حركة التنوير وأسئلة التغيير؟

 

في منطق الفعل المنتمي للحظات الغليان والانفجار الشعبي العارم، لا مجال للسجالات التنظيرية المحضة. كما ينبغي توكيد حقيقة أنّ مَن يحسم الفعل، هو قدرات ذاتية موضوعية للحراك وتناسب القوى ميدانيا. وهذا طبعاً، يتأتى مِن درجة وعي الجموع المنضوية في الحراك ووضوح الهدف ودقة المنهج والآليات. ومن يحقق ذلك بالمنتهى هو وجود قيادة قادرة على ضبط الخطى واتجاه مسارها بصورة دقيقة بسلامة المنحى والأثر. هنا بالتحديد سيكون الحديث عن قوى التنوير تنظيميا كون بعد تنظيمها وطابعه يظل بحاجة إلى مراجعته وضبطه على وفق مقتضيات اللحظة التاريخية…

إنّ نظام الحكم لم يكن يوماً منذ 2003، قد أخذ سياقات بناء دولة علمانية ديموقراطية على الرغم من ظهور خجول لعبارات في الدستور ظلت مجرد عبارات بصياغة سياسية لا برؤية قانونية معروفة معياريا فاختلطت عندها تلك العبارات توفيقياً بين المتضادات المتناقضة فشق من قوانين الدولة الحديثة المعاصرة وآخر مما يجترّ سمات نظم ما قبل الدولة حي وُلِدت مؤسسات شكلها ينتمي للدولة وجوهرها ينتمي لنقيضها، تحديداً جرى تحويل السلطات الثلاث إلى أدوات تتحكم بها زعامات واجهات تُسمى أحزاباً فيما الحكم الفعلي الميداني لقادة ميليشيات مرجعياتها خلف الحدود فضلا عن كون تلك المرجعيات ذات مآرب وأطماع تعبر عن شكل جد متخلف لاحتلال البلاد واستعباد اهلها…

إن بعض الفاعلين السياسيين بخاصة هنا في المشهد الديموقراطي، وقعوا أسرى فهم مغلوط بدءاً من هوية الدستور المنقوص المشوّه بخلفية أنه كتبه السياسي لا القانوني وهاهم يتابعون ترداد عبارة الاحتكام للدستور! ومروراً بطابع الحكم ومنظومة قيمه حيث أخطر عملية تزوير لإرادة الشعب وتكريس لقيم الفساد والإفساد وليس انتهاءً بمخرجات مجمل العملية السياسية المرتبكة المتضخمة بكل التشوهات حيث سطوة إرادة عصابات مافيوية بلصوصيتها ومجموعات مسلحة وميليشيات ببلطجتها وسطوتها العنفية الدموية بكل البشاعات والفظاعات التي حولت النظام إلى (نظام فاشي ميليشياوي) بالتمام والكمال! لا مجال فيه للحريات وفرص الدفاع عن الحقوق المنهوبة!!

هل عليّ هنا أن اشير إلى أبرز ثلاث محاولات تمّ قمعها بالحديد والنار في 25 شباط فبراير و31تموز يوليو 2015 وأخيرا المشهد الماثل أمام الأعين لانتفاضة الأول من أكتوبر 2019!؟

وتفصيلاً: هل عليّ التذكير بمسلسل الاعتداءات الهمجية ضد مؤسسات الثقافة والمنتديات الاجتماعية وعلى المثقفين والمبدعات والمبدعين!؟ وهل عليّ التذكير بفتاوى التحريم وحظر الأنشطة التنويرية بكل أنواعها وخطاباتها، من موسيقا وغناء ومسرح وسينما وشعر وقصة!؟.وهل عليّ التذكير بجرائم الاختطاف والاغتصاب والتقتيل والاغتيالات لكل تنويرية وتنويري بلا حساب ولا مقاضاة إلا وانتهت بقيدها ضد مجهول!؟ هل عليّ التذكير بتخريب التعليم وتحويله إلى منصة لنشر الخرافة ودجل الأضاليل المسماة تديناً؟ هل عليّ التذكير بتخريب الصحة ومؤسساتها وبتلويث البيئة بصورة فجة صارخة!؟ هل عليّ التذكير بحرمان العراقيين من اشكال الاتصالات الحديثة بصورة متسترة ونشر بدائل خطيرة بألاعيبها؟ هل علي التذكير بأتعطيل مجمل الصناعة كلياً وبتبوير الأرض وجعلها أرضا يبابا وتجريف ما تبقى من بساتين وغابات ومنح دول دولتي المنبع لحجب الأنهر وأمواهها عن الأرض العطشى المآنة!؟ هل عليّ التذكير بسرطنة وديان الأنهر المجففة بدفع النفايات إليها ودفن نفايات مجتلبة من الخارج في الأرض العراقية مع عدم إزالة كل ما لوث هواء الوطن والناس حتى ارتفاع قياسي تجاوز نسب الخطر المميت ولا نقول الممرض فقط!؟ وهل علي التذكير بأن البطالة بهذا صارت بنسبة لا تحتملها دورة اقتصادية في بلاد!؟ وبأن الفقر المدقع بات سببا مكينا مهولا لاستعباد الناس ووضعهم بأقفاص التدجين والابتزاز!؟

ذلك هو النظام ايها المعنيون بتغييره والاستجابة لإرادة الشعب ومطالبه: فهل ثوبه يكفيه الترقيع!؟ وهل أية رقعة تستخدمونها، ستكون كافية لسد ثغرة تبتلع مزيد ضحايا من أبناء الوطن!؟

لقد تقدم الشعب الذي وعى ويعي أسباب جراحاته الفاغرة على قواه المنظَّمة فرفع شعار تغيير نظام الطائفية الكليبتوقراطي وهو حين يلخصه بعبارة ((الشعب يريد إسقاط النظام)) لا يجافي أعلى منطق علمي في الخيار وفي سلامة القرار.. ومع ذلك مازالت بعض تلك القوى المنظّمة تتمترس خلف وهم أن هذا الشعار مخصوص بإسقاط (طاغية) بعينه بالاسم بخلاف كل الخبرة الإنسانية ومعاجم الخطاب السياسي…

في ضوء تلك الحقائق فإن شرعية النظام العراقي القائم على ركنيه: الطائفي والكليبتوقراطي قد سقطت نهائيا منذ تم تكريسه سلطة نهائية تتحكم بها عناصر ميليشياوية بمنطق الخرافة واضاليل خطابها.. وعليه فإن التظاهرات القائمة لم تعد مجرد مظاهرات مطلبية محدودة بتلبية حق أو آخر ولكنها باتت انتفاضة استرداد السلطة وهي صاحبة شرعية شعبية على وفق القاعدة القانونية التي تتحدث عن السمو الدستوري وحصره بمرجعية الشعب وصوته…

والمطلوب الآن استكمالا لنضال شعبي عتيد يكمن في منع انهيار الانتفاضة الثالثة بضربات العنف المسلح القمعي الميليشياوي يتجه إلى التنويري.. وإنما مطلب الاجتماع وما يخرج عنه من قرار بقصد الاستجابة المباشرة للشعب ليس موجها إلى مسؤولين حكوميين ممن يخضع لعناترة الغدارة ورصاصها بل هو موجه إلى قوى التنوير والديموقراطية كي تلبي قرار الشعب في التغيير وتضعه قيد حساباتها في برنامج تتحد فيه وعليه..

إن إعلان الجبهة الشعبية للتنوير والتحرير هو الأمر الوحيد المنتظر من تلك القوى وما خلاه سيظل مجرد لعب في ملعب النظام الذي يريد الشعب سحب البساط منه واستعادة الشرعية بسمو صوت الشعب دستوريا للشروع بالتأسيس لعملية سياسية ديموقراطية تبني دولة حديثة علمانية واضحة المعالم والخطى والمسار بلا خلطات عطار الدجالين وأضاليله…

على القوى التقدمية الديموقراطية:
ولوج حركة الاحتجاج والتظاهر وتقدم الصفوف فذلك هو المكان الطبيعي لهم.
رفع شعارات الشعب في إسقاط نظام الطائفية المافيوي فهو شعارهم الأنجع.
الدفع لاستقالة بل إقالة حكومة سقطت الشرعية عنها فعليا وكليا نهائيا.
الاستعداد لتسلم السلطة بمرحلة انتقالية وقوانينها باعتماد جيش وطني وقوات مسلحة لا مكان فيه للميليشيا وبلطجية العصابات المافيوية.
إعلان دستوري يحدد بدقة قانونية مستقلة هوية البديل دولة علمانية ديموقراطية تحقق العدالة الاجتماعية.
وإعلان سياسي لميثاق عمل وطني ديموقراطي محدد بسقف زمني مناسب يمثل مخرجا لوجود الصوت الشعبي ودوره التنظيمي الذي يعد لإطلاق مشروع دمقرطة المؤسسة الرسمية.
عقد الاتصالات الرسمية مع القيادات الدولية والمنظمات الأممية بشأن خطة إنقاذ.
خلا ذلك لا مجال للتحدث عن دولة عراقية تخدم الشعب وتستجيب لمطالبه وكل ما عدا ذلك ليس سوى لعبا بمنطقة سطوة النظام الفاشي الميليشياوي وما يسمح به ولا يسمح..

إن أسئلة التغيير والبحث عن بديل تطرح نفسها على حركة التنوير بدقة تفرضها منظومة قيم العصر وآليات الحياة فيه كونها آليات تنتمي لمرجعية وحيدة حصرية هي مرجعية الشعب وسمو صوته دستوريا وكل النداءات العفوية والمقصودة التي تنادي بحماية (زعيم) أو (رجل دين مجلبب معمم) لن تكون سوى انزلاق إلى دوامة الماضي واجترار أشكال جديدة مظهريا ولكنها ماضوية مقيتة جوهريا..!

فهل بقي من كلمة سوى التوجه إلى الفعل والاستجابة لعشرات القرابين الضحايا ومئات المصابين الذين دخلوا منقة الآلاف مع اختطلف واعتقال مفتوح بالجملة والعشوائية تجاه أبناء الشعب!!!؟

لا تعليقات

اترك رد