وبدأ دفع الحساب (شركة فسفاط قفصة مثالا)

 

هل كان لا بدّ أن ننتظر تسع سنوات كاملة لنتبيّن فعلا أنّ المقصود هو بيع البلاد والتفريط في أكبر مؤسساتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة لأصحاب المال المحلي المتعاقد مع شريكه الأجنبي؟ لقد عرّت أزمة شركة فسفاط قفصة هذه الحقيقة الصّادمة: هذه الشركة التي صمدت لأكثر من قرن لتترنّح في عهد “الثورة” المباركة

كانت بداية الشركة باكتشاف كميات كبيرة من الفسفاط في ما يسمى اليوم بمنطقة الحوض المنجمي التابع إداريّا لولاية قفصة. وكان الاكتشاف سنة 1885من قبل الجيولوجي الفرنسي فيليب توماس. ثم بعد عامين من ذلك تأسست شركة قفصة للفسفاط والسكك الحديدية التي كانت منذ ذلك العهد أحد أهمّ أعمدة الاقتصاد التونسي . بل كانت المنقذ الذي تلجأ إليه الدّولة في أزماتها الماليّة. وتواصل تطوير مجالات أنشطة الشركة في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين فتوسّعت دائرة المناجم جغرافيّا بحفر مناجم جديدة في أم العرائس 1970 وكف الشفيّر سنة 1978 والجلابية سنة 1991.

غير أنّ هذا الاهتمام بقطاع الفسفاط الواعد لم يتواصل في الثمان سنوات الماضية, فقد استنزفته المحاصصات الحزبية والجهوية وحتى القبليّة و”العروشية”وأنهكته الحلول السياسية العشوائيّة المفتقرة لوضوح الرؤية وربّما كانت هذه الحلول ترجمة وفيّة لنوايا مبيّتة غايته التهيئة لإفلاس هذه الشركة.

لقد اهتمت هذه الشركة العريقة بالأوضاع الاجتماعيّة للسكّان المحلّيين من حيث توفير الماء والكهرباء والغاز والمساعدات التربوية والرياضيّة. ولم يمنعها ذلك من تحقيق أرباح معتبرة. غير أن الأمر تبدّل بشكل انقلابي دراماتيكيّ منذ انتفاضة 2011. فقد عصفت الإضرابات والاعتصامات وقطع الطرق والسكك الحديدية والمطالبة المجحفة بالمنح للفرق الرياضية وغيرها من أشكال الفساد ,عصفت بهيبة الشركة ومكانتها ومردوديتها. وتأكّد الجميع اليوم من أنّ ما أدركته الشركة في آخر سنة لها قبل الانتفاضة (سنة 2010) (وهو 8000000طن في السنة)غدا رقما مرجعيّا وعتبة لم يتسنّ بلوغها في هذه السنوات التسع ويصعب كثيرا أن تحققه في القريب إذا كتب لها الإنقاذ .

وبدلا من أن يوجّه الحكام الجدد الشركة إلى مزيد من الإنتاج بتوفير المناخات التي من شأنها أن تدعم الثقة في هذه المؤسسة وباقي المؤسسات الوطنية الأخرى المرتبطة بها(المجمع الكيميائيّ وشركة السكك الحديديّة) فإنّهم

انقضّوا عليها يحلبونها حتى نزّ الضرع دما وارتفعت كتلة الأجور إلى 180 مليون دولار سنويا .وذلك كله بسبب إقحام هذه الشركة خاصة في مضمار الترضيات السّياسيّة والاجتماعية التي بدأها الوزير “سليم الغرياني” وتواصلت بعده. ونتيجة لذلك تسابق القوم إلى ضمان وظيفة فيها وعملا قارا يدرّ مالا ولا يتطلّب جهدا ولا يستدعي حضورا. وقد أكّد الوزير أنّ العمّال الذين ملئت بهم مقرات الشركة وملفاتها لا ترجي منهم إضافة,حين صرّح قائلا”نحن نعي أنهم لا يقومون بأي عمل،”وفي هذا الإطار تحرّكت جماهير من البطّالين الذين عجزت الحكومة عن تشغيلهم فأغلقت أبواب الشركة ومنعت الإنتاج فتمّت ترضيتهم باستحداث شركة وهمية سميت “شركة البيئة والغراسة” ورمت فيها السلطة بالآلاف من العاطلين عن العمل(7800عامل) ليتحوّلوا من معطّلين إلى ناهبين للمال العام بغير وجه حقّ. ومن المهازل التي يرددها الناس في تونس أنّ كثيرا من هؤلاء المرسمين في دفاتر هذه الشركة الوهمية ويتقاضون أجورا هم إمّا موتى أو مهاجرون أو مقيمون في مدن بعيدة عن الحوض المنجميّ ولا يزورون تلك الربوعبل منهم من لا يعرفها أصلا. وكثير من هؤلاء “البيئيين الغُرّاس” لم يذهب يوما واحدا لعمله الجديد. وفضلا عن ذلك كلّه وبعيدا عن المبالغات نؤكّد أنّ إنتاج شركات الغراسة هزيل وهزيل جدّا حتى كاد يكون معدوما. ولكنّ العمال الوهميين يتقاضون زهاء 7 مليون دينار سنويّا.

ليس غريبا أن يفعل الحكام الجدد باقتصاد البلاد ما فعلوه. فهم جاؤوا من أقطار الأرض لتحصيل الغنيمة والظّاهر أنهم لم يكونوا يهتمون بغير الغنيمة. ولكنّ الغريب هو أن تواصل هذه الشركة جهادها وثباتها كلّ هذه المدّة رغم ما تلقته من ضربات. فقد كانت تتوقف عن العمل لمدة تفوق الخمسين يوما كمعدّل سنويّ وقد تصل أيّام التعطيل والصدّ عن العمل إلى 244 يوم حسب ما نقلته وثيقة لوكالة “رويترز” وفقدت بذلك خزينة الدّولة 8 مليار دولار كان يمكن أن يقع توظيفها في حلّ مشكل البطالة حلاّ جذريّا مع المحافظة على هيكل الشركة وتنافسيّتها. فلقد وصل الأمر بهذه الشركة العريقة إلى العجز عن صرف أجور عمّالها وموظّفيها الحقيقيين وهي بذلك تبدو مهدّدة بالإفلاس التّام نتيجة انسداد آفاق الحلول المرتجاة.

ولم يكن ذلك راجعا فقط إلى ما ذكرنا من أمر هذا التشغيل الوهميّ بل ليس ذلك إلاّ ضربا من ضروب الفساد المستشري في البلاد والذي لم يخطئ أيّا من القطاعات الأخرى. فالنّقل البري للفسفاط بواسطة شاحنات يملكها رجل أعمال مدعوم يضاعف التكلفة على الشركة ولا يفي بحاجاتها وتعهداتها مع المجمع الكيميائيّ. ولا تفوتنا الإشارة إلى الفساد في الحوكمة داخل الشركة خاصة حينما يتصل الأمر بتدليس وثائق تهم قطع الغيار واستعمالها في غير ما اقتنيت له بل قد تكون غير صالحة للاستعمال أصلا.

إنّ هذه الوضعيّة الصعبة التي أدركتها الشركة رغم أنفها جعلتها تخسر كثيرا من الأسواق العالمية نتيجة عجزها عن تلبية ما تعهدت به لتلك البلدان في أوروبا وآسيا. وهذا الأمر يزداد خطورة حينما نعلم أنّ منافستها في المملكة المغربية قد شرعت فعلا في سدّ هذا النّقص بزيادة إنتاجها وتعصير وسائل استخراج الفسفاط ونقله عبر الأنابيب والتخلي التدريجي عن النّقل البري والحديدي.

ما من شكّ في أنّ مستقبل منطقة الحوض المنجمي سيكون ضبابيّا في ظلّ عجز الدّولة عن حماية مواقع الإنتاج والتسريع بإيجاد الحلول الواقعية والحقيقية بعيدا عن المضاربات السّياسيّة. ولا شكّ أيضا أنّ هذا التدهور ستكون له انعكاسات خطيرة على البطالة وأزمة التشغيل من حيث إحالة عشرات الآلاف من مهندسي الشركة وعمالها ومهندسي المجمع الكيميائي وعماله إلى البطالة الوجوبية.

إننا نستشعر,في ظلّ هذا الوضع الرديء, قرب اندلاع أزمات اجتماعية حقيقية قد تعصف بالبلاد ولن تكون فقط كسابقاتها مصطنعة تحركها الأحزاب السياسية للضغط على من هم في الحكم. بل ستكون صادقة وعميقة ومؤثّرة في الحياة السياسية في تونس.

إنّ تخوفات اليسار التونسي الممثل في الجبهة الشعبية من أن تكون حكومة يوسف الشّاهد المدعومة من حركة النّهضة والقابلة بشروط صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي قد بيتت النية على التفريط في المؤسسات الوطنية الكبرى تجد لها أكثر من مبرّر. وربّما كانت البداية بشركة الفسفاط ثمّ سيُفْتَحُ الباب للتفريط في المجمع الكيميائي ثم شركة الكهرباء والغاز ثم بعد ذلك يأتي دور شركة توزيع المياه ومصنع التبغ والوقيد والحبل على الجرّار. إنّها المؤامرة مرّة ومرّة ومرّة…

لا تعليقات

اترك رد