سَلِمَتْ يَدٌ غَرَسَتْ

 

زيتونة خضراءُ هناك في ما اصّاعد من جنوبنا التّونسيّ، في ربوع بني خداش من ولاية مدنين، زيتونة يستنبتها آباؤنا في السّهول والأودية والهضاب، يذلّلون من أجلها حَزْن الأرض، يسقونها عرقَ الجبين، وقوتَ العيال وقد أمسكت السّماء.

وقد شهدت لهم السّماء بالكدّ والجهد فها هو ذا غدَقُها يحوّضُ حوْضَها أن اغرسُوا الشّجرةَ، وها هو ذا يُحوِّضُ لها ماءَها، وها هي ذي تكبرُ وتنمو. فانظر تُربَها البِساطَ المُعتهَدَ، ومُجتناها المُمهَّدَ، وانظر زيتَها اليُضيءُ وانظر وارفَ ظلّها؛ هو مَقيلٌ إن شئت أو مستراحٌ، ونشرُ نَظَرٍ في غُدوٍّ أو رواحٍ.

وانظرْها لتونسَ لونا ووسما.

سَلِمَتْ يَدٌ غَرَسَتْ.
وَتَبَّتْ يَدٌ حَطَمَتْ.

وانظر الأرضَ رَحِما ولودا، في جوفها تُبذَر الأشواقُ و” كلّ بذرةٍ شوقٌ”، ومن جوفها تطلع الأكمام. وكلُّ غَرْسٍ عُرْسٌ؛ عُرسُ الفعل الّذي يأتيه العزمُ وعرسُ الحياة الّتي تُولَد وعُرسُ الأثر يُؤتَثَرُ.

وللّه درُّ ذي الْخِرَقِ الطُّهَوِيِّ! إذ يقول:

إنَّا إذَا حَطْمَةٌ حَـتَّتْ لَنَا وَرَقًا *** نُمَارِسُ الْعُودَ حَتَّى يَنْبُتَ الْوَرَقُ.

تعالَوْا نَقرأْ هذا القولَ على مسامعنا، تعالَوْا نرفعْ به أصواتَنا، تعالَوْا نَعْرِضْهُ على ضمائرِنا، تعالَوْا نُسَائِلْ فيه أنفسَنا، تعالَوْا إلى هذه العَيْنِ من عيون الكلام نتراءَ في صفحتها فماذا نرى؟

أَأَمْرَاسٌ نحن خَبِرْنَا الحياةَ تجريبا ومِراسا أم تُبَّعٌ نقفو ولا نُريدُ؟ أتُرانا نُغَالبُ شدائدَ الزّمانِ فنمتحن استطاعتنا أم نخاف عجزَنا فنجبن عن الفعل فلا نستطيع أبدا؟ أتشتملنا الظّلمةُ فنغمضُ أعينَنا فلا نرى أم نبحثُ في الظّلمة عن منفذِ الضّوء؟

أنحملُ أنفسَنا على الفعل والمغامرة والمحاولة أم نستمرئ الانتظارَ على جادّة الوقت نتحيّن فرصة نغتنمها أو نضيّعها؟ أعمالُنا كيف نراها؟ رسالةً اصطفتنا الحياة لها نؤديها نبذل فيها الوُسعَ من الجُهد ومن حبّ أوطاننا ومن احترامنا لأنفسنا أم حيلتَنا بها لأنفسنا؛ نأتيها مُصانَعَة، ونصرف وقتَها عن وجهه إلى وجهِ ترتضيه أهواؤنا؟ أعمالُنا هل نُمحِضُ لها جُهدَنا تُطرِفُه الأيّامُ واللّيالي أم نطلب الرّاحةَ تواكلا وتقصيرا وقعودا نَلُوكُ عاداتِنا وأسفارا ” أَنْهَجَ فيها البِلى”.

تِيكَ عينٌ من عيون الكلام إن طالعتَ وجهَكَ فيها فاحذرْ أن تقرأَ على صفحتها قول الصّاحب بن عبّاد: “إنَّ الرَّاحةَ حَيْثُ تَعِبَ الكِرَامُ أوْدَعُ، لكنَّها أَوْضَعُ، وَالقُعُودُ حَيْثُ قَامَ الكِرَامُ أسْهَلُ، لَكِنَّهُ أَسْفَلُ”.

سَلِمَتْ يَدٌ غَرَسَتْ.
وَتَبَّتْ يَدٌ حَطَمَتْ.

الخريفُ في الخارج يطرق الأبوابَ، يسخر من الإنسان يرتّب حياته تُزعجه الفوضى فيقيّده النّظامُ، يلوّن السّماءَ فتربدّ فلا ضوءَ إلّا ما قبستَ من جذوة الفِكَرِ، يشهدُ الأشجارَ تتعرّى وذاك النّاظرُ منك إليك ماذا يَرَى؟

بعض الرّذاذِ ينقر نافذتي والزّيتونةُ الخضراءُ في ما اصّاعد من العزم والحلم والتّوق، والكلماتُ العِينُ لذي الخِرَق وللصّاحِبِ ممكنٌ من القول لا تأتي عليه العبارةُ ومجازٌ إلى ما ينشأ في نفسك إن اشْتَدَدْتَ عليها مُسائِلا.

الخريف وجعُ الخلق وبشائرُ الولادة. وغدا ترتفع الكلماتُ الطّيّباتُ شجرا وفيئا. وغدا تُنْكِرُ الأرضُ حضيضَها.

من خلال القَطْرِ، على ناصيةِ الدّرب، وجهُهُ ضاحكٌ والمِنْسَأَةُ في يده…
لِلْفَرَحِ الطِّفْلِ فِي سَمْتِ الْأَعَارِيبِ … لِأَرْضِنَا الْعَطْشَى … لِرُوحِنَا الظَّمْأى… جُودُ الشَّآبِيبِ…

***

سَلِمَتْ يَدٌ غَرَسَتْ.
وَتَبَّتْ يَدٌ حَطَمَتْ

المقال السابقفي أدب الفانتاستيك
المقال التالىانا المصلوب في شجني
قصي المليّح. 15/07/1964 تطاوين شهادة اختتام الدّروس في اللّغة والآداب العربيّة بدار المعلّمين العليا بسوسة. سنة 1989 أستاذ أوّل منذ سنة 1996 النّجاح في مناظرة انتداب متفقّدي المدارس الإعداديّة والمعاهد الثّانويّة 2005 النّجاح في مرحلة تكوين متفقّدي المدارس والمعاهد الثّانويّة 2007 متفقّد أوّل ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد