في أدب الفانتاستيك

 

فرش نظري
قد يتبادر للذهن كلما انطرح مفهوم أدب الفانتاستيك fantastique (1) على طاولة التناول الفكري أو الأدبي والنقدي بالخصوص سؤال التوطين localisation لهذا الجنس الأدبي بالذات. أي السؤال حول وجود هذا النوع من الأدب ضمن الإبداع العربي عموما من عدم وجوده . وفي الحالة الأولى إلى أي درجة يشكل ظاهرة أدبية تستلزم ضرورة المواكبة النقدية ، وفي الحالة الثانية ما هي المبررات التي تجعل من جنس أدبي بعينيه يزدهر إلى حد كبير في بلد ما وينتفي في بلدان أخرى. على أن هذه الإشكالات هي ما يقفز للواجهة بمجرد التفكير في جنس الفانتاستيك في الأدب العربي خصوصا والإبداع العربي عموما.

لن نجيب على إشكال التوطين منذ الوهلة الأولى. ذلك أن هذا النوع من الأدب يستوجب التدقيق في الكثير من الجوانب المرافقة له: من إشكال هويته الأدبية إلى محدداته وخصوصياته الداخلية مرورا بعلاقاته مع الأجناس الأدبية المجاورة له(وهي كثيرة) والبعيدة عنه وهي كثيرة أيضا، ثم دراسة وحصر موضوعاته المختلفة وإعطاء التأويل المعقول لكل هذه العلائق والخصائص وفق أدوات إجرائية منهجية مناسبة من جهة وهادفة من جهة ثانية.

سنعمل وفق ما سبق على تقديم علائق محكيات recits الأدب الفانتاستيكي بمجمل المحكيات “العادية” الأخرى، والتي اعتاد المتلقي العربي تلقيها دون أن تطرح عناء التأويل والتلقي نفسه. نظرا لمجاورة المحكيات المقصودة للواقع المعايش. في حين يطرح المحكي الفانتاستيكي صعوبات جمة في التلقي والقراءة ثم في بناء القراءة الثانية، أي بناء النص الجديد الذي هو نتاج القراءة الشخصية. فقط لأن الفانتاستيك جنس منفلت من الواقع ومن الواقعية ذاتها. إذ كيف يمكن للقارئ”العادي” أن يتصور مع فرانز كافكا أن بطل قصة ” المسخ ـ وهو موظف عادي في شركة تأمين ـ قد تحول إلى حشرة (2). إن هذا الحدث الفوق ـ طبيعي surnatural هو ما يجعل أدب الفانتاستيك أدبا خاصا ، إذ يشتغل على ” الطريقة الصعبة على الإطلاق للتواصل” . وهذا على خلاف الأجناس الأدبية الأخرى والتي سميناها ب “الأجناس العادية” التي يبررها الواقع اليومي نفسه.

إذا كان النص الأدبي يقدم للقارئ محكيا واضحا أو على الأقل محكيا معقولا، فإن الفانتاستيك لا يكشف عن رسالته كما في غالب ـ وليس كل طبعا ـ الأجناس مباشرة ومنذ الوهلة الأولى . إنما تتمشكل اللعبة السردية jeu narratif في الأدب العجائبي في شكلها وفي المضمون إلى درجة من الغرابة وفقدان المعقولية. في إحدى القصص المشهورة تنفصل “يد بشرية” عن باقي أعضاء جسم بطل القصة فتزحف نحو فراش أحد النائمين في غرفة معينة ، تخنقه حتى الموت انتقاما منه ، هكذا تصور للحدث القصصي يجعل هذا النوع من الأدب أدبا ” على الطريقة الصعبة ” بشكل شامل. وهذا ما جعل من القارئ العربي قارئا ممأزقا إزاء الأعمال الفانتاستيكية. كما يؤثر ذلك على الدارسين لذات الأعمال والذين يخلطون في كثير من الأحيان بين الفانتاستيك والأجناس المجاورة للفانتاستيك مثل الغريب الاجتماعي etrange social والسحري magique والاسطوريmethique وما إلى ذلك من الأجناس الأخرى. والتي لا تعد بالضرورة أجناسا فلكية للفانتاستيك . وقد سقط الكثير من الدارسين في هذا الفخ الناتج عن عدم ضبط ماهية الأدب العجائبي. إذ تعريف هذا الجنس هو في ذاته أيضا يحمل غرابة مشهورة : يقول تيزفتان تودوروف في كتابه القيم ” مدخل للأدب العجائبي” إن الفانتاستيك بمثابة ” شفرة حلاقة”. وهذا يدل على الخطورة الكبيرة والاحتمال الكبير أيضا للوقوع في الخطأ كلما انزاح الدارس عن هذه الشفرة الحادة جدا.

النص الحديث والنص الفانتاستيكي:ـ
إن النص الحديث يراهن ضمن رهاناته العديدة على الثورة ضد الأشكال الجاهزة. ذلك قصد خلخلة الخطاب السردي في كل مرة. وخلخلة الخطاب السردي الكلاسيكي بالخصوص، في ما يتعلق بالأحداث وطبيعة الشخصيات والعلائق السببية والعقلية للفضاء السردي المكاني والزمني . وأول ما جاء به الخطاب الحديث هو قضية ” استفزاز”provocation القراءة والتلقي، ثم زرع “التردد”hésitation عوض اليقينية الزائفة. يقينية المتن الأدبي والنقد الأدبي نفسه . وزرع هذا النوع الخفيف من الشك حتى في الأدوات الإجرائية التي اكتسبها النقد والتي أسست لقوانين حد اليقينية (الجهاز المفاهيمي) . إن الأدب الفانتاستيكي يشتغل وفق هذه الأهداف الحديثة فهو يروم ضرب اليقينية في الأحداث السردية وفي الشخصيات والزمن والفضاء ..كما يروم زرع هذا الشك في معقولية وقانونية النقد الأدبي. غير أن الفرق بين أهداف الخطاب الحديث وأدب الفانتاستسك هو أن الأول لم ينجح في المهمة المرسومة، فقد ظل حبيس الواقع. في حين تجاوز الثاني الواقع نحو الفوق ـ واقعي.

إن الغرابة في الأدب الحديث وفي الأجناس الأدبية تقريبا لا تخرج عن منطق اللغة والبناء اللغوي، ولا تحدث ” ترددا” لدى القارئ ، وحتى من داخل المدارس المشهورة بالغرابة لا يحدث ذلك . ففي السريالية والدادائية والمستقبلية والرمزية وغيرها لا يحدث أي شيء غريب أو عجيب خارج اللغة. وحتى إن حدث تجاوزا فهو لا يحدث أي شك أو تردد لدى المتلقي . في حين ينبني الأدب الفانتاستيكي على هذا الشك وهذا التردد. وهذه هي الخاصية الأولى والحاسمة في تعريف الفانتاستيك وفي تصور الفرق بين هذا الجنس وسائر الأجناس الأدبية الأخرى، سواء الأجناس المجاورة أو الأجناس البعيدة.

يقول تودوروف حول ظاهرة “الاستفزاز” المتواصلة للنص الحديث : ” لا ينبغي للحمية المنهجية إذن أن تمنعنا من الاقرار المتواضع بأن النقد بالضرورة غير مكتمل كما أنها تقود إلى البحث عن قارئ متخصص يستوعب رموز المجال الذي تخصص فيه، ويمتلك القدرة على الصمود أمام دوامة القراءة للمؤلفات الحكائية الحديثة”(3) . يطرح تيزيفيتان تودوروف إشكالية ” اللاكتمالinachèvement النقد الأدبي” وهو يواجه غرابة المتن corpus الحديث. فكيف إذا أصبح في مواجهة المتن الفانتاستيكي الذي يمكن اعتباره “خارق للطبيعة وللخيال ذاته” . كأن يصادف أحدهم مصاص دماءvampire في إحدى الزوايا المظلمة وهو يغرس أنيابه في عنق فتاة ثم تتحول هذه الأخيرة بدورها إلى مصاص دماء أو ذئب أو ذئب ـ كرمادة (غول). إن التحول هنا تحول فانتاستيكي وهو غير التحول اللغوي في الأجناس الأخرى .

إحالات
1 ـ الفانتاستيك ترجمه البعض بالعجائبي وآخرون بالاستهامي أو الغرائبي . غير أننا نراوح بين الفانتاستيك نفسه أو العجايبي وهو أقرب إلى المفهوم.
2 ـ تحول (جريجوار سامسا) في قصة المسخmétamorphose إلى حشرة أشبه بالسلحفاة بعد كابوس ليلي ومن خلال هذا المسخ يرصد كافكا العلاقات العايلية والاجتماعية لعالم الموظف البرجوازي الصغيرفي أوربا.
3 ـ تيزفيتان تودوروف . نقد النقد، ترجمة سامي سويدان .
لحبيب اعزيزي..المغرب

لا تعليقات

اترك رد