ماذا قدّمت قناة « ARK TV » للقضية الكردية؟

 

أمّي، «عدولة بلال قَرَكيجي»، الإنسانة البسيطة، والكردية – القومية حتى النخاع. مؤمنة بنضال مسعود بارزاني ووالده. تطالب دائماً بضرورة اعتراف العالم بالشعب الكردي. تتابع بشكل مستمرّ قناتي «روداو، وآرك – ARK TV»، دون أن يمرّ عليها نشرة واحدة. سألتني منذ فترة، عن سبب عدم بثّ قناة آرك للأحداث والوقائع والتطوّرات في مدينة كوباني، وخاصة سنوية حرب داعش على كوباني وتهجير المدنيين منها، وما إن كانت قناة خاصة بمنطقة جغرافية معيّنة، لتقول: «منذ عشرين يوماً، لم أشاهد أو أسمع أيّ خبر منها حول كوباني ومشاكلها والتهديدات التي تُحاك بحقّها، ووضع الناس الاقتصادي والأمني فيها». استفسارات أمّي، وأسباب أخرى، دفعتني للغوص في كواليس هذه القناة، وانتقادها.

التحزّب، أفعى «الكوبرا»، تنخر بسمّها القاتل في جسد القضية الكردية – السورية، أمام إعلام متحزّب مخنوق في المحسوبيات والفساد السياسي والأجندات، يعرّف نفسه، أمام الرأي العام، على أنه نقيض للإعلام المتحزّب، مع ميله إلى استخدام أكثر من لغة؛ لتعزيز ونشر وجهات النظر الكردية لجمهور متعدّد، والأجدر أن يكون هذا الميل اللغوي خاصّ باللغة الكردية وتطويرها وتفعيلها، إضافة إلى تعزيز هذا الإعلام لصورة المجتمع الكردي، على أنه مجتمع متعدّد الجماعات «كلّ الجماعات غير الكردية تهاجم الكرد، إلا الكرد؛ لا يهاجمون إلا أنفسهم».

ذات مساء، في مدينة هولير، بإقليم كردستان، عام 2015م، يوم كنت فيها ضيفاً قادماً من مؤتمر المجلس الوطني الكردي الثالث، المنعقد آنذاك في قامشلو، التقيت بناشط إعلامي في منزل صديقي «مظلوم تمو» في شارع ملا عزير «وهو الآن مشرف التحرير في قناة آرك»، حيث ناقشته عن المحسوبيات المتسلّطة والمصالح الشخصية والتحزّبيات المقيتة. كان فجّاً غير لبق في نقاشه، بعيد عن أصول الحوار، توجيه الاتهامات الباطلة كانت تفوح من فمه، ربّما هي عادته تجاه كلّ مَن يختلف أو يخالف معه في الرأي، إلا أنني احترمته جدّاً؛ إذ أكّد في ردّه علي، بما معناه الدقيق «الحياة مصالح، والعمل الحزبي مصالح، وولائي بالدرجة الأولى هو لحزبي»، علماً الرجل كان صادقاً في البوح الجريء عن مواقفه ومبادئه وولائه لحزبه أولاً ولقضيته ثانياً، أيّ أنه لا يلعب على الحبلين، كما الآخرين.

تعرّضت سابقاً، والآن، قناة آرك الإخبارية، لانتقادات حادّة من قبل مناصري بعض الأحزاب الكردية وغير الكردية؛ بسبب نشرها وفضحها لممارسات وانتهاكات التي تحصل حتى الآن في مخيّمات نازحي الكرد في ريف حلب ونبل والزهراء, ومنذ حرب عفرين وهي تنشر تلك الانتهاكات اللا إنسانية. ولكن حتى تكون هذه القناة غير منحازة ومهنية، فلِم هي غائبة عن كلّ ما يُحاك ويُمارس بحقّ اللاجئين الكرد والسوريين والعراقيين في إقليم كردستان من فساد واستغلال وإهمال، على الصعيد الإنساني والإغاثي والصحّي والتعليمي والأهم السياسي، وأدواته قيادات حزبية رفيعة؟

لِماذا لا تتطرّق في نشراتها وبرامجها وموادّها إلى دور المجلس الوطني الكردي السوري، وتهرّبه من مسؤولياته ومؤتمره وقضاياه السياسية الخاصة المعلّقة والمتعلّقة بقضايا شائكة، وتعامله الهزلي مع القضية الكردية، خاصة حول حقوقها وتمثيلها ضمن اللجنة الدستورية، التي قال عنها رئيس هيئة التفاوض التابعة للمعارضة السورية منذ أيام «نصر الحريري»، أن كلّ مطالب الكرد ستكون على طاولة المفاوضات، عدا الفيدرالية.

ماذا قدّمت؟
حقيقة هي ليست بقناة ناطقة للهمّ الكردي بشكل عام، ولكنها كانت حاضنة لتطلّعات الكرد، ومُوَاكِبة لمشاكلهم في بدايات تأسيسها، حيث في ظلّ إدارة الدكتور الإعلامي «رضوان باديني»، والإعلامي الشاب «صباح ميراني» غيّرت وجهة المشاهد الكردي من القنوات العربية؛ لتوصل معاناة لاجئي ونازحي المخيّمات إلى الرأي العام الكردي والعربي والدولي، وكانت أول قناة كردية غطّت قصف قوّات البيشمركة لتنظيم داعش في مدينة كوباني عام 2014م، إضافة إلى تغطية معارك بيشمركة «روجآفا» في إقليم كردستان ضد التنظيم نفسه، فيما أغلبية إعلاميي غربي كردستان، الذين عملوا ويعملوا في الإقليم هم من خرّيجي قناة آرك، لتكون بذلك صوت الكرد في سوريا، منذ بداية ثورتها المُباعة.

تعتبر قناة آرك، بشكل أو بآخر، معهداً إعلامياً لتدريب الكوادر الإعلامية، من الناشطين والأكاديميين، وتخريجهم منها إعلاميين أكفّاء، حيث خرّجت الكثير من المحرّرين ومعدّي ومقدّمي البرامج والأخبار، منهم بهار درويش مقدّمة أخبار في قناة كوردستان24، ونالين حسن أيضاً مقدّمة أخبار في قناة روداو، وحلبجة سعدون في قناة WAAR TV، وكولستان محمد أمين التي تعمل حالياً في قناة آفا، بعد أن استقالت من روداو، وشفان بشير شرف في قناة زاغروس، وصباح ميراني وسيبان خليل وآلان حبيب بقناة كوردستان24، وآخرين.

واليوم… ماذا تقدّم؟
في الوقت الراهن، وفي ظلّ إدارة السياسي وعضو اللجنة الاستشارية في الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا «خالد علي»، فقدت قناة آرك بوصلتها الكردية – الإعلامية، وهويّتها الاجتماعية، بابتعادها عن مصائب وهموم الشارع الكردي، إذ أن

الغالبية العظمى من ذاك الشارع تشكّك برصيدها، من المهنية والنزاهة والموضوعية والشفافية، حيث باتت شغلها الشاغل محاربة الإدارة الذاتية وأحزابها ومنظّماتها، ولو أنها محقّة في بعض حروبها المبطّنة، دون أن تتطرّق إلى التصريحات الرسمية للائتلاف السوري المعارض، والتي تخوّن الكرد وتحاربهم بشوفينية كبيرة، لكن أن تتعامل مع عقلية المتابع الكردي بعنجهية نفسية ومزاجية إدارية، وتعمل على زرع الفتنة ونشر أسرار حربية، تضرّ بالدرجة الأولى المدنيّين، فهذه تعتبر خيانة لمصير شعب وجيل وقضية بأكمله.

كانت تستضيف سابقاً، شخصيات من مختلف الشرائع الاجتماعية والسياسية والمدنية، وتتباحث في ملفات حيوية مسؤولة وغير حزبية، وقليلاً ما كانت تستضيف قيادات في الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا، باعتبارات أن هذه القيادات هي مَن تديرها خلف الكواليس، فيما اليوم، يعيش المتابع الكردي معها، حالة من الضجر والملل؛ لأنها تغطّي الأحداث وفق مزاجيات موظّفيها غير الأكاديميين بغالبيتهم، وتحديد ضيوف خاصّين بهم ووفق مقاساتهم الحزبية، حيث كتب «محمد شريف أبو شيار»، وهو ناشط على موقع الفيس بوك منشوراً، وجّهه إلى مدير القناة الحالي: «سنغيّر اسم قناة أرك من ” “ARK TVإلى “”Brîmo TV. رجاءً خالد علي غيّر هذا الموديل… قرفنا»، قاصداً بذلك عضو اللجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا «نوري بريمو»، جراء سلسلة استضافاته الكثيرة على القناة.

تعتبر قناة أرك قناة حزبية بامتياز، ناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا. تأسّست في 25 تشرين الأول عام 2012م، ومموّلة ومدعومة من قبل حكومة إقليم كردستان. تملك أكثر من خمسة عشر موظّفاً، غالبيتهم من مدينة ديرك. إن كلمة (ARK) تعني حرية غربي كردستان، والتي تكتفي بمخاطبة جمهورها، كما بقية وسائل الإعلام الكردية الأخرى، دون تغيير الواقع أو إصلاح ما كان نافعاً.

وعن مهنيتها وموضوعيتها المفقودة، يرى الإعلامي الكردي «بانكين كرد» في منشور سابق له على الفيس بوك، نشره بتاريخ 16 آذار عام 2018م أن دور الإعلام هو نقل الوقائع والحقائق كما هي، بكلّ أمانة وشفافية، موضّحاً عمّا نشره راديو «ريباز نيوز» من أخبار غير موضوعية «أما أن تُحرّف تلك الحقائق لأغراض سياسية، أو نتيجة حقدك على ذلك الطرف، وأن تصوّر للناس أن المدنيين الذين استشهدوا في حيّ المحمودية بمدينة عفرين عام 2018م نتيجة قصف الطائرات التركية بأن حزب الاتحاد الديمقراطي مَن قتلتهم… فهذا معيب واستخفاف بعقول الناس، ويجعلك محلّ سخرية، عن راديو ريباز أتحدّث، وهو راديو تابع إعلامياً لقناة آرك».

بماذا تتميّز؟
تتميّز قناة آرك بغياب قاعدة إعلامية مواكبة للشارع الكردي دون تمييز أو تعنيف، وبدعمها المشروط ورقابتها المزاجية وغياب فاعليتها التأثيرية وتحزّبها الكبير، أيّ أنها تدعم الصحفيين والكتّاب الكرد مقابل ولاء شخصي أو حزبي، فقد أرسلت عدّة مرّات مقالات إلى إيميلها الخاص، ولم تُنشر أيّ واحدة منها، في حين أتحدّى أن يأتيني أحد بمقالة نقدية لكاتب ذا توجّه غير بارزاني، ويكون منشوراً في موقعهم الرسمي، وأقصد هنا الكاتب «الآبوجي».

إن ارتخاء الدور الأمني لأجهزة النظام السوري والتحرّر من هاجس الخوف، والتي كانت تعيق تحرّكات الإعلامي الكردي، والدعم المالي والتقني من قبل المنظمات الدولية والإقليمية، وتوفير الوسائل الضرورية من أجل الارتقاء بالعمل الإعلامي، كانت أسباباً كافية وجوهرية في فشل الإعلام الكردي في أن يطوّر من نفسه إثر قيام الثورة السورية، إلا أنه لم يستطع الخروج بنفسه من قوقعة التحزّب التي أغرق نفسه بها، بل العكس، حيث كلّ وسيلة إعلامية حزبية تعطي الحقائق مشكوكة بأمرها، بدليل أنها تستشعر أخطاء الطرف الحزبي المنافس، بدلاً من الارتقاء والتقدّم.

مَن يريد التأكّد من صحّة استقلالية ومهنية وحيادية قناة آرك، عليه أن يتابع نشراتها وموادّها مدّة شهر واحد، ويقارن بين تقاريرها وأخبارها المكتوبة، وسيصل إلى نتيجة مفادها «بثّ سموم الحقد والكراهية، وإعلاء الفكر الحزبي»، إضافة إلى التغطية المزاجية لأخبار المناطق الكردية، ولكن هنا أسئلة تطرح نفسها: لم غالبية موظّفيها هم من أهالي مدينة ديرك؟ لم غالبية الذين يتدرّبون فيها هم من أهالي ديرك؟ أما إن كانت القضية مناطقية، فالأفضل أن تسمّى قناة «ديرك – Dêrik TV».

المقال السابقتصاعدت أبخرة البركان العراقي، فهل سينفجر؟
المقال التالىمظاهرات ووعود كاذبة
شاعر وكاتب وصحفي سوري. من مواليد مدينة كوباني، ومقيم الآن في تركيا. عمل أستاذاً في اللغة العربية، في المدارس والمعاهد التعليمية الخاصة في المدينة. له نصوص شعرية، وقصص وخواطر أدبية، ومقالات سياسية وثقافية ورياضية نقدية، منشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، منها كُردية وأخرى عربية. انت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد