بالتي كانت هي الداء

 

وأذكر مما أذكر من العثرات العقلية في شرقنا الغيرة والتقليد الأعمى وخاصة في دنيا الأعمال والمواسم الزراعية . يراك بعضهم ناجحا في التجارة أو الزراعة أو دنيا المال والأعمال ولأنه على دراية بك قبل ثلاثين عاما ويجهل من تكون حاليا أو لأي المدارس الفكرية تنتمي فيستسهل الأمر ويقرر أن يبدأ مشروعا يشبه مشروعك ينافسك بطريقة غير شريفة وكأنه يريد أن يستحوذ على الأسواق التجارية أو الصناعية أو المالية ويتكرر المشهد في غير مكان من عالمنا العربي . وتمضي الأيام فلا يستحوذ إلا على الشريحة الشاذة التي لا يمكن أن ترضي بأي ثمن ويستمر الانحدار نحو الهاوية جاهلا بقانون السوق والعرض والطلب إلى أن تحين ساعة الحقيقة فيعلن إفلاسه ويخرج من السوق كما دخله وينطبق ذلك على المواسم حيث يتكرر مشهد العرض والطلب سنويا ولا أحد يتعلم ناموس السوق وحركته. إذ يرتفع ثمن البصل والثوم عاما وينخفض سعره نحو الحضيض في العام التالي . يعكف الناس عن زراعة الثوم والبصل في عام ويقبلون على زراعته العام التالي فيحدث الكساد ويعجز السوق عن استيعاب الكمية المتاحة للبيع . ولا أحد يتعلم من خطأه . في الغرب اخترعوا الجدوى الاقتصادية للمشاريع وقاموا باحتساب حركة الأسواق حتى بعد مرور 20 عاما وتكون الشركة الدارسة مسؤولة عن دراستها و مسؤولة عن نجاح المشروع أو فشله . أما في بلادنا فدراسات الجدوى الاقتصادية للمشاريع هي مجرد مذكرات تبريرية لا قيمة لها ولا تعطي أدنى فكرة عن حياة المشروع ، نجاحه أو فشله ، وتعتمد حياتنا في كل شيء على التجريب والتجريب فقط بما يرافقه من هدر للمال العام وتأجيل وتسويف وفشل يتبعه فشل عملا بقول آلهة الاقتصاد ” الفن للفن مثل إقامة المشروع بغرض إقامته ” وتستمر الحكاية .
يحكى أنه في يوم من الأيام كان هناك شاب يريد أن يطور نفسه وحياته وبدأ رحلة البحث يستكشف البلاد بطولها وعرضها بحثا عن عمل يسند به عائلته . قابل الشاب رجلا رحالة يسافر كثيرا في البلاد فأخبره الحكايات الكثيرة عن سفراته المتكررة وأخبره عن بلاد لا تعرف البصل.
تعجب الشاب كثيرا من هذه البلاد التي لم يسمع عنها من قبل وقال : “لا تعرف البصل! وكيف يستمتع الناس بطعامهم من دون بصل ؟”
لم يتعب الشاب نفسه كثيرا في التفكير وقرر أن يشتري البصل ويملأ عربته وينطلق نحو الأرض الخيالية التي لا تعرف البصل . وبعد مضي عدة أيام وصل إلى تلك الأرض وشق طريقه نحو القصر الملكي وبعد أن فُتن الحراس بمنظر الشحنة الغريبة التي لم يشاهدونها من قبل سمحوا له بمقابلة الملك .
وقف الشاب بين يدي الملك وقال : ” لقد أحضرت لكم هدية رائعة من بلدي . هذا النبات يعيش في أرضي وهو جديد عليكم . إنه طعام فريد ومميز ويحسّن من نكهة أي طعام . سيكون شرف كبير لي أن أقدم هذه الهدية الرائعة لكم وأنتم بدوركم تعرّفون شعبكم عليها .”
توجس الملك خيفة من النبات الجديد عندما شاهده لأول وهلة وطلب من الشاب أن يحضر أطباقا باستخدام البصل.
استعمل الشاب كل مهاراته الممكنة في تحضير وليمة يدخل فيها البصل. وقد دعي إليها الوزراء والنبلاء والموظفين الكبار للحضور ليلا. وبعد أن تذوق الشاب الطعام قبل الجميع بدأت الوليمة الكبيرة وبدأ الجميع يتناولون الطعام الجديد.
لم يستغرق الأمر كثيرا من الوقت حتى بدأ الضجة تعم في القاعة المخصصة للوليمة . لقد امتدح الجميع طعم البصل ورائحته .
شكر الملك الشاب على وليمته واشترى كامل الشحنة وطلب من وزيره أن يمنحه ثمنها بوزنها ذهبا .
قابل الشاب في رحلة العودة للديار أحد التجار وأخبره بما حصل معه في قصته العجيبة الرائعة . جلس الشاب لوحده في الليل ساعات يتذكر رحلته الغريبة وكيف أن البصل يساوي الذهب . وأخبر التاجر أن هذه البلاد تفتقر للثوم أيضا . سُرّ التاجر كثيرا جدا وفكر أن يقلد الشاب في رحلته الناجحة . قال في نفسه : ” الثوم أطيب ورائحته أقوى من البصل وإذا كان الملك قد أعطى الشاب ذهبا مقابل البصل فإنه سيقدم لي الألماس مقابل الثوم . ”
في الصباح ، حمل التاجر أكياسا كبيرة من الثوم في رحلته إلى البلاد التي لا تعرفه وكان واثقا من أنه سيحصل مقابلها على ثروة كبيرة . وحيث أن البلاد كان في غمرة فرحها بالمنتج الجديد ” البصل ” فقد صاروا أكثر انفتاحا لتقبل الثوم . ولدى وصول التاجر إلى حراس القصر أخذوه و العشب الجديد للملك .
طلب الملك من التاجر أن يحضر وليمة يستخدم فيها الثوم وفعلا قام التاجر بتحضر أشهى الأطباق مستخدما الثوم اللذيذ وكما توقع حصل الثوم على المديح أكثر من البصل . ناقش الملك مع وزرائه الجائزة التي يمكن أن يقدمها للضيف النبيل مقابل الطعام الجديد الشهي وخلصوا إلى قرار بأن يحصل على أغلى ما يمتلكون . شيء أغلى من الذهب نفسه . البصل
وعاد التاجر إلى دياره تلك الليلة محملا بأكياس البصل.
أليست هذه الحكاية خير مثال على مشاريعنا و عائدها الضئيل ؟

لا تعليقات

اترك رد