التقاطعات السياسية المدمرة على الساحة العربية – ج١


 
التقاطعات السياسية المدمرة على الساحة العربية - ج١

منذ سقوط الدولة العثمانية(1923م) ونشوء الكيانات العربية أو قل الأقطار العربية أو قل الدول العربية، وبالتحديد منتصف القرن العشرين الذي شهد ولادة الأحزاب القومية والدينية والشيوعية في الساحة العربية إذ كانت بداية نهضة عربيه.

إلا إن التقاطعات كانت العامل المهم في تقهقر النهضة العربية، إذ أن اغلب الدراسات تشير إلى سببين وهما:
1- العمالة للأجنبي
2- التخلف الثقافي

وفي هذا المقال نطرح سببا آخر وهو التقاطعات ونشير إلى العمالة والتخلف حتى لا يبقى المجال للذي يفسر عدم نجاح النهضة بهذين السببين فندخل حلقه مفرغه أو حسب قول المنطقي يلزم الدور لماذا لم ينهض العرب للعمالة؟ لماذا العمالة لعدم نهضة العرب ؟ والدور الآخر لماذا لم ينهض العرب للتخلف ؟لماذا التخلف لعدم نهضة العرب؟

استطاع الاتجاه القومي تسلم مقاليد السلطة في أكثر من بلد عربي إذ سبق الأحزاب الدينية
1-لممانعتها للفكر العلماني الغربي الذي كان تيارا جارفا.
2-لعدم استيعابها للتطور العلمي بشكل سريع
3-لعدم وجود قياده كفوه

وسبق الأحزاب الشيوعية
– للطبيعة الإسلامية للامه العربية فلم تسمح له بالتمدد بالوسط العربي بشكل طبيعي فانتصرت الثورة القومية في مصر(1952م) وكان رائدها القائد العربي جمال عبد الناصر، واستلم حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في سوريا (1963م) ، الذي اسس في (1954م)- من اندماج حزب البعث العربي( 1947م) برئاسة

مشيل عفلق , وصلاح البيطار مع الحزب العربي الاشتراكي (1938) برئاسة أكرم الحوراني ، واستلم السلطة في العراق في (1968م) وكان رائد الحزب ميشيل عفلق إذ غاب اسم صلاح البيطار وأكرم الحوراني .

والمقصود بالتقاطعات عدم قبول الكيانات السياسية بعضها لبعض إذ خاضت صراعات على كل الأصعدة والمستويات حتى الصراعات الدموية والتصفيات الجسدية وبكل ما أوتيت من قوة وسخرت كل إلامكانات مهما كان نوعها وتحالفت مع الأعداء الاستراتيجيين لكبح جماح بعضها البعض واستغلت حتى بسطاء الناس ،بل المجانين والمرضى .

وتسببت هذه التقاطعات إلى قهقرة العرب بدل تقدمهم وخسر العرب الطاقات الجسام والثروات الهائلة وتبدد الحلم العربي سواء بالوحدة أو الحرية والرفاهة المادي والتطور العلمي وأصبح سرابا.

تقاطع القوميين مع الإسلاميين
بالرغم من إن أدبيات القوميين تحترم الدين كتراث ، والإسلاميين تقر قول الرسول الكريم إذ يروى عنه – وعشيرتك جناحك الذي تطير به . ومع ذلك فقد شهدت الساحة العربية نوعا من التقاطعات تعتبر من أفظع التقاطعات التي مرت بها.

التقاطع الأول: تقاطع عبد الناصر مع الإخوان

تبنى عبد الناصر الفكر العلماني واقتبس التجربة الغربية في فصل الدين عن الدولة إلا انه نص الدستور على ان الإسلام هو الدين الرسمي للدولة وابقي على الأزهر (أضخم مؤسسه دينيه يرجع إليها المسلمون في العالم العربي والإسلامي).

إلا انه شمر عن ساعديه لمحاربة الإخوان اتهمهم (بالتخلف) ولم تغمض له عين عن اي مخالفه دستوريه تصدر عنهم وإذا كان تصرفهم ضمن الدستور يقلص الدستور ليصبح خارجه أو يفرض القوانين الطارئة كالأحكام العرفية ومحاكم الثورة الخاصة, هذا إذا لم يستطع التصرف تحت جنح الظلام أو من وراء الكواليس, وجامل الأعداء إلا انه لم يبد إي مرونة اتجاه الإخوان وتوج ذلك بإعدامه العالم الديني والمفكر الإسلامي سيد قطب .

وبالمقابل حارب الاخوان الثورة العربية واستهدفوا جمال عبد الناصر وصار عندهم اشد كفرا من لينين وأكثر قسوة من هتلر وشبهوه بفرعون مصر وحتى ما يقره من الإسلام يروه غير إسلامي أو يجعلوه تحت قاعدة(

كلمة حق يراد بها باطل) ورفضوا ما أدخلت الثورة من التقنية العلمية فحرموا التلفاز لأنهم صنفوه من أدوات اللهو كالقمار واتهموا عبد الناصر ( بالعمالة ) وروجوا كتاب لعبة الأمم لأحد أعضاء المخابرات الأجنبية الذي يجعل من جمال عبد الناصر آلة شطرنج بيد المخابرات الأجنبية تحركها كيف تشاء بما في ذلك قرار تأميم قناة السويس.

أدى هذا التقاطع إلى إعاقة الثورة العربية وشل حركة الإخوان وجعلها تراوح مكانها مما مهد لظهور التيار السلفي الذي بات أكثر ثوريه من الإخوان، لذا وصمته الثقافة الأمريكية بالإرهاب لتطرفه, إذ نشق منهم جماعه تحت اسم التكفير والهجرة وبعدها آل الأمر إلى تنظيم القاعدة, وترك جمهور الإخوان التيار المعتدل وتوجهوا صوب المتطرفين المتمثل بالسلفية التي تمثلها القاعدة.

التقاطع الثاني: حزب البعث العربي الاشتراكي جناح العراق مع حزب الدعوة

طرح حزب البعث العربي الاشتراكي نظرية الحزب الواحد وبعدها طرح نظرية القائد الضرورة وعليه ضرب بقسوة حزب الدعوة فقام

– عام (1969م) بتصفية رؤوس الأموال الممولة فأعدمهم وعرضهم على أعواد المشانق في الساحات العامة بتهمة شبكات تجسس لصالح إسرائيل إلا (السيد مهدي محسن الحكيم ) استطاع الفرار إلى خارج العراق واغتاله حزب البعث في السودان (1988م) .

-قام بتصفية أهم الناشطين من المؤسسين وزج الكادر المتقدم في السجون (1970م-1974م).

– بعدها زج الكادر الوسط في السجن واعدم الناشطين (1975-1978م) . ومن ثم اتهم الحزب بالعمالة إلى إيران وأصدر قرار بإعدام كل من ينتمي إلى حزب الدعوة وتوج ذالك بإعدام العالم الديني المرجع والمفكر والفيلسوف الإسلامي محمد باقر الصدر(1980م), وفي إحصائية خاصة بحزب الدعوة عام (1980م) كان هناك 180الف شابة و شاب جامعي يحمل فكر الدعوة سواء كان كادر أو من جمهور الدعوة تمت تصفيتهم خلال عامين (1980م-1982م) .

بالمقابل جند حزب الدعوة كل إمكاناته لمحاربة حزب البعث

-حرم الانتماء إلى حزب البعث العربي الاشتراكي .
-أتهم حزب البعث بالعمالة وطرح تحليلا “أن حزب البعث في العراق خطين الخط البريطاني بزعامة احمد حسن البكر والخط الأمريكي بزعامة صدام حسين وهدف البعث الاشتراكية وسوف يتلاشى ويكون العراق رأسماليا”.

هذا التحليل طرح لكادر الحزب في السبعينات, وكان ضمن منهاجه الثقافي قراءة كتاب لعبة الأمم الذي جعل من عبد الناصر آلة شطرنج بيد المخابرات الأجنبية هذا الكتاب على ما يبدو هديه الإخوان لحزب الدعوة أو الدعوة جاءوا به من مصر.

-قام الحزب بمحاوله فصل البصرة وإعلانها دوله في خطة لحزب الدعوه اوكل قيادتها الى الدكتور شاكر صيهود (تشرين الاول1980) ,وفشلت الخطة على يد احد أفراد الجيش الشعبي عندما أبصر الدكتور في محطة للوقود فأطلق النار على الدكتور وطرحه أرضاً, إلى انه جاءت التعليمات الأمنية فورا بالمحافظة على حياة الدكتور وعليه لم يمت الدكتور وسار التحقيق بكشف كل خيوط القضية والكادر المتورط في ذلك أما اعدم أو فر خارج العراق وضاع خبر الدكتور إلى يومنا هذا.

وهناك قسم من كادر الدعوة أو من جمهورها انخرط في حزب البعث وقدم له خدمات جليلة والمعرف عندما ترى بعثي نشيط ومخلص في السبعينات ابحث عن جذوره تجده إما مؤمن أو شيوعي.

هذا التقاطع أدى إلى إعاقة الثورة العربية وستنزف طاقاتها,وشل تنظيم الدعوة مما جعله ينكمش على نفسه مما مهد لظهور التيار الصدري الذي بات أكثر ثوريه من حزب الدعوة مما سهل على الثقافة الأمريكية بوصمه بالإرهاب لتطرفه .

التقاطع الثالث: حزب البعث العربي الاشتراكي جناح سوريا مع الإخوان

دكتاتورية الحزب في سوريا بطرحه نظرية الحزب القائد، همشت جميع الأحزاب في سوريا وبحكم علوية القيادة فرضت الخناق على السنة فلم يستطع الإخوان طرح نفسه كحزب ضمن الجبهة الوطنية فزجوا بكل كادرهم في السجون لا وبل حتى عامة الشعب من المتدينين الذي يمكن إن يكون جمهور للإخوان ضيقة عليه وفرضت إحكام عرفيه وتوج ذلك بأحداث حلب (1964م) إذ جرفت البيوت في الجارفات.

الإخوان كحزب تلاشى او ظل يراوح مكانه وكأفراد فكان هناك ردود فعل أدى بتحول قسم من الإخوان من سني إلى شيعي وبحكم الفرقة العلوية باطنية (لا تكشف إسرارها) وليس لها فكر مطروح ورؤى واضحة اتجه إلى الفكر الشيعي ألاثني عشري واستغل العلاقة الطيبة بين سوريا وإيران وذهب يدرس الفكر الشيعي في قم

ويرجع داعيا إلى التشيع وبهذا يخلص من متابعة قوات الأمن ويصبح آمن وقسم اختار الانخراط في حزب البعث ككادر وسط إلا انه لم يتخلى عن سنيته وضل مدافعا عنها فكلما سنحت له الفرصة يحارب المد الشيعي الذي نشط في سوريا بدعم إيران.

الخلاصة

هذا التقاطع (تقاطع القومين مع الإسلاميين) لو قدر له الحل في وقتها لتقدمت الأمة العربية شوطا كبيرا وهنا نأمل من تهيئة الذهنية العربية لطرح حوار بين التيارين القومي والإسلامي على الأقل بحده الأدنى وهذا ممكن بشرط.

1-النضج الذي يبديه الطرفين ويكفي لدراسة اثأر التقاطع الماضي لهذا النضج.
2- مرونة فكريه يبديها الطرفين ، لاكما حدث فنرى القومي يصافح الصهيوني كما فعل السادات ولكن لم يصافح الإخوان مما اضطرهم لاغتياله حسب ما ينقل ولا أريد إن احمل الإخوان دماء السادات، وقراءة المالكي الفاتحة على أرواح الأمريكان ولكن لم يقراها على أرواح الذين سقطوا في حرب إيران . وسيسقط القوميون المالكي أما اغتيالاً سياسياً أو جسدياً.
3- الزمن .

ولكن علينا أن نتهيأ لهذه الفكرة من الآن وان كان على ارض الواقع لا يمكن طرحها ألآن.

ففي مصر مساندة الإخوان تعني مسانده الإرهاب لان الثقافة الأمريكية وصمت التطرف الإسلامي بالإرهاب والإخوان كانوا اضعف من أن يقفوا بوجه الانشقاق المتطرف الذي بدء بجماعة التكفير والهجرة وانتهى بالقاعدة.

وفي العراق مساندة حزب الدعوة للبعث تعني الانتحار لأنه لم تجف الدماء بعد فمقابر البعث الجماعية التي لم يستكمل اكتشافها لحد الآن.

وفي سوريا وان كان حزب البعث انضج تجربه من حزب البعث جناح العراق وعليه أكثر ديمقراطيه منه إلا إن تلاشي الإخوان كخط معتدل ولم يبقى إلا الخط السلفي المتشدد الذي لا يمكن فتح حوار معه وهو يتربص الفرصة لأنه البديل الوحيد بعد البعث في سوريا حسب ما نراه.

لا تعليقات

اترك رد