تظاهرات الحد الفاصل

 

التظاهرات المتكررة التي شهدها العراق قبل حكومة عبد المهدي كانت ذات اهداف واضحة وبقيادات واضحة ايضا، في البداية كانت القوى المدنية والناشطون المدنيون الذين قادوها ونظموها ونسقوا حركاتها، تطالب بالخدمات وتحسين الاوضاع والعدالة ومحاسبة الفاسدين وغيرها من الشعارات التي لم تكن تمس جوهر المشكلة في العراق المتمثلة بالاحتلالين الامريكي والايراني وبطبيعة النظام الذي صمم باحكام لجعل العراق دولة فاشلة في كل جوانبها ، ولكنها مع ذلك وبسبب تكرارها اسبوعيا تحولت الى عبء ارهق واقلق الفاسدين الحاكمين، حتى اعطيت الاوامر لمقتدى الصدر بقيادة التظاهرات وحرفها عن مسارها الذي كاد ان يحقق هدفا مهما واساسيا وهو محاصرة الفاسدين وسحقهم، وبوجود الصدر ومشاركة تياره الفاعلة انتهت التظاهرات بعد ان عرف الشباب العراقي انها تحولت الى لعبة والهاء وسفك للدماء وهدر للطاقات وتنفيس عن غضب دون طائل اذ ان التيار الصدري هو جزء اصيل من الفساد القائم الى اليوم..
في ذلك الوقت كانت ميليشيات الاحزاب ترهب الجماهير وتتسلط عليها مما يضع الحكومة خارج اطار المحاسبة القانونية، وقد قامت تلك الميليشيات باختطاف عدد من قادة التظاهرات الناشطين وقتلت الكثير منهم نساء ورجالا، الا ان التغيير الذي حصل اخيرا هو ان الميليشيات تحولت الى قبل الانتخابات الاخيرة الى منظمات سياسية حظيت بمقاعد برلمانية وبحقائب وزارية فاصبحت بشكل او باخر جزء من العصابة الحاكمة، فيما اصبح التيار الصدري احد اثنين من اصحاب القرار بتشكيل الحكومة واداة فسادها وفشلها..
هذا التغيير جعل الصورة واضحة امام الشباب العراقي المتعلم الذي بحكم مجمل الظروف السائدة حظي بوعي شبه تام عن طبيعة الفشل والفساد والظلم والبطالة والفرص المهدورة امام تحرره واطلاق طاقاته واستيعاب اجتياجاته، وبسبب مرارة الظروف وقسوة ما يعانيه تحرر من الخوف ومن العجز ومن الكسل والاتكال فهب بشكل فطري وعفوي كما توحي به حركة الاول من اكتوبر تشرين ليعلن رفضه التام للنظام وللنهج السائد ولم تعد مطالبه محصورة بتحسين الخدمات او محاسبة الفاسدين فقط..
وهذه المرة قامت الحكومة بنفسها بالتعرض للمتظاهرين والتعامل معهم بكل جبن ونذالة ودون وازع من ضمير بالرصاص الحي مما تسبب باستشهاد واصابة العشرات من الشباب الذين ستبقى دمائهم لعنة على جبين الفاسدين وستظل ارواحهم هائمة في ساحة التحرير وساحات الكرامة حتى تحقيق الهدف المنشود بتغيير النظام وسحق الفاسدين ومحاسبتهم على كل ما فعلوه في هذا البلد الذي يملك من فرص التقدم والازدهار والنمو والنجاح الكثير..
حركة التظاهرات الاخيرة تعطي مؤشرات جديدة لم تشهدها الساحة العراقية سابقا بشكل مطلق ويمكن اختصارها كالاتي:
– اعادة الثقة بالنفس: الشعور بالعجز والفشل وعدم القدرة على التغيير والحراك سيطر على تفكير ومشاعر ليس المواطن العراقي البسيط بل حتى النخبة التي حاولت فيما مضى شحذ الهمم واضاءة الطريق، مما جعل الشعب بكل فئاته لقمة سائغة بيد اللصوص والاغبياء والحمقى..وما حدث اليوم هو نهاية لحالة الياس وبداية لمرحلة جديدة من الامل..
– عدم وجود قيادة واضحة: رغم ان شرط توفر القيادة الميدانية اساسيا لنجاح اي تحركات جماهيرية الا ان الفقر والظلم وسوء الاوضاع كحالة انسانية تحولت الى دافع مهم للتثوير.. والمراهنات التي كانت قائمة في ان الشارع لعبة بيد التيار الفلاني او الجهة الفلانية قد اثبتت فشلها واثبت الشارع ايضا ان له حركاته الخاصة التي لاتنتمي الا للوطن..
– وحدة الهدف: لاول مرة في سجل التظاهرات العراقية اصبح التغيير هو الهدف ولم تعد المطالب الضيقة والبسيطة والتي هي حق لايحتاج الى مطالبات ، شعرات للتظاهرات. .
– وحدة الشعب: لم تعد المسائل الطائفية فيصلا مهما في حركة الاحتجاجات، رغم ان التظاهرات حدثت في المناطق الشيعية الا ان اهدافها تعني العراق كله ولم تتحدد بطائفة دون اخرى.
– الابتعاد عن الصراع السياسي: شكلت التظاهرات سابقا اداة للضغط السياسي، اذ انها كانت وسيلة للضغط من قبل جهة ما على اخرى لانتزاع بعض المطالب والمصالح الحزبية والتي لاتعني للجماهير شيئا، اما تظاهرة اليوم فقد خرجت عن هذا السياق وابتعدت كليا عن لعبة المصالح والنزاعات السياسية ورفعت علم العراق وطالبت بالحرية للجميع.
هذه التظاهرات بحاجة الى دراسات مستفيضة سواء فشلت ام نجحت، استمرت ام انقطعت فانها ستشكل نقطة فارقة في تاريخ النظال الوطني العراقي..

 

المقال السابقسياسة المحاور المتجددة
المقال التالىحرامي وطن
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد