الصرخة عراقية .. والوجع عربي

 

من السهل على التخلص من وجع الكتابة عما يحدث فى العراق وهو الوجع الأكثر عمقا، فأضع أمامكم بعضا من الأرقام والإحصائيات لمن سقطوا شهداء، أو الذين غدرت بهم الشوارع فأصبحوا مصابين، أو ساقتهم أقدارهم إلى زنازين ضيقة فتحولوا إلى معتقلين.

يمكن أن تعكس الأرقام حجم المأساة.

لكنها لا يمكن أن تدلنا أبدا على الأحلام التى دفنت مع شباب صغار خرجوا لينتزعوا الحياة من بين أنياب حكامهم فتحولوا إلى جثث بلا حراك.

لا يمكن أن تعيننا على تحمل صرخات الأمهات الثكالى، كن يحلمن بغد إنسانى لصغار ولدوا فى وطن بلا أمل، فإذا بهن يقابلن الموت الذى يصادر كل الآمال المؤجلة بلا رحمة.
لا يمكن أن تضع أيدينا على بداية الطريق لأى حل.
لا تمكننا من الإمساك بأى خيط يقودنا إلى الخروج من مأزق، صنعه من يطمع فى قوت من لا يجد قوتا.
لا تشغلنى تعقيدات السياسة الآن، يشغلنى أكثر ما فعلناه نحن العرب جميعا فى العراق. أو بالأدق ما لم نفعله من أجلها.

الشعب يخرج يطالب بحياته لا أكثر، يبحث عن مستقبله لا أكثر، يهجو ظالميه لا أكثر، يناصر مناضليه لا أكثر ، يحلم بمستقبله لا أكثر… فلماذا يموت هذه الميتة العبيثة؟

هل أخبركم عن الأكثر وجعا؟
ليس الوجع فى القتل الذى يلاقيه العراقيون فى الشوارع، ولا الحصار الذى فرضوه عليه فلا يعلم أحد شيئا عما يفعل بهم، ولا قسوة قلوب ولاة الأمور الذين لا يرون إلا أنفسهم ومن يخدمون.

الوجع الأكبر فى التخلى المطلق عن الشعب الأعزل، لقد تركنا العراق يواجه مصيره أكثر من مرة، تغاضينا عما يحدث، تجاهلناه ولم نعد نتذكره إلا عندما يئن من شدة ألمه.

لن أتحدث عن الحكام العرب، فلهم قراراتهم، لكننى أتحدث عن الشعوب التى من المفروض أن تكون لها اختياراتها.
لقد خنا العراق جميعا، ولم تكن هذه هى المرة الأولى، وأعتقد أنها لن تكون الأخيرة.

الصرخة العراقية هذه المرة قوية والوجع العربى هذه المرة أقوى لأنه يأت ونحن جميعا نعانى ضعفا وعجزا وقلة حيلة واستهداف.
العزاء الوحيد هو فى شعب العراق الذى لن يخيب الرهان عليه مهما تعاقبت عليه الخطوب.

لقد أعلنت تضامنى مع شعب العراق، وها أنا أعيد التأكيد على وقوفى فى صف مستقبله.

هى الكلمة التى أملكها أقدمها بين يدى شعب نتغنى بأمجاده ولا نعمل شيئا لحاضره، فقدموا للعراق ما تستطيعون، وإن لم تقدروا على شئ فلا تبخلوا عليه بدعوة من القلب … فمن يدرى فلعل أضعف الإيمان ينجز ما يعجز عنه أقواه.

المقال السابق(رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل)
المقال التالىمعنى النبؤات
د. محمد الباز كاتب سياسى رئيس مجلسى الإدارة والتحرير لمؤسسة الدستور مقدم برنامج ٩٠ دقيقة على قناة المحور مدرس الصحافة بكلية الاعلام جامعة القاهرة اهم مؤلفاته العقرب السام ... عمر سليمان جنرال المخابرات الغامض كهنة المعبد ... أسرار السياسة والصحافة التركة الملعونة ... كتاب الأسرار ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد