هو أنا مين ؟

 

هل سألك أحدهم “من أنت؟” من قبل؟ الأهم من هذا، لو تم توجيه هذا السؤال لك، هل تستطيع أبداً الإجابة عليه؟ الإجابة بالتأكيد بالنفي؛ لأنه من أصعب الأسئلة التي يمكن الإجابة عنها. فتعريف الإنسان قد يبدأ من اسمه مروراً بنوعه، واتجاهاته الفكرية والنفسية، وانتماءاته البيئية، وتعليمه، وميوله، إلى ما لا نهاية. لكن، مجموع كل هذا في النهاية هو ما يسمي “بالهوية الثقافية”. وقد يتلخص مفهوم الهوية الثقافية بكل بساطة في الصفات التي تتوافر في شخص ما تبعاً لانتمائه لأحد الجماعات التي تشكل بداخله مفهوم معين عن ذاته. ومن خلال ذلك، يستطيع أي فرد أن يكون فكرة عن أي فرد بمجرد معرفته بالفصيل الذي ينتمي له. مع العلم أن محددات الهوية ترتبط ارتباطاً وثيق بجنسية المرء، وإثنيته، والديانة التي يتبعها، وطبقته الاجتماعية، والمنطقة السكنية التي يقطنها، والفئة الاجتماعية ذات الثقافة المميزة التي ينتمي لها، وكذلك – وقبل أي شئ – الجيل الذي ينتمي له، سواء أكان من الأطفال، أو الشباب، أو الشيوخ، شاملاً ذلك إلى حد كبير الحقبة الزمنية التي يولد فيها المرء؛ لأنها تحدد الكثير من صفات الخصائص الذي تم ذكرها أعلاه.

وعلى هذا، فإنه ليس من السهل تحديد الهوية؛ لأن فهمها يتطلب في الأساس تحديد أطر الهوية. وفي إطار محاولة فهم الهوية، أسس الطبيب مايكل هخت Michael Hecht ما يسمى بنظرية التواصل Communication Theory ، والتي أوضح فيها أن الأفراد يستوعبون التفاعلات الاجتماعية، والعلاقات، والشعور بالذات في الهويات المختلفة من خلال التواصل. ومن ثم، يتم التعبير عن الهوية من خلال التواصل، أي – وبمعنى أوضح – تكون الهوية والتواصل علاقة تبادلية، فلا يمكن لأحدهما أن يستقيم دون وجود الآخر. وفي ذلك السياق، أوضح الطبيب مايكل هخت Michael Hecht في نظرية التواصل Communication Theory التي أسسها أن الهوية الثقافية أو الإثنية هي فرع من فروع نظرية التواصل الخاصة بالهوية، وتلك النظرية حددت أطر أربعة للهوية، والتي من خلالها يمكن تحديد عناصر بناء هوية مميزة. وتلك الأطر هي: “الإطار الشخصي”، و”تفعيل إطار التواصل”، و”إطار العلاقة”، و”الإطار المجتمعي العام”. ويشير “الإطار المجتمعي العام” إلى القيود الثقافية، أوالاعتقاد فيما هو صحيح أو خاطئ، والذي من خلاله يبلور المرء مفاهيمه، ويبدأ في اتباع تلك المعايير طوال حياته. علماً بأن مفهوم “الصح” و”الخطأ” يختلف باختلاف المجموعة الثقافية التي ينتمي لها الفرد. ومن خلال هذه الأطر الأربعة يتفاعل المرء مع البيئة أو البيئات المحيطة به والتي يتعامل معها، مكوناً بذلك ما يسمى ب”الهوية الإثنية” التي من خلالها يرى الفرد نفسه، وعلى أساسها يتعامل مع العالم.

ونستخلص من نظرية التواصل Communication Theory تلك، أن الهوية هي كائن حي يتفاعل مع البيئة المحيطة به، وتلك البيئة تكون في الأساس مجموعة صغيرة تنتمي لمجموعة أكبر، وهكذا إلى أن تكون مجموعة الإذنتماء الكبرى دولة، أو منطقة، أو حتى قارة. فعلى سبيل المثال، أفراد الأسرة الواحدة يشكلون مجموعة ذات هوية مميزة تختلف عن شخصية الأسر الأخرى المحيطة بهم، ولو حتى كانت في نفس العمارة. لكن في النهاية، بسبب تواصل تلك الأسر بعضها مع الآخر، واشتراكهم في صفات محددة، نجد أن الحي الذين يقطنون فيه ذو هوية مميزة. فمثلاً، تختلف سلوكيات سكان الأحياء الشعبية عن سلوكيات أبناء الأحياء المتوسطة أو الراقية، بشكل عام. لكن أيضاً، تختلف أخلاقيات كل حي ينتمي لنفس الفئة عن الأخرى. علماً بأن الأسس السلوكية لجميع الأحياء الشعبية غير متشابهة. وهكذا دواليك، وقد يتحد مجموع هذه الأحياء إلى أن تكون قرية، ثم مدينة، ثم دولة، ثم منطقة، ثم قارة. ويولد في هذا الإطار “الإطار الشخصي”، الذي من خلاله يتعامل الأفراد مع من يحيطون بهم وهذا يسمى “إطار التواصل”، وهذا التواصل يفضي إلى “إطار العلاقة”، وتلك العلاقات هي التي توضح “الإطار المجتمعي العام” الذي قد يحلل سلوك ويجرم سلوكيات أخرى، في حين أن هذه السلوكيات عينها قد يختلف تقييمها تماماً في مجتمعات أخرى، بغض النظر عن الأطر الدينية التي قد يختلف تطبيقها باختلاف المجتمعات. وعلى سبيل المثال، نجد أن المجتمعات الغربية تشجع الشباب على الاستقلال بحياتهم بعيداً عن إطارالأسرة في سن مبكرة، سواء أكانوا ذكوراً أم إناث. في حين أن مجتماعتنا العربية ترى أن ذلك الاتجاه خاطئ ويساعد على تفتيت الأسرة وتدهور المجتمع. والغريب في هذا، أن لكل فصيل مبررارته المقنعة التي يقدمها على أساس أنها الصواب الواجب اتباعه. وذلك هو تبسيط ما يسمى بالإطار المجتمعي.

ويلاحظ أن إجمالي الأطر السالف ذكرها تكون في مجموعها ما يسمى ب”الهوية الإثنية”، والتي من خلالها يتواصل المرء مع بيئته لتكوين الهوية الثقافية التي تشمل جميع العناصر من جنسية، ودين، وطبقة اجتماعية، إلى ما شابه ذلك، حتى ولو كان الزي السائد، أو حتى ثقافة صنع الطعام، أو تقديمه، أو أكله.

ومن الجدير بالذكر، أن عمليات الهجرة، أو التهجير، وكذلك السفر للعمل في دول أخرى تؤثر بشكل مباشر على الهوية الثقافية للأفراد، وعلى هوية المجتمع بشكل عام، سواء أكان ذلك المجتمع الذين هاجروا إليه، أو وطنهم الأم الذين ينتمون له. وفي عالمنا العربي، نجم عن السفر للعمل في دول أخرى تغييرسلوكيات الأفراد العاملين بتلك الدول، ومن أهم مظاهر تغيير عادتهم هو تغيير أنماط الملبس، والمأكل، والمشرب، والأنماط الاستهلاكية، وحتى أسماء أطفالهم. وبنفس الطريقة، تتغيير الأذواق والأنماط الاجتماعية للشعوب بالدول التي يتم الهجرة إليها. فبالنظر للدول العربية حالياً، نجدها تحتفل بالأعياد على الطريقة المصرية، وتزدان بها الشوارع بالفوانيس والزينات في رمضان، ويكثر بيع الياميش، و يزين أيضاً مدفع رمضان كل مركز تجاري. ولم يقتصر اقتباس عادات و أنماط سلوكية وافدة على ما تم اكتسابه من الثقافة المصرية، فلقد اكتسبت دول الخليج كذلك سلوكيات، وعادات، وأنماط اجتماعية خاصة بالثقافة الهندية، والثقافة الشامية.

ونستخلص من ذلك، أنه يمكن للإنسان أن يحمل في صدره عدة هويات مختلفة، وبتنقل الإنسان بين المجتمعات قد يكوِّن المرء عدة هويات مختلفة تختلف باختلاف المجتمع الذي يحيا فيه. ودائماً ما نجد أن هؤلاء الأشخاص من السهل اندماجهم مع أفراد أي مجتمع، ويتميزون بشخصية جذابة محبوبة مليئة بقصص محبب سماعها، وعادات يتمنى الكثيرين اكتسابها. لكن، ومن ناحية أخرى، تتولد مشكلة أخرى، وهي صعوبة تحديد هوية تلك الأفراد وانتماءاتهم، مما يجعلهم شخصيات محبوبة وكذلك مصدر للريبة. أما على مستوى الأفراد متعددي الهويات الثقافية، يلاحظ أيضاً أنهم يعانون من عدم القدرة على الانتماء الكامل لأي فصيل، حتى ولو كان فصيل الهوية الأم. وتعد تلك من أهم المشكلات التي تواجه العديد من الأفراد في هذا العصر، والذين بدورهم يورثون المشكلة عينها لأبناءهم. والأمل هنا، أن يتم التواصل بين الهويات الثقافية المتعددة في مجتمعاتنا العربية بشكل فاعل، بحيث يتم القضاء على الشعور بالدونية بين المجتمعات والثقافات، لتوحيد جبهة الأمم؛ من أجل التفرغ لصد الأخطار الخارجية، بدلاً من تناحر أبناء الأمة الواحدة، وشعور كل منهم بالعداء تجاه الآخر.

لا تعليقات

اترك رد