التعابير المصوّرة وجماليّة الأنا في “خطايا السراب” للشاعرة التونسية حسناء وفاء الجلاصي

 

1. التعابير المصوّرة:
لو سألت حسناء عن مفهوم الاستعارة في التصوّر البلاغي القديم ومفهومها في النقد الحديث قد لا تجيبني لأنّ الشاعر غير مطالب بمعرفة هذه التنظيرات فهي من مجال الناقد. والدّرس النقدي يستنبط هذه الحدود والمفاهيم من ملفوظ الشاعر وطرائقه في التصوير وليس العكس.

فعملية الإبداع معقّدة. والجميل في هذه المجموعة انزياح الذات الشاعرة فيها إذ تُجري مجازات وتعبيرات استعارية فاعلة في خلق المعنى. فتمتدّ مشاعر الذات الشاعرة إلى كائنات الحياة من حولها فتلتحم بها وتتأمّلها وتتقمّصها ” ألبس فراغ المرايا – أنشطر انشطار تفاحة – أنا القصيدة أمثل هواجسي طيور أبابيل… ” (ص53)

فالشاعرة خرجت بالتعبير الاستعاري من دائرة الحدود الصارمة التي وضعها القدماء ليصبح تفاعل الذات الشاعرة مع موضوعها. والاستدلال على هذا التفاعل وأهمّيته في ملفوظ الشاعرة قولها في قصيد “غربة” (ص16) ” أقيم المجاز على مجامر حديد” وفي قصيد “ضوّع السنين” ص37 ” أرتّب عُري المجاز من الإيقاع” وفي قصيد “ظلّي والمدى”ص40 ” تعال نجرّب التعايش وأغلق عنّي الاستعارات المنسية”. فالذات واعية بالمجاز قديمه وحديثه. وعُري المجاز من الإيقاع يعني حضور الذات وما الإيقاع سوى حركة الذات في ملفوظها على حدّ قول ميشونيك وأحمد حيزم لأنّ الإيقاع لم يعد حكرا على القيس والوزن.

وأمام درجة تفاعل الذات الشاعرة مع موضوعها فالشاعرة لا تسقط مشاعرها على الأشياء بل نحن أمام ذات تحاول أن تعي بنفسها من خلال تأمّلها في موضوعها. وهو تأمّل لا يحفظ للطرفين استقلالهما بل يزاوج بينهما بطريقة تنتهي إلى التماهي ” لا اختلاف بيني وبين السنين” (ص23.)

والاستعارة على هذا النحو عبارة عن تفاعل بين الطرفين أي بين الشاعر والعالم الخارجي. وللشاعرة قدرة على إعادة تشكيل هذه العلاقة من جديد. فلم تعد العلاقة بين طرفي الاستعارة قائمة على الإبدال بل قائمة على التبادل والتفاعل والتأثر ما يخلق معاني جديدة.

والصورة الفنية سواء أ قامت على التشبيه أو الاستعارة أو الكناية هي الوجه الأبرز في هذه المجموعة. فهذه الصور تدلّ على حذق الشاعرة في إخراج المعاني لتميّزها بذهنيّة خاصة تمكّنها من رؤية الاختلافات وتقديم رؤى جديدة للعلاقات داخل العالم ” فكلّما حاولت إقصاءك من دفتر الذكريات.. سقطت أقلامي.. انسكب حبري.. فأذيبك سكرا على مذاق الذكريات.. وأحتسي ذهولي وشرودي” ص32 و ” من قال إنّ الشمس محرقةْ؟ وإنّ القمر منارة العابرينْ؟ (ص36)

والاستعارة باتت أمرا يتجاوز اللّفظ إلى الخطاب حيث تنبهر حين تتيح اللّغة إجراء تلك الصورة الجماليّة التي تعيّن الأنا الذي يحاول التأثير في السامع وحمله على الانتباه إلى رؤيته المختلفة إلى العالم من خلال تلك الصّور ” لا تكترث فأنا الشيء الذي سقط منك في العتمة.. أنا … أنا الصّامت.. المتأرجح في هوس الدّروب” (ص39) و” فتاهت مراكبي.. وشربني ملح التّيه.. وعلّق بقاياي على جدار من أرقْ” (ص35)

2. جماليّة الأنا:
الذات واحدة والأنا متعدّد. والذات أعمّ من الأنا الذي هو معيّن من معيّنات الذات. والذات تتشكّل في ملفوظها وتختلف من ملفوظ إلى آخر.

وجمالية الأنا هي طرائق الذات وهي تنشئ خطابا شعريّا حول مكوّنات العالم. فالذات هذه تبحث عنها في كلّ مستويات اللّغة لتدرك صورتها التي يشكّلها الأنا المتعدّد. وإذا وقفنا عند المعجم وهو أحد المعيّنات لرصدنا كلمات روابط تشدّ القصائد المتفرّقة بعضها إلى بعض: ” الفراغ (7مرات) \ الفضاء الممتدّ \ البدايات \ النهايات \ العدم \ السّراب \ الغياب \ متاهات \ التيه \ وطن الرّاحلين \ الدّرب \ الأثير \ بيت \ أحلامي \ الضباب \ التمنّي…”

درب:( أحلام + تمنّي بيت ووطن) ـــــــ ضباب + سراب + غياب = التيه

البدايات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهايات

فضاء ممتدّ = فراغ + عدم

فالذات في رحلة بحث عن بيت \ حلم ” والأسى يغطّي أشلاء أحلامها… أتراه الموت كافيا لإنهاء رحلة بحثها؟” ص27. ذات تبحث عن الاستقرار والحبّ والأمان والحضور بل تحلم بوطن ” وحدي هناك أبحث عن بيت… ألملم به أشلاء عظمي” ص34

وهي رحلة بحث ذات عن ذات أخرى. وهي في علاقة مع ذات أخرى شاعرة في صيغة المذكر” مذ صار حبّك مئزري أضع أقفالا على فمي… أقاوم مدّ الحلم… وأخاصم شكّ وسادتي” ص33 و” لا ذنب لي إن اختارني الشاعر… شالا لقصيدته… فارس ذاد عنّي الرّيح… حتّى يقيني بعثرة الخُطى…” ص56

كلّ السياقات توحي بوجود علاقة حبّ بين الأنا والأنت أو الهو حتى نجد كلمة “حبّك” مئزري” (ص33) وفي إطار هذه الرحلة الوجودية تعرض للأنا ETHOS سبع حالات:

1- أنا الفراغ شاكيا في صمت سائلا عن طريق العودة ” أ أسأل الفراغ عنك؟ تطوف حولك، تبحث عن طريق العودة” ص15

2- أنا الغربة مستوحشا من الوحدة والعراء في وطنه، متذكّرا أحلامه وأوهامه، متأمّلا في الزمن، يحنّ إلى ماضيه، راغبا في الهروب من واقعه “أنا الوطن، متاريس بياضي تباع وتُشترى فوق دكّة سمسار… أجيرْ، كرجع الصّدى… كالبعيرْ، وعلى باب العرشْ، شعبي كالقطيع يسيرْ” ص16

3- أنا الحلم مستأنسا بالطفولة، متجاوزا للأوجاع، متفائلا بتحويل الضعف قوّة، باحثا عن خلاص وهو الشعر بديلا للواقع “عصافير الحلم لا تزال ترنو إلى شموس أخرى، لنغنّي أرواحنا ” ص25

4- أنا اليأس متأزّما في صمته، متحسّرا ومتمنّيا إيجاد السبيل، تائها حزينا.” فلا قشة أنجو بها من الغرق غيرهشيم قصائدي.” ص33

5- أنا المواجهة تتجلّى من خلال كثافة أساليب الإنشاء (استفهامات، أمر، نهي، نداء…) “أتنسى…؟ ص37 و” أتقفل خزانة الأحلام دوني؟” ص39 فعبّر عن شحنة عاطفيّة عالية. فبدا متحدّيا للآخر، ولائما له على غيابه، هائجا ثائرا في وجه الآخر والأشياء، هادئا بعد عاصفة، شاعرا بالخلاء، منحدرا نحو الحزن وفي ذلك إدراك لحقيقة أنّه جوهر وجودها “أدرك لأني وحيدة دونك… البداية واحدة، االنهاية أيضا واحدة، بينهما أجلس على حافة حلم منفي في أقاصي الأضلع…” ص43 فالأنا أدرك أنّه من الغباء أن يبحث عن أنسه في غير خطاه. أدرك أنّه لم يغادر نقطة البداية رغم السفر والهروب.

6- أنا الدعوة طالبا طلبا صريحا للعطف والغناء ” أ لا أيّها الرّائي جُدْ بعطفك.” ص44 ويقابله حال الصمت، منتظرا الجواب “ما زلت أنتظر على الرّكحْ، لعلّه يطلبني للرّقص…”ص46، حزينا من طول الانتظار وبرودة الجواب ” تتزاحم الأسئلةْ، عاصفة بعد سكونْ، وصقيع أجوبةْ، قابعة في كفن الضبابْ، تتسلّل من درج القصائدْ، معلنة عصيانها على القوافي، وعلى الأحزان.” ص48، معترفا في النهاية بما يتمنّاه، منكسرا بعد اعتراف، مهزوما متعبا من الصمت والفراغ والدّموع “مراكب الغربةْ، تلوح بوشاح الهزيمةْ، بعد أن لفّها ضباب الأمنياتْ، أضحت متعبة، لم تعد تحضن الفرح ولا رعشات الوصال” ص51

7- أنا الحكمة متّزنا بين الأشياء يعيد بناء نفسه ” منحني الظلّ حكمته” ص53، فاهما وقادرا على التأمّل الموضوعي، ومنتصرا لنفسه شاعرا بالامتلاء ” لي… ولي… ولي، ولك أرض يسكنها البوار، فاتها زمن الإخصاب، ورشح السّماء.” ص55، قانعا مع الشاعر نفسه أو غيره “لا ذنب لي إن اختارني الشاعر، شالا لقصيدته” ص56، متمنّيا “وحدها الأحلام، تصغي لصوت الموج الهادر، في صحراء التمنّي”ص57

تنتهي المجموعة نهاية مفتوحة شاسعة شساعة الصحراء واتّساع الأماني في كون لامتناه.وهذه الأحوال العارضة للأنا نجمعها فتتشكّل لنا صورة الذات المتلفّظة. وكلّ ملفوظ يحمل آثارا أو بصمات الذات فيه. وما الأنا إلّا أثر من هذه الآثار. والتعبيرات الاستعارية أيضا من معيّنات الذات لأنّها هي التي تجريها لإحداث وقع جماليّ.

فلكلّ ذات إيقاعها أي حركتها في ملفوظها وطريقتها في الاستحواذ على اللغة وإجرائها إجراء خاصا. لذا ينبغي تتبّع هذه الحركة من خلال مستويات اللّغة لندرك المعاني من خلال طرائق الذات في إخراجها.

هذه المجموعة قيّمة تؤكّد أنّنا إزاء شاعرة حقيقية لها من المؤهّلات التي تمكّنها من أن تذهب بعيدا في الإبداع الشعريّ. وقارئ هذه المجموعة قد يستحضر غارسيا لوركا. والكتاب الجيّد هو الذي يولّد فينا الرغبة في قراءة كتاب آخر.

يقول لوركا: أمّاه طرّزيني على وسادتك…
تقول حسناء: حائط بيتنا مطرّز بالكوابيس…

لا تعليقات

اترك رد