الإنتاج المعرفي والعلمي العربي

 
الإنتاج المعرفي والعلمي العربي

تقدم لنا كثير من مراكز الأبحاث العربية والدولية في إحصائياتها وبياناتها السنوية والنصف سنوية، أرقاماً ومعدلات منخفضة مخيفة حول ضعف الإنتاج المعرفي العربي، بما فيه انخفاض نسبة مساهمة العرب في ساحة الإنتاج العلمي والمعرفي العالمي، بما يؤشر على وجود تناقص كارثي رهيب في هذا المجال المهم لتطور الدول والمجتمعات.

بالطبع، هذا التناقص -في هذا الموضوع الحيوي والخطي-ليس ابن اللحظة الراهنة، بل هو وليد أزمان سابقة، ومحصلة لتراكم سنوات وعقود طويلة من حالة اللا إبالية الرسمية تجاه كل مواقع وشؤون مجتمعاتنا العربية، بما فيها العلم والمعرفة والإنتاج.
هذه الحالة الفوضوية طبعت سياسات واستراتيجيات عمل حكومات ونظم العالم العربي منذ عهود الاستقلال الشكلي، حيث اهتمت مؤسسات الحكم العربي الرسمية التي أعقبت ذلك العهد بتثبيت أوليات حكمها وملكها العضوض، على حساب إضعاف بنية وقوة مجتمعاتها الطبيعية المحركة من موارد وإمكانات وطاقات بشرية وطبيعية، واستثمرت بصورة واسعة وكبيرة في هذا المجال، حتى أنها جيّرت كل شيء في سبيل خدمة مواقع الحكم والكرسي.
بالمحصلة، ماذا يعني ذلك؟..
يعني أننا إذا بقينا على هذه الحال فسنستبعد كلياً من مواقع وساحات الإنتاج المعرفي العلمي والتكنولوجي العالمي قريباً جداً، لأن العالم يسير بسرعة مطردة علماً ومعرفة وإنتاجاً علمياً ومعرفياً ومعلوماتياً، ونحن نكاد لا نلحق به، ولا نتحرك إلا مراوحة في المكان، فنحسب أننا نتحرك معه.
من هنا، ومن موقعنا كمحللين وكمسؤولين غير تنفيذيين، وحتى كمواطنين، نحن ندق ناقوس الخطر الداهم.. ونتساءل ونسأل ونستفهم ونحاسب أيضاً: ماذا فعلت نظم الحكم العربي؟!!..
وماذا قدمت حكوماتنا العربية مجتمعة أو منفردة؟! وأين صرفت تلك الأموال الهائلة القادمة من بيع موارد وثروات بلداننا؟!!.. وبماذا كانت المؤسسات الرسمية التنفيذية -ما شاء الله عليها- منشغلة ومشغولة (أو مشغّلة حالها) عن بناء واستنهاض وتمدين وتحديث بلدانها ومجتمعاتها، وتربية وتنشئة أجيالها على المعرفة والبحث والتنشئة العلمية الصحيحة، وعلى زرع وبث روح وقيم العلم وأوليات البحث العلمي الحقيقي فيها، وليس البحث العلمي المفقر والبائس الذي سبق وأن رأيناه وشاهدناه وكتبنا عنه في مؤسساتنا وجامعاتنا المترهلة التي استغرق القائمون (والقيمون والمؤتمنون) عليها بالحزبية والتسييس والتآمر على بعضهم البعض، ونسوا وظيفتهم العلمية الرئيسية (التي أنفقت الدول مليارات عليهم من أجلها) في إقامة مجتمعات التقدم والتطور، وتحقيق النهضة العلمية التي لا نزال ننعتها ونصفها بالــــ”المنشودة!!!”؟!! نعم لا تزال منشودة، وإلى متى ستبقى منشودة…. الله أعلم!.
فهل من إجابات واضحة وصريحة وحقيقية وشفافة حتى لو كانت جارحة، يمكن أن تقدم في هذا المجال؟ باعتبار أن الحقيقة تجرح، وكثيرون منا لا يرغبون بتاتاً في سماعها؟!!!..
وليعلم الجميع أن الشفافية والوضوح والمكاشفة والنقد والمساءلة والمحاسبة أساس تطور الشعوب والأمم والحضارات..

طبعاً يحاول كثيرون دائماً إلقاء اللوم على الظروف والتحديات الكبيرة والأخطار الداهمة التي تحدق بنا من كل حدب وصوب، ويقولون بأن من أهم أسباب تأخر الإنتاج العلمي العربي هو حيلولة إسرائيل والغرب عموماً دون تطور العقل العربي.. يعني عدنا مرة أخرى لنغمة وعقلية “المؤامرة”، واسطوانة “الدسائس” المشروخة ذاتها لتبرير فشلنا وتقاعسنا وحالة الشلل والعجز التي نعيش ونقبع في داخلها..
ونحن حقيقة لا ننفي وجود شيء اسمه مؤامرة، بل نعتقد أن الأمم والحضارات والدول ليست جمعيات خيرية توزع الهدايا على الناس والأمم الأخرى مجاناً..
لكن استمرارية إلقاء التهم على الآخر كشماعة نعلق عليها أخطاءنا، ولتبرير واقع عجزنا عن البناء والإنتاج والتطوير العلمي والمعرفي هو أمر بات مكشوفاً ومفضوحاً للغاية.
لهذا على الجميع أن يدرك أن دوام الحديث عن وجود المؤامرات في مجتمعاتنا وأنها سبب لتأخرنا العلمي والحضاري، هو بحد ذاته أكبر مؤامرة على العقل العربي، وهو نوع من الهروب والاستقالة من واجب ومهمة العمل والبناء..

لقد بات عقلنا العربي –المفترض أنه عقل علمي بامتياز- للأسف مستغرقاً في نظرية المؤامرة حتى أنه بات عقلاً مؤامراتياً إتهامياً بامتياز.. نسي أو تناسى أو أنسي مشاكله الذاتية وتعقيداته الخاصة وأزماته الهائلة الداخلية، وتلهى فقط (لدرجة أنه استلذ واستطاب) بنظرية المؤامرة وأحاديث عن المؤامراتيين والمخططات والدسائس التي يحيكها الآخرون لنا.. مع أنهم نجحوا (ولا يزالون) في كل شيء، ونحن فشلنا (ولا نزال) في كل شيء، وكان ما كان من قصة الفشل التنموي والحضاري المقيم، وضعف الإنتاج المادي والعلمي، وهزالة المعرفة العلمية، وكان ما كان من التحديث القشري والحداثة الكسيحة المغدورة المعروفة للجميع التي هي نتاج نظم سياسية بائسة مفلسة لم تحدث مجتمعاتها جوهرياً، بل رسخت فيها أفكر وسياسات الجمود الفكري والتشدد العقائدي، وعملت على إبقائهم مقتنعين بشكليات الدين وتجلياته دون مضمونه الحقيقي القائم على الحرية والعدل والمساواة.
ولنعلم جميعاً، أن الداخل أساس الخارج، ولا نجاح خارجي حقيقي بلا تنمية داخلية وبناء مواطن سليم معافى قادر على المواجهة والثبات.. أعطوا الإنسان حقوقه الأساسية وواجهوا (وتحدوا) به الأمم كلها..

المقال السابقعتاب ..للأجداد
المقال التالىمن يحتقر إنسانيّة الإنسان لا دين له
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد