دور التراث الشعبي والفلكلور في السياسة

 

قد يتبار الى الذهن ارتباط الفلكلور الشعبي والتراث بالغناء فقط وبهدف المتعة والتسلية وقد يضاف الحرف اليدوية البسيطة اليها وعلى صحة هذا الرأي لكنه يتعداه الى غيره فالتراث الشعبي يعتبر من وسائل توثيق التاريخ التي تؤدي مجموعة من الغايات لأي مجتمع وهو وسيلة سهلة واسعة الانتشار خصوصا في البلدان العريقة المتجذرة في أرضها والتي تتنوع فيها الثقافات وتتسع دائرتها الثقافية والفنية ومن بينها بلدان منطقتنا عموما وقد حظيت بلاد ما بين النهرين بنصيب منها بخصوصية انفردت بها عن غيرها حيث امتازت بغزارة وغنى تراثها الشعبي المستنبط من عادات وتقاليد توارثتها الأجيال وتنوعت تبعا لبيئتها ونسيجها الاجتماعي ألفسيفسائي المتداخل الجميل فتراث الشمال حيث المنطقة الجبلية يختلف بعض الشيء عن الوسط البغدادي الأريحي بنكهته اللذيذة المعبرة والساخرة في كثير من مواقفها ويختلف عن الجنوب الذي امتازت بيئته بانتشار المسطحات المائية ( الأهوار ) والرعي والزراعة ودخلت فيه النساء أكثر من غيره من المناطق ومن ذلك التراث الأغاني الشعبية رغم بساطة كلماتها إلا إن لها تنوع في المقصد يدخل أعماق الإنسان فيؤثر فيه سلبا أو إيجابا وربما حملت كلماتها أكثر من معنى أو دلالة وحتى إن بعض الأغاني التي لم يعرف الى حد الآن من هو قائلها أو منشد قصيدة الأغنية إلا انه لا زالت تتغني بها الأجيال جيل بعد جيل لما لها من معاني محببة تلامس واقعهم وبكلمات مبسطة يتغنى بها الفنان الى يومنا هذا لعدة أجيال مع التصرف بها بعض الشيء في الآلة الموسيقية والتوزيع لإعطائها طابع المعاصرة والقبول عند جيل اليوم.

لقد تنوع التراث الشعبي العراقي ولم يقف عند الأغنية بل تعداها وشمل كل الفنون كالمسرح والرقص الشعبي والخطابة والشعر بنوعيه الفصيح والشعبي باللهجة واللغة الدارجة حيث كما هو معروف تعدد لغات الشعب العراقي بين العربية والكردية والتركمانية وغيرها وهذا ليس وليد مرحلة زمنية معينة بل امتداد على مدى تاريخ العراق الزاخر ولم يتوقف أو يضعف حتى وان توفى الله رواده الأوائل رغم تنوع طابع كل مرحلة بين الألم والاحتلال وفترات الانتكاسات والفقر والجوع أو تفوق المد الديني المحافظ في بعض الأحيان وبين الرخاء والتمدد وبعض الفسحة من الحرية بل ضل قائما ولم يتجاوز أو يخرج عن الالتزام بالأخلاق الاجتماعية العامة بل كان يتساير مع الحالة ويتلاقح معها يأخذ منها ويرفدها بكل جميل يتناسب معها ليواصل نموه وتطوره الخلاق.

إن أكثر ما كان ينتشر بشكل واسع هو الأغنية أو الشعر الشعبي المغنى ففي مناطق الأهوار الجنوبية امتدادا الى مناطق الفرات الأوسط حتى مناطق البادية حيث الوقت الواسع الذي فرضه واقع الحال وانتشار مهنة الرعي والزراعة أو الصيد انتشرت المواويل وأطوار خاصة بها كالسويحلي والعتابة والدارمي والابوذية بشكل اكبر من باقي المناطق بينما الحياة المتحضرة المنعمة في مناطق الوسط وشمال بغداد انتشر المقام العراقي الجميل والجالغي البغدادي والمربع بطريقة أدائه الخاصة وله أسياده ورواده الأفذاذ وإذا ارتفعت الى مناطق الشمال انتشرت أغاني الدبكة التي تعتبر أكثر خشونة كتعبير عن صلابة سكان المنطقة وقوتهم وهذا لا يعني اقتصار كل نوع على منطقة فقط بل تداخلت مع بعضها فالدبكة الشمالية ناظرتها الجوبي في الجنوب والبادية مثلا وعلى العموم كانت بغداد مجمع لكل أنواع الفنون الشعبية وراعية للتراث وهناك مناطق لازالت تعتني وتركز في عنايتها على طابعها التراثي بجهود فردية من مريديها ومحبيها دون أن يقدم لها دعم معنوي أو مادي من أية جهة رسمية مع الأسف رافقها اهتمام بالحرف اليدوية البسيطة والجميلة.

قلنا إن التراث الشعبي كان من أهم وسائل التوثيق التاريخي للشعب العراقي فالأغنية التي كانت تستعمل للترفيه عن النفس كانت تحمل معاني تعبر عن الحالة بأسلوب سلسل يتقبله الجميع تجاوز الغزل الى السياسة بل صار يدندن بها الكبير والصغير خصوصا تلك التي كانت تؤدى بأسلوب لحن خفيف كالمربعات مثلا ولضعف وسائل الإعلام والتواصل المعروفة اليوم ولأنها كانت تمثل صوت الحكومة ومقتصرة على الإذاعة ثم دخول البث التلفزيوني على نوع معين من الأداء الممنهج الذي لا يتقاطع مع أهداف الحكومة ونشاطاتها فان قسم من التجمعات الشعبية التي تجمع مختلف الأعمار كانت تحصل في المقاهي أو المسارح الشعبية قد كانت تحظى بأداء مباشر من الفنان أو مجموعة الفنانين وكانت تحمل بين ثناياها توجيها باستنهاض همة الشباب للنهوض والخلاص من الواقع الأليم وضغط الحكومة حينها أما بشكل مباشر أو بالأسلوب المبطن حيث المعنى أو القصد يختلف عن ظاهر الكلام بأسلوب يعرفه الجميع ويسمى شعبيا (بالحسجة) ولم يتوقف هذا عند الأغنية فقط بل كان يستغل إي مناسبة أو تجمع كالمناسبات الدينية ومجالس العزاء الحسينية التي كان لها تأثير كبير جدا في استثارة الهمم ضد الظلم بالربط والمقارنة مع لمظلومية أهل البيت عليهم السلام من خلال مضمون القصائد الحسينية أو الشعارات التي تطرحها مسيرات العزاء التي تجوب مراكز المدن.

لم تتوقف طرق استثارة وتحريك الشارع عند هذا الحد بل كانت أماكن الثقافة المتخصصة كشارع المتنبي وأضيف إليه لاحقا المتحف البغدادي ليكون أكثر شعبية عبارة عن منتديات لتبادل الآراء وابتكار وسائل جديدة تدور في فلك الفلكلور الشعبي بين المثقفين فلهذا الشارع الذي ظل محافظا على شبابه وحيويته الى يومنا هذا مواقف على الرغم من استهدافه أرعبت أنظمة الحكم وأسقطت حكومات ومنطلق للتظاهرات العارمة.

لقد حفظت ذاكرة أبناء شعبنا أسماء الكثير من الرجال والنساء الفنانين والشعراء والأدباء كما حفظت قصائدهم التي نجحت في تأليب وتحريك الشارع في مناسبات عدة وغيرت مسار الأحداث لصالح الشعب فإذا كنا نحفظ أسماء العدد منهم فكل واحد خصوصا من الكبار بالسن قد حفظ أسماء العشرات منهم ومجرد تحريك الذاكرة عنده ستجري على ذهنه قائمة طويلة من الأسماء والقصائد التي يتذكرها بشيء من المتعة والبهجة لأثارها الطيبة التي لازالت عالقة في الأذهان بنفس تلك النكهة المحببة للنفوس.

المقال السابقأيام الخطر
المقال التالىتنهّدات الياسمين العاشق
لاسم/ رقيب عبد الرحمن المطيري التولد / 1957 التحصيل الدراسي / بكالوريوس آداب / قسم التأريخ المهنة / متقاعد اعشق العراق وشعبه بجنون ولا فضل لي بهذا اكتب ما أراه يخدم شعبي وتنشر لي بعض المواقع والصحف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد