فولتير النيل في عاصمة النور

 

إنه الأديب ألبير قصيري الأسطورة الحية والحلقة الأخيرة من حلقات الفكر الإنساني التي تربطا طوعا لا قسرا بالأيام التي كانت فيها العاصمة الفرنسية باريس عاصمة الثقافة في العالم وتحديدا حي سان جيرمان .
ولد الكاتب المصري ألبير قصيري في القاهرة في عام 1913 وغادرنا في عام 2008 . غادر ألبير قصيري نهائيًّا أَرض مولده في القاهرة لكنَّ القاهرة لم تغادره يومًا واحدًا ولم ينس ذكرها في كتاب واحد . وبقيَت مصر في خياله، وبقيَت في صفحاته خيالاتُ ناسها البؤَساء وشوارعها الـمنهَكة بالفقر والأَحياء المنهكة المتعبة . ومن هنا ولدت سخريته الملتهبة على الـمقتدرين والـمسؤولين عن هذه الحالة حتى لقَّبَه النُقاد والقراء “ﭬـولتير النيل” .

رحل عن أَرضه الأُولى “مصر” وسكن اللغة الأُخرى ” فرنسا” بكل ما تحمله من دلالاات فكرية ومعرفية وحياتية . لم يَعِش طويلًا بؤْس أَرضه الأُم بل عرف طويلًا ﭘـاريس الأَناقة الـمترفة وعاش فيها قرابة 63 سنة في غرفة واحدة رقمها 58 من فندق واحد اسمه “لا لويزيانا” في حي سان جرمان مترددًا على مقهى واحد “فلور” ، مُـجالسًا شلَّة واحدة من العباقرة هم : جان ﭘـول سارتر و سيمونّْ دوبوﭬـوار و هنري مِيلِر و أَلبير كامو و أُوجين إِيونسكو.

سمي بأشهر كاتب كسول في العالم لأنه كان يُـمضي نهارًا كاملًا كي يَكتُب جملة واحدة أَو ليجِدَ كلمة فرنسية تُلائِم فكرته العربية. لم ينشر في حياته الطويلة التي بلغت 95 عامًا سوى ثماني مجموعات قصصية وروائية . ومع ذلك طارت شهرته أَديبًا في الآفاق الناطقة بالفرنسية رغم أنه كان رجُلًا غريبًا في نمط حياته اليومية.

لم ينتبه القارئ العربي إلى أهمية ألبير قصيري إلا بعد ترجمة روايته “شحاذون ونبلاء” إلى اللغة العربية عام 1987 وتأكدت مكانته بعد روايتيه “منزل الموت الأكيد”، و”العنف والسخرية”. لكنه كان من الكتاب المرموقين على الساحة الفرنسية.
أعجب ألبير قصيري ببودلير الذي كان له تأثير قوي عليه حتى أنه استلهم منه عنوان كتابه الأول والذي نشره في القاهرة تحت عنوان ” اللدغات” من بودلير. كما أعجب كثيرا بمجموعة بودلير الشعرية التي تحمل عنوان ” أزهار الشر “.
كانت فلسفة ألبير قصيري في حياته هي “الكسل” إذ لم يعمل في حياته وكان يقول إنه لم ير أحدًا من أفراد عائلته يعمل لا الجد ولا الأب ولا الأخوة في مصر فقد كانوا يعيشون على عائدات الأراضي والأملاك . أما هو عاش من عائدات كتبه وكتابة السيناريوهات وكان يقول دائما : “حين نملك في الشرق ما يكفى لنعيش منه لا نعود نعمل بخلاف أوروبا التي حين نملك ملايين نستمر في العمل لنكسب أكثر”. وصف قصيري النوم بأنه أخو الموت عاش حياة غريبة تذكرني بمقولة لصامويل بيكيت : «النوم لحد الموت ، وصفة مريحة ، لعلاج مرض الحياة”.

تزوج ألبير قصيري من ممثلة مسرحية فرنسية ولكن لم يدم هذا الزواج طويلا وعاش بقية حياته عزبا ، وحين كان يسأل عن السعادة كان يقول “أن أكون بمفردي”.

ورغم شهرة ” ألبير قصيري” العالمية وحصوله على العديد من الجوائز الهامة في المشهد الإبداعي الفرنسي فإن كثيرين من الأجيال الجديدة من المبدعين العرب يجهلون الرجل وإبداعاته ، ورغم كل تلك الشهرة والذيوع لم يسعى يومًا إلى طلب الجنسية الفرنسية وعندما سأله  الروائي العراقي “شاكري نوري” : هل تعتبر نفسك كاتبا فرنسيا أم مصريا؟.
ابتسم ورد قائلا : ” إنني وقبل كل شيء أعتبر نفسي كاتبًا مصريًا. أكتب باللغة الفرنسية وأنت تعرف أن معظم الكتاب الهنود أمثال طاغور كانوا يكتبون بالانكليزية ورغم ذلك يعتبر طاغور كاتبًا هنديًا “.

وقد تميز أدب ألبير قصير بخصائص عديدة يمكن أن نوجزها بما يلي :
– فالرواية تعتمدُ بشكلٍ رئيس على “المهمَّشين” وهم في هذه الحالة عاهراتٌ ولصوص وفقراء مُعدمون و مجرمون. شخصيات ألبير غريبة تمامًا . أسماؤها غريبة وصادمة وكذلك أفعالها ولكن يمكن اعتبارها “صرخات” في وجه العالم يمكن تلمُّس ذلك في مجموعته الصغيرة جدًا “بشرٌ نسيهم الربّ” وهي من أوائل أعماله بإطلالةٍ بسيطة للغاية على عناوين القصص مثل الجياع لا يحلمون إلا بالعيش و الحلاق يقتل زوجته و ساعي البريد ينتقم و البنت والحشَّاش.
– يعد الكسل والحشيش أحد المكونات الرئيسة في شخصيَّات ألبير قصيري وبالرغم من أنَّه لم يدخن الحشيش إلا نادرًا عندما كان في مصر إلا أنه عبر عن فلسفته تلك بأنّه “في الرواية الأمريكية الشخصيات تشرب الويسكي وفي الرواية الإنجليزية تحتسي البيرة وفي رواياتي تدخن الحشيش”.
– روايات ألبير قصيري قصيرة للغاية ربما لهذا الأمر علاقة برؤية ألبير للكتابة إذ يعتبر أنَّ الكتابة عملية عسيرة للغاية فهو: يكتبُ سطرًا كل أسبوع و يمكنه أن يكتب عشرين سطرًا دفعةً واحدة ولكنّ هذا سيجعله يصحح ذلك في غضون شهرين من الزمن ” يعاد النظر في كلُّ جملةٍ من جديد فليست هناك جُملٌ مَجانيةٌ في كتبي. إنه عملٌ دَؤوب ولا يمكن أن أكتب إلا في غرفتي”.
– تدور أحداث روايات وقصص قصيري دومًا في مصر في القاهرة والإسكندرية ودُمياط أو في مُدنٍ افتراضية تدلُّ طبيعتها على مصر أو العالم العربي . قصيري الذي عاش أغلب حياته في باريس لم يكتب عنها على الرغم من كتابته بالفرنسيَّة وحياته في فرنسا ، إلا أنه وجد ضالتهُ في مصر، في القاهرة التي تتجاورُ فيها الطبقات تجاورًا متلاحمًا صارخًا. وربما وجد ألبير قصيري في هذه الشخصيات الفقيرة والمعدمة من المصريين ضالته ليعبِّر عن فلسفته “العدميَّة/الكسل” في الحياة.

أما أشهر أعماله الأدبية فيمكن أن نلخصها بما يلي:
رواية ألوان العار : في هذه الرواية يسلط ألبير قصيري الضوء على”ألوان العار” التي اجتاحت أرض الكنانة في عصر الانفتاح والتي تركزت في شره تكديس الثروات بأساليب ملتوية، والذي جعل اللصوصية غير مقصورة على النشالين هؤلاء اللصوص غير القانونيين،بل امتدت لتشمل رجال الأعمال والأغنياء وصيارفة البنوك الذين وصفهم الكاتب باللصوص القانونيين. ترسم الرواية صورة الانهيار والانحدار والفوضى في شوارع القاهرة مع روح الفكاهة التي تكفل لأهلها بقاءهم على قيد الحياة وهم محتفظون بكرامتهم.
بشر نسيهم الله : عنوان الكتاب له دلالته إذ يصف ويدين و يشير بأصابع الاتهام بإدانة واقع عاشه المصريون في نهاية الثلاثينات والأربعينات و كيف يتحايلون على الفقر ويتواطؤون معه لتستمر حياتهم التي لا تشبه الحياة .هي قصص قصيرة نادرة كتبها ألبير قصيري قبل هجرته إلى فرنسا ونشرت في مجلات عدة وهي من أعماله المبكرة وتجسّد براعته في تصوير الأحياء الشعبية وشخصياتها التي تتمتّع بروح السخرية إحدى سمات المصريين في مواجهة الظروف القاسية بحيث لا يملك قصيري في مواجهة الظلم سوى السخرية من الطبقات المهيمنة أو ما يسميهم “اللصوص الشرعيين” . مجموعة “بشر نسيهم الله” التي صدرت هذا الشهر تشرين الثاني عام 2015 ضمن سلسلة روايات الهلال القاهرية تضم قصة “ساعي البريد ينتقم” وقصة “البنت والحشاش” و قصة “الحلاق يقتل زوجته” وقصة “خطر الفانتازيا” وقصة “الجياع لا يحلمون إلا بالعيش” وفيها يعلن سيد كرم أن الاحتياجات الأساسية للحياة بسيطة وقليلة ولا تحتاج إلى حلول عظيمة فالبشر جياع والجياع لا يحلمون إلا بالعيش ورغيف الخبز .
رواية شحاذون ونبلاء : هل ينتجُ الظلم إلا العدميةً واللامبالاة؟ هذه هي النتيجة التي يصلُ إليها ألبير في روايته “شحاذون ونبلاء” وهي الرواية الأكثر صراخًا في العالم و ربما هي الأكثر صراخًا وعنفًا وظلمًا ولا مبالاةً في نفس الوقت . إلى أيِّ مدى يذهب ظلم العالم الذي يودي بجوهر الأستاذ الجامعي مُعلِّم التاريخ ويهبط من التدريس إلى إدارة حسابات بيت دعارة ثمّ يقتل المرأة التي راودته عن نفسه لا لشيء إلا أنه أراد أن يكسر القوانين ويتحدَّاها. ماذا ينتجُ الظلم أيضًا؟ ينتج لا مبالاة إلى حدّ اعتراف أحد الشخصيات بارتكابه جريمة قتل لم يقُم بها. الصعلوكان «يكن وكردي» صديقي الدكتور جوهر الرومانسيّ الحالم الذي يعشق فتاةً ارستقراطية لا أمل لهُ معها المتشرد الذي يعيشُ على الاقتراض والآخر الذي يحلم بثورة عارمة تطبِّق العدالة الاجتماعيَّة على الجميع وتعطي المرأة فرصتها في المجتمع والسياسة. هذه الأحلام التي سرعان ما تتحطَّم وتُنسف مع وطأة “الواقع الجارح المرير” .
رواية العنف والسخرية : إذا كانت رواية ” شحاذون ونبلاء ” تدور في شوارع منطقة الأزهر وما حولها في أواخر الثلاثينات ، فإن أحداث رواية “العنف والسخرية ” تدور في مدينة الإسكندرية بين حي الجمرك وشارع الكورنيش وأبنية المدينة الشعبية حيث يقوم قصيري بتجريد المدينة ليجعلها أي مكان في العالم فهو لا يذكر اسم الإسكندرية مباشرة ، وأن كان قد سمى حي الجمرك بالميناء والكورنيش ومن الواضح أن الكاتب قد صاغ هذه الرواية ومدينة الإسكندرية في ذاكرته بعد أن غادر مصر بحوالي عشرين عاما ً، وذلك خلافاً لذاكرته مع القاهرة عندما كتب روايته ” شحاذون ونبلاء ” حيث كانت المسافة الزمنية أقل.
لذا سعى قصيري إلى تجريد المدينة من اسمها لكنه لم يطمسها تماماً وفي هذه المدينة عاش في الأحياء الشعبية فأبطال هذه الرواية يعيشون بكافة مستوياتهم على أطلال المدينة بدءاً من كريم الذي اختار غرفة فوق السطح يقيم بها منذ سبعة أيام فقط وهو القادم من حي شعبي ملئ بالحركة والبشر ثم خالد عمر الذي تحول إلى تاجر كبير وهو الذي لا يجد متعته إلا مع الفقراء ولا يحس بأي سعادة إلا بين البسطاء أما هيكل، فرغم أن الرواية تشير أنه يتصرف كأحد أبناء الطبقة الراقية فأننا نفهم من حواره مع خادمه “سري” أنه يعيش في منطقة شعبية يهتم فيها الناس بأن يعرفوا المزيد من الحكايات عن هذا الأنيق صاحب البذلة الواحدة.
رواية منزل الموت الأكيد : تتوغل رواية منزل الموت الأكيد داخل أروقة القاهرة القديمة في احد أحياء القاهرة كان هذا المنزل الآيل للسقوط ، وفي هذا البيت يسكن أشخاص كل منهم آيل للسقوط ، وكأن بين البيت وبينهم علاقة وطيدة فكل منهم مشروخ الوجدان والجدران وينتظر زلزاله الخاص كي يقتحمه فإما أن يوقظه أو يأخذه معه إلى المجهول.
رواية زمن ابن الكلب : عنوان مثير اختاره ألبير قصيري لآخر أعماله الروائية، لكن الموت لم يمهله استكمالها ، فترك مخطوطها في غرفته في فندق لويزيان الذي عاش فيه ما يقارب ستين عاماً . وقد عرضت ناشرة قصيري جويل لوسفيلد صفحات من المخطوط الأصلي في المعرض الذي أقامه “المركز الثقافي الفرنسي” أخيراً في القاهرة احتفالاً بذكرى مرور عشر سنوات على رحيل قصيري.
نورد أدناه مقطعا من رواية زمن ابن الكلب للمتعة : ” جلس مختار على رصيف مقهى قذر، يبثّ مذياعه صوت المغنية الأسطورية التي تذكّره بأمه مليكه. لم يستطع الإنصات إلى هذا النواح على الحب الضائع، دون أن تترقرق دموعه. باستثناء شخص نائم مسترخياً على سريره، كضائع تقاذفه الليل، كان المكان في هذه الساعة النهارية، هادئاً، كوضع مؤقت بالتأكيد، ومناسباً للتأمل. بالطبع، لم يكن في نية الشاب التفكير في خلود الحماقة الإنسانية، ولا توبيخ زعماء هذا العالم الحقيرين، كانت كل هذه الموضوعات منذ فترة طويلة في ذهنه مستهلكة ولا تستحق أي نقد عميق وجديد. كل ما يتمناه، على وجه الإجمال، في تلك اللحظة، هو ركن هادئ يستطيع فيه، قبل أن ينسى، أن يستحضر ذلك الحادث المضحك الذي عجَّل بطرده من وظيفته معلماً في إحدى المدارس الحكومية، بالمدينة الساحلية، ذات الشهرة التاريخية، المسماة الإسكندرية. كل شيء بدأ بنقاش بسيط وبلا أي سبب ظاهر، مع مدير المؤسسة التعليمية، ذلك الرجل المجبول على الجهل، والمتزوج علاوة على ذلك بامرأة دميمة. هاتان الخاصيتان تجعلانه مقيتاً وغير متسامح في علاقاته مع الأذكياء والعزاب. بعد تلميحات خداعة حول الفسق المرتبط بالعزوبة، اتهمه أبو الأطفال منحطين هذا بأنه أنسى تلاميذه، على مدار شهور، ما علَّمه لهم خلال سنوات. غير مندهش من هذا المديح الذي يستحقه كثيراً، لم يستطع مختار مقاومة الرغبة في توجيه ضربة قاضية وشاملة إلى الترتيب الإداري الوضيع. أجاب بنبرة تستدر الشفقة، كأنه يوجه تعازيه إلى أرمل، بحزن، أن تلاميذه تعلموا على أي حال شيئاً مهماً للغاية بالنسبة إلى مستقبلهم، إذ إنهم عرفوا أن مدير هذه المدرسة حمار ومن اللازم استبداله بحمار حقيقي، وبالتأكيد حمار مقبول رؤيته. بالنسبة إلى عقل متحرر من جميع الأحكام العتيقة، يتبدى أن معاملة الحمار كإنسان تعتبر بمثابة سبّة للحمار. لكن المدير، العاجز عن استيعاب أي فكرة جريئة، بدأ يصيح كمجنون يحاول قتله، جاذباً بصيحاته رهطاً من المنقذين المتطوعين الذين أمسكوا بمختار وألقوه خارج المدرسة، مشيعاً باللعنات المألوفة.

لم يكن مختار مستاءً من هذا الفصل المفاجئ، لأنه منحه مكانة المنشقّ السياسي وضحية حرية التعبير، التي تثير اهتمام مثقفي البلاد الديمقراطية الغنية في ما وراء البحار. هؤلاء المثقفون الشجعان، الإنسانيون بلا حدود، يمتلكون موهبة تحويل أي تافه من توافه الكوكب إلى شهير، أي فرد خضع لأقل القليل من التنكيد أو احتجز لبضعة أشهر في المعتقل، في أي ظرف من الظروف، من قبل أي حكومة ديكتاتورية دموية. كانت هذه الفكرة تسعده كما المزحة. خلال لحظة يتخيل منفى براقاً في أرض غريبة تحييه فيه وتدلـله كل العقول المفكرة في نصف الكرة الغربي. هنا، كان واعياً بأن التمجيد البعيد بل وبعيد الاحتمال أيضاً، بالانشقاق الذي كان مبتكره العبقري لا يرتبط بأي جهة معارضة للحكومة. كان مختار ينكر كلياً كل الحكومات سواء كانت منتخبة أو مفروضة من قبل القوة العسكرية لأنها جميعاً متأتية من قالب واحد ومكونة من نفس المجرمين. وبالتالي من الغباء قلب أي نظام حكم لأن حكومة أسوأ من سابقتها ستتولى الأمور في النهاية. وبالتالي بداية جديدة ومتكررة لهذه الكوميديا البشعة.

بالنسبة إلى مختار، الطريقة الوحيدة لمقاومة أي نظام سياسي لا يمكن تصورها إلا في إطار الدعابة والسخرية، بعيداً عن أي سلوك أو عناء تستوجبه الثورة عادة. في الحقيقة، يتعلق الأمر بالتسلية غير المألوفة وليس اختباراً قابضاً للنفس لأجل الحفاظ على الصحة. معركته ضد الخزي السائد لا تستلزم جماعة مسلحة ولا حتى شعاراً يعلن وجودها. إنها معركة منفردة، وليس تجمعاً لكثير من الصائحين ولكن عملية ظريفة لإنقاذ الإنسانية، من دون التماس رأيها ومن دون انتظار الإجازة القادمة من السماء. منذ فترة طويلة، قرر مختار أن يكون دوره في الحياة ممثلاً في نسف الفكر العالمي وعفونته المقززة التي ترهق منذ قرون مخ البؤساء الضعيف. لم تزل الجماهير الإنسانية، المحطمة والهشة، التي تحيى على الكوكب مجبرة على الاعتقاد بكل ما يحكى لها في الدعاية التي تحقر الحقيقة بلا انقطاع. ظهر له بوضوح أن دراما الظلم الاجتماعي لن تتلاشى إلا حينما ينكر الفقراء القيم الأبدية للحضارة، قائمة الأكاذيب المتعمدة، المبرمجة لجعلهم دوماً تحت نير العبودية. مثلاً، الصدق. اعتقد الفقراء بأن الصدق هو الفضيلة الجوهرية التي سوف تنقذ أرواحهم من نيران الجحيم، وهذا الإيمان يقودهم إلى بؤس مستمر، بينما الأثرياء، الذين ابتكر أجدادهم هذه الكلمة، من دون الاعتقاد بها، يواصلون اكتنازهم للثروات. من المؤكد أن هذا التحليل، الصبياني ظاهرياً، للاقتصاد الرأسمالي، لن يرضي العقول الجادة، أعداء الحقيقة القساة، لأن بساطته سوف تمنعهم من أن يكونوا عميقين. قبل ثلاثة أشهر، حينما التمس مختار هذه الوظيفة كمعلم، لم يسع إلى أن يكون متمكناً فيها. المعلم مهنة مثالية لممارسة تدمير الخطاب الخبيث، الكذوب التقليدي، المصور على أنه تمديني، المستعمل في جميع القارات.

في الواقع، منحته المدرسة فرصة رائعة للتعامل مع التلاميذ الصغار، الميالين إلى التخريب عن البالغين الذين خدرتهم المفردات المهيمنة لفترات طويلة. ضمنت نقمة المدير له النجاح، ولو مع جزء صغير من الشعب على الأقل، ولكن هذه النتيجة الهزيلة تمثل حمولة متفجرة، يحملها ثلاثون مراهقاً مجهزون بوعي مجدد جاهز لنشر معرفتهم الجديدة في كل مكان. رأى مختار هذه الجماعة من المبشرين المرحين تكبر وتنتشر في جميع أنحاء البلاد، ولمَ لا، ما وراء الحدود نحو المدن البائسة في الجنوب المحتضر؟.
فجأة، قطع نباح كلب ـــ كأنه صادر عن جنس نادر وغريب، في أرجاء الحي ـــ تخيل هذا المستقبل العجيب. في نباحه، جرعة ملحوظة من الفظاظة والتحدي الموجه نحو أوغاد مكروهين، لا نعرفهم بالضبط. مسحوراً ومفتوناً بهذا الأداء، فكر مختار في البحث عن هذا الحيوان بنية اقتنائه في حال هروبه من مالك ظالم وسيئ التربية. فكرة التنزه برفقة كلب ذي طوق تثير بهجته كمعركة دقيقة أكثر من أسطورة تفوق الإنسان غير الدقيقة. إذاً، بدأ يفتش الرصيف، ولكن بدلاً من مقابلة ودودة مع عضو سام من جماعة ذوي الأنياب، انبهر بالألوان البراقة تحت أشعة الشمس الشاحبة، التي تبدت فجأة من وسط السحب، كأنها تود المشاركة في هذه الفتنة المذهلة. المسؤول عن هذا التطفل غير المألوف، رمز الحداثة، في الديكور القذر للرصيف، رجل في العشرينيات من العمر، ذو بنية جذابة وهيئة أرستقراطية، يجلس في مدخل المقهى، ويتفاخر بارتدائه مجموعة من الثياب من مختلف الأنواع والألوان بمجازفة كبيرة. كان هذا الشاب الرياضي يرتدي في زيارته السياحية لهذه النواحي المحرومة بنطالاً من الكتان الأبيض، وقميصاً من الحرير الأحمر كاشفاً عن صدره، وسترة سوداء من قماش الكشمير، وزين عروتها بزهرة ياسمين. ولكي يتمم هذا المظهر المترف الرقيق، كان يرتدى حذاء لامعاً، مثل تلك الأحذية التي يرتديها الوزراء والقوادون حينما يتوجهون إلى الأوبرا. بيد أن غرابة مبعوث الجحيم ذلك لم تتوقف عند هذا الحد: يدخن سيجارة حشيش يرسم دخانها الساكن ما يشبه الهالة أعلى رأسه.

قبالة هذا المشهد الخارق، ينتظر مختار النهاية بهدوء، وهو يعي بغرابة أن هذا الأمير، أمير الأناقة، الضال في هذا المكان، بعث إليه برسالة في غاية الأهمية. يقال إن حامل هذه الرسالة فهم هذا الانتظار وتهيأ لنقلها، لأنه – من دون أدنى تأخير – تخلى عن جلسته الكسول، وقام عن مقعده، ورفع عينيه إلى السماء، ثم، وبمثابرة المغني الشهير، نبح بفظاظة وعناد ساخر، كأنه يطلق نباحه بشراسة ناحية ملاك المنزل المقابل. في لحظة، توقف عن نباحه والتفت إلى مختار، الراضي ظاهرياً بما فعله.
أثنى مختار عليه خفية لئلا يوقظ الرجل النائم على دكته ، بما أن عامل الواقع المحسوس فقط هو الذي يقيه من الفزع. بدون شك، يتضمن هذا النباح معنى خفياً عليه أن يفك شفرته في أسرع وقت، إلا أن مقلد الكلاب الحانقة لم يترك له أي فرصة، ووجّه إليه هذه الجملة الغريبة:
كنت متأكداً من أنك ستفهم.

من أين أتيت بهذه الثقة؟ سأل مختار. سوف أكون سعيداً إن عرفت الأسباب.
انتصب الشاب الأنيق، المدعو حيدر، واقفاً واتجه لكي يجلس إلى طاولة بالقرب من مختار، وراح يتكلم بحماسة ودودة مكثفة، كأنه يريد أن يستحوذ على محادثه.

مررت من هنا، تقودني الصدفة، حينما رأيتك جالساً في هذا المقهى القذر. ولكن بدلاً من الحزن وثقل الوحدة، تطفو ابتسامة فريدة للغاية على شفتيك، هذا النوع من الابتسامة الماكرة يمثل تحدياً للفظاعة العالمية. أشعر بكونك أقوى من أي ثري. وهذا ما حثّني على التفكير في أنني أمتلك نفس قدرتك على الفهم.
رواية طموح في الصحراء: تكشف رواية طموح في الصحراء الجمود الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للجماهير التي تبدو وقد انغمست في حالة تبلد كلي وقد سحقها بؤس مضنٍ إلى حد أنّ إعلان أي فكرة مهما كانت أهميتها وتدشين أي ثورة مهما كانت جاذبيتها يتجاوزان قدرتها على الاستيعاب والتفهم والمشاركة ويعجزان عن تبديد جنوحها الأبدي للصمت والسلام، كما يذهب استبصار باسم شاهين بصدد أدب ألبير قصيري في كتابه “ألبير قصيري: التهميش إجابة على الحداثة”.
في القلب من ذاك الجمود المُنفِّر تشتعل الرغبة في التمرد، كما يجسدها هشام المغني وهو راديكالي حقيقي ، روحٌ حُرّة، متمرد على طريقته ، فنان متعلق بالعمال ومُلهم بعمق، يسكن وابنته في بيتٍ بزقاق ضيق بالجزء القديم من المدينة ناحية الميناء وعماله الكسالى والبؤساء والصعاليك حتى النخاع والذين يحبون هشام ويسكرون من أغانيه ويلتفون حوله كملاك حارس، وهو إذ يتحمس لمعرفة المسؤولين عن انفجارات المدينة يعاني انقساماً داخلياً مؤلماً وبلا حل. لكن رغبة هشام الحارقة في التمرد لا تقف، فقط، على النقيض من رغبته في سلام الإمارة وحمايتها من التدخل الإمبريالي للقضاء على ثورة محتمل أن تهدد مصالحها، بل هي مجهضة تماماً؛ فالشعب لم يصنع ثورة لكن الحاكم أراد اختلاق واحدة لم تجتذب أي جماهير.

تنتهي الأحداث بمحاولة تفجير محيي، وهو ابن رئيس الوزراء الذي لم يعترف به وتركه لأمه كي تعتني به، قصرَ رئيس الوزراء نفسه، كان محيي ثائراً حقيقياً ينتظر إشارة كي يهدم كل مباني المدينة التي توحي بالثراء، لم يلتزم بتفجير البنايات التي حددتها اللجنة الثورية لتكون هدفاً للاعتداءات، ونفذ انشقاقاً عن رئيسه في الخلية الثورية شحات.
وشحات (صديق سامانتار) صعلوك بحق، متهكم دائماً، ولا يأخذ شيئاً في الحياة بجدية سوى الهزل، ويؤمن بأنّ أكبر إهانة يمكن أن تُوجه إلى الذكاء البشري هو أخذ هذا العالم المثير للسخرية على محمل الجد، كان يصنع القنابل كتجربة مثيرة تستدعي المغامرة، وهو اللغز الذي طالما سعى سامانتار لحله، بينما كشفه طارق المجنون المزيف ليبني على أنقاض الثورة المحدودة ثورة مضادة حقيقية جداً وليست تحت السيطرة كما كان بن كادم يأمل، فشرارة الثورة المزيفة التي أشعلها خرجت عن سيطرته وكسرته، مثلما كسرت طموحه السياسي الكبير.

تدور أحداث الرواية في في إمارةٍ ما بالخليج العربي، أعطاها ألبير قصيري اسم “الدوفة” وهي إمارة صغيرة وقاحلة لكن هادئة وساكنة تماماً لأنه لم يظهر بها بترول كباقي ما حولها من إمارات ، تدور أحداث رواية “طموح في الصحراء” وهي مرافعة أدبية تتحدى التحديث وضد وقوع البلدان التي منحتها الطبيعة بميزتي الجمال والهدوء فريسةً للتقدم المادي.
شخوص الرواية الأساسية تتبنى من أعمق نقطة في وجدانها تحدي هذا الأسر إلى أقصى مدى وتنخرط في مواجهة التحديث، بلا هوادة بكل الأسلحة الممكنة التي تشمل الكسل والخمول ورفض الخضوع لنفوذ القوى الكبرى أو السلطة السياسية ، كما تشمل السخرية وهي في نظر قصيري سلاح الضعفاء و المهمّشين ضد الحكام الطواغيت وضد المجتمع الموبوء بالفساد وبلادة الحس.
تضم إمارة الدوفة ميناءً يطل على الخليج ويخلو من السفن الكبيرة وناقلات النفط العملاقة ، خلفه صحراء مترامية تخترقها عدة مناطق سكنية فقيرة وحي واحد على الطراز الحديث بناه الباحثون عن البترول المادة الحيويّة لإبادة الجنس البشري برمته وتركوه حين خيّبت الطبيعة أملهم، كأطلال للحداثة تثير الرثاء والتشفي بوقوفها كدليل مادي على الخسارة المُهِينة التي تكبدها عدو كريه.
تقع أحداث الرواية في السبعينيات من القرن الماضي أو ما بعد الاستقلال الرسمي لشبه الجزيرة العربية من الاحتلال الأجنبي، وتغلغل الإمبريالية الأمريكية في مسام الاقتصاد والسياسة بالمنطقة ومحاولة تحطيم نفوذها هو المهمة العظيمة التي يضلع بها بن كادم ، رئيس وزراء الإمارة الفقيرة وصاحب الطموح السياسي الكبير في أن يُخضع شبه الجزيرة لإمرته ويطرد الإمبرياليين ويخطط لثورة تنجز ذلك في الخفاء عبر تنفيذ سلسلة من الانفجارات في المدينة، أَمِل أن تحرِّك شعبه ومن ثّم يُدحرِج كرة الثلج الثورية إلى الشعوب المجاورة فيلتفون حول ثورته، وفي سبيل ذلك كان عليه أن يستعين بابن عمه سامانتار الضليع في السياسة الخارجية لأخذ النصيحة منه.
وسامانتار هو الشخصية المحورية في الرواية، يعيش في بيت يظلله النخل ويطل على الخليج في صحراء مسكونٌ بهدوئها ومتيم بسكينتها، ولديه استعداد لقتال العالم أجمع إذا ما هدد تلك السكينة، ويتمنى أن تعيش الإمارة تحت ظلالها ولو كانت في فقر مدقع وقاسٍ، وقد جعل احتقاره للطموح وعشقه لحرية بلده وذكائه الحاد وتأمله الوافر في الحياة، منه، الملهم الوحيد لابن عمه رئيس الوزراء.
هددت الانفجارات التي نفذها ابن عمه رئيس الوزراء بواسطة ثوريين محترفين استقرار عالمه فظل يبحث طوال أحداث الرواية عمن يكون وراءها مع الاستعانة بصديق عمره المغني هشام. ولما كان الهدف من استعمال القنابل المصنوعة يدوياً مرتبطاً بالأساس بإحداث الإثارة وليس إسقاط ضحايا وصناعة مأساة ، فقد زادت حيرة سامانتار الذي لم يتمكن من تحديد هذه النوعية من الثوار الساعين لعمل ثورة في أرض مقفرة وجدباء تماماً وبلا سلطة مركزية تشجع على إثارة الشعور بغياب الحرية وبلا موارد يمكن تقاسمها عبر تصعيد مطالب اجتماعية بصددها ولا مصادر بترولية تجتذب وحوش الشركات الأجنبية، وهذا هو الجانب المضيء للحياة في الإمارة.
مما سبق نسأل أنفسنا السؤال المشروع : هل ينتجُ الظلم عدميةً ولامبالاة؟ هذه هي النتيجة التي يصلُ إليها ألبير في روايته “شحاذون ونبلاء” . الرواية الأكثر صراخًا في رواياته، ربما هي الأكثر صراخًا وعنفًا وظلمًا ولا مبالاةً في نفس الوقت. إلى أيِّ مدى يذهب ظلم العالم الذي يودي بـ “جوهر” الأستاذ الجامعي، مُعلِّم التاريخ ويهبط من التدريس إلى إدارة حسابات بيت دعارة ثمّ يقتل المرأة التي راودته عن نفسه، لا لشئٍ ربما، إلا أنه أراد أن يكسر القوانين ويتحدَّاها. وقد استخدم قصيري جوهر بعقله ومركزه الاجتماعي ليصور مدى الظلم في المجتمع أي مجتمع بغض النظر عن الزمان والمكان.
ماذا ينتجُ الظلم أيضًا؟ ينتج لا مبالاة حدّ اعتراف أحد الشخصيات بارتكابه جريمة قتل لم يقُم بها!
الصعلوكان «يكن وكردي» صديقا الدكتور جوهر، الرومانسيّ الحالم الذي يعشق فتاةً ارستقراطية لا أمل لهُ معها، المتشرد الذي يعيشُ على الاقتراض، والآخر الذي يحلم بثورة عارمة، تطبِّق العدالة الاجتماعيَّة على الجميع، وتعطي المرأة فرصتها في المجتمع والسياسة. هذه الأحلام التي سرعان ما تتحطَّم وتُنسف مع وطأة “الواقع” البليد .

المراجع

hafryat
alaraby
aswatonline
Literature_Arts/254140
Literature_Arts/254136
/Literature_Arts/254139
/albert-cossery
The Jokers 2010 by Albert Cossery (Author), Anna Moschovakis (Translator), James Buchan (Introduction)
Albert Cossery loved men God forgot | Books | The Guardian
https://www.the guardian.com › books
Albert Cossery’s “Laziness in the Fertile Valley” – Words …
wordswithoutborders › book-review › albert-cosserys

لا تعليقات

اترك رد