــزة العـــراق ومجـــده .

المجــــد للعراق الشامخ عراق التنــوع والتسامح والإخاء والمحبــــة والوئام والعدالة والإنصاف .

لابد من كسر الحلقة الشريرة وازاحة الوجــوه القــذرة المتخفية تحت ســتارالتُقـــــى والدين والطهارة التي تغلف الباطل بغلاف الحــق .
لابد من ازاحة السُراق وعتاولة الفساد الذين جفت فيهم روح الوطنية وطغوا وبغــوا وامتــدت أيديهم إلى أموال الشـــعب .
لابد أن ينبلج فجـــر جديد يتجاوز المحــن والحروب والعصبيات والكراهية والفوضى والفساد ويعيــد العــزة والكرامة والبهاء للعراق .
أنا موقن أن فجــراً جديداً ينتظــر العراق طال الزمن أم قصـــر .

ولقد كان الشاعر/ بدر شاكر السياب في غاية العمــق والتجلي وبوهـجهالإبداعي وبفراسته ونقـــاء بصيرته والتماع خياله حين قال في قصيدته ( أنشودة المطـــر ) :

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ
وترقص الأضواء كالأقمار في نهَرْ

يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر
كأنما تنبض في غوريهما النّجومْ
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ
كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف
والموت والميلاد والظلام والضياء
فتستفيق ملء روحي رعشة البكاء
ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء

كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر
كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ
وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر
وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودةُ المطر

مطر
مطر
مطر

تثاءب المساء والغيومُ ما تزالْ
تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ :
كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام
بأنَّ أمّه التي أفاق منذ عامْ

فلم يجدها ثمَّ حين لجّ في السؤال
قالوا له : بعد غدٍ تعودْ
لا بدَّ أن تعودْ

وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ
في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ
تسفّ من ترابها وتشرب المطر

كأن صياداً حزيناً يجمع الشِّباك
ويلعن المياه والقَدَر
وينثر الغناء حيث يأفل القمرْ

مطر
مطر

أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟
وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟
بلا انتهاء كالدَّم المراق كالجياع

كالحبّ كالأطفال كالموتى
هو المطر
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ
سواحلَ العراق بالنجوم والمحار
كأنها تهمّ بالشروق

فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ
أَصيح بالخليج يا خليجْ
يا واهب اللؤلؤ والمحار والرّدى
فيرجعُ الصّدى

كأنّه النشيجْ
يا خليج
يا واهب المحار والردى
أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السّهول والجبالْ
حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ

لم تترك الرياح من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر
وأسمع القرى تئنّ والمهاجرين

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع
عواصف الخليج والرعود منشدين:

مطر
مطر
مطر

وفي العراق جوعْ
وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشّوان والحجر
رحىً تدور في الحقول حولها بشرْ

مطر
مطر
مطر

وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموعْ
ثم اعتللنا خوف أن نلامَ بالمطر

مطر
مطر
مطر

ومنذ أنْ كنَّا صغاراً كانت السماء
تغيمُ في الشتاء
ويهطل المطر

وكلَّ عام حين يعشب الثرى نجوعْ
ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ

مطر
مطر
مطر

في كل قطرة من المطر
حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ
وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة

وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد
أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ واهب الحياة

مطر
مطر
مطر

سيُعشبُ العراق بالمطر
أصيح بالخليج : يا خليج
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى

فيرجع الصدى
كأنَّه النشيج
يا خليج

يا واهب المحار والردى
وينثر الخليج من هِباته الكثارْ
على الرمال : رغوه الأُجاجَ والمحار

وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق
من المهاجرين ظلّ يشرب الردى
من لجَّة الخليج والقرار
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ

من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى
وأسمع الصدى
يرنّ في الخليج

مطر
مطر
مطر

في كلّ قطرة من المطرْ
حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد
أو حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي واهب الحياة
ويهطــــل المطر .

لا تعليقات

اترك رد