علم نفس الإرهاب بين المهاجرين والمجتمع الأروروبي – ج٢

 

وَردَ في الجزء الأول أن الأرهاب يختلف عن الجريمة وكلاهما سلوكاً نفسياً في أن الأول يُبنى على أساس فكر، وكثيراً ما يندرج ذلك في السياق المجتمعي التواصلي كالفكر المتطرف، الفكر الإرهابي ، الفكر التكفيري.
وهو الإساس لفهم وتحليل الظاهرة سايكولوجياً، يجب الوقوف على توصيف هذه الظاهرة بكونها فكرأً ام سلوكاً ناتج من خلال دوافع ومحفزات معينة داخلية أم خارجية وفقا لنظرية تحديد الذات وهي الأحدث عالمياً في تفسير الدافعية النفسية، لذا نُعيد النظر بصياغة السؤال الآتي هل الإرهاب فكر.. أم ماذا؟ بمعنى آخر .. هل الشخصية الإرهابية نتاج فكر .. أم أنها تعبير عن سلوك غير مألوف أو غير سوي خاطيء ومخالف لمعاييرعلم النفس في دراسة السلوك السوي لا أكثر شأنها شأن أي سلوك خاطيء أو مضطرب له توصيفه الخاص؟
قبل المحاولة للإجابة على هذه التساؤلات، ليس بالضرورة القطعية الجزم بنعم او لا، ولكن على أقل تقدير إثارة أساس تنظيري نفسي يجب الوقوف عليه والتأكد منه، وعلى أيَ حال قبل المحاولة لابدَ من معرفة البدايات للمفهوم وكيف تم تداولهُ مجتمعياً.
تحديداً بدأت مفردة (الأرهاب) تطرق مسامع المجتمعات الشرق أوسطية والعربية وخاصة العراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن البداية هُيءَ لها قبل ذلك بقليل، في مطلع التسعينيات وحتى نهايتها تقريباً بدأ تسويق (الجهاد) كفكرة ومُتبنىً إسلاميأً رائجاً آنذاك، لما به حاجة لتعزيز القوة في المعارك في بعض بقايا دول الإتحاد السوفيتي السابق والتي كانت مسرحاً لقتال الروس ونواة تنظيم القاعدة فيما بعد، آنذاك تزامن إنفجار كوني في عالم الألكترون إنتشار الإنترنت كوسيلة من وسائل التواصل والميديا المجتمعية والذي يوازي بتأثيره اليوم لعبة (البوبجي)، وهو جزء مهم كعامل إجتماعي معرفي وكيف أسهم في بناء الصور النمطية والتي سنأتي عليها فيما بعد، إذ نَلحظ هنا بزوغ المفرداتان (الإرهاب/الجهاد) في تزامن واحد على صعيدين مختلفين من الثقافة والمجتمع (الشرقي والغربي) ولكن البُنى المعرفية لكلا المجتمعين تشكلت بناءاً على صور نمطية واحدة ولكن بإتجاهين مختلفين .. مثال ذلك (الأفلام الوثائقية التي تحدثت عن منفذي عملية الحادي عشر من سبتمبر .. صورة المجاهد/ الإرهابي).

فبتطورالتواصل الألكتروني وتقنياته جعل البيانات المعرفية النفسية المستدخلة لعقلية الفرد العربي من خلال الخُطب ومقاطع الفيديو التي أخذت تبث صورة (المجاهد/ تضخيم الذات) بطريقة عصرية حديثة، حيث المادة الصورية التي تشكل إمتداداتها لأفلام رامبو والآكشن، لكنها بالواقع حقيقية وتصور قصصاً دراماتيكية من شانها تأسيس نواة لصور نمطية يمكن لها الإرتداد بوجود المثيرات الواقعية والتي عُد لها وحدثت فيما بعد، ووسط ظروف إجتماعية تقسو يوماً بعد يوم ما أدى إلى خلو الذات من المعنى النفسي الإيجابي لدى الفرد أخذت الصور النمطية بالنمو لا شعورياً لتتشكل عوامل مساعدة فيما لو حدث أي إعتلال نفسي إجتماعي بالأظافة إلى الصدمات النفسية المتوالية ما يجعل تشكُل الشخصية الأرهابية أمر ليس بالصعب.
شيوع لعبة البوبجي اليوم، توازي بتأثيرها النفسي وخصوصاً لدى الشباب واليافعين بزوغ الأنترنت والأشرطة أو الفيديوهات في حقبة التسعينيات التي كانت تصور العمليات النوعية لتنظيم القاعدة ضد الروس في الشيشان وأفغانسان، هذا على الصعيد النفسي الذاتي يجعل من تقبل المستوى المهاري السلوكي لعامل المجازفة وإنخفاض مستوى العَتَبة الحسية للخوف (مثلاً من إستخدام السلاح أو إطلاق العيار الناري أو تنفيذ المهمات…إلخ)، أما الجانب الإجتماعي والبيئي، فالأنغلاق المعرفي والتشويه الفكري والتمييز وخطاب الكراهية وإنخفاض مستوى الرفاهية وإنحساره على ثلة مجتمعية إستعلائية تجعل من تشكل صورة الآخرين على أنهم ذوو مستوى منخفض في تقدير الذات ما ينشيء من شعور دفين بالحقد والكراهية المختزنة في اللاوعي وكذلك الشعور بالفشل والدونية.
بيئياً، ليس فقط في مستوى الخدمة الإجتماعية والصحية، حتى الطبيعة العمرانية للمدن والمناطق السكنية والتخطيط التي بَدَت تعكس مناظر بشعة تعزز صور نمطية بدائية بطريقة فلمية من شأنها إستمطار كل ما يحيط بالشخصية المستعدة للسلوك الإرهابي من صور نمطية تتشكل من خلالها نواة السلوك الإرهابي ويجعل المقاومة النفسية لعدم إستساغة هذا السلوك ضعيفة جداً كآلية للتعويض النفسي في إسترجاع بناء الذات المعدومة.
الأرهاب كظاهرة، يعززُ بمثيرات معرفية و سلوكية مشوهة مقاربة للصور النمطية التي بُنيت معرفياً في الشخصية وهذه البوادر تلقائياً تجد لها تطوراً تمرحلياً في إستساغة السلوك على مستوى الوعي للشخصية، مع وجود المُعزز الخارجي سواء المادي أو المعنوي او النفسي تبدأ بوادر الشخصية بالظهور، الإشكالية هنا في أن هذا الظهورليس نهاراً جهاراً بالمعنى المجازي، بل الظهور على مستوى الذات في الشخصية (أي نضوج مستوى تقبل الذات الأرهابية داخل الشخصية)، ولكن على مستوى المجتمع تبقى مستترة وهي سمة مهمة آتية من صورة نمطية لثيمة السرية والكتمان كونها لصيقة لصور ثيولوجية أو أسطورية لتعكس فيما بعد سلوكاً نمطياً كجزء من أتمام المهمات، وهو ما يجعل في الوقت نفسه هيكلية الجماعة الإرهابية تنظيماً خيطياً يصعب تفكيكه.

لا أظن أن محاولة إثارة السؤال تخلق مشكلة، هل الإرهاب فكر .. أم ماذا؟ لم يضع كاتب السطور بعد (أَم) ..لا !!.. كشطر ثان للسؤال بالأداة هل، محاولةً لعدم إستفزاز القاريء وتَحسباً لفشل الوصول إلى جواب وافٍ وبالتالي فالفشل سيكون حليف الكاتب ولن يضر القاريء شيئاً، ولنبدأ بالقول أن اطلاق مفردة (فكر) ليسَ أمراً سهلاً .. قد يتداولهُا إعلاميون،سياسيون،مسؤولون، ولكن هل يعي هؤلاء أن ترسيخ مفردة فكر وإردافها مع مفردة الإرهاب هو تعزيز ضمني إيجابي للظاهرة، ويُغُوِلها كصورة نمطية جاذبة أو بديلاً لرد فعل نفسي لدى الذات الخَصبة الموصوفة آنفاً.
الدين يختلف عن الفكر،و التدين لا يعني إنتاج الفكر او التفكر، ليس كل رجل دين هوَ مُفكر والعكس صحيح، وهذه اول نقطة هي أن التصور الفكري، كمنطلق للظاهرة هو غير صحيح بل التشكل الصوري النمطي المنظوي على أسس نصوص مقدسة أو دينية لا اكثر، وبدليل آخر لو أفترضنا أن الإرهاب بإعتباره جهاد .. أي كان.. هو ليس فكر، هو مجرد سلوك يطبق إجتماعياً، وعلى ضوء هذا الأفتراض فهل يا ترى كل إرهابي بإعتباره مُتدين هو مُفكر… كونه آتٍ من فكر.. أكيد لا، الفرضية هنا هو سلوك يُنتج لنا نمط شخصية محدد يحتاج إلى الوصف والتحليل النفسي.
في كتاب (نقد الفكر الديني عند الشيخ مرتضى مطهري 1920-1980)، ومطهري من رواد الثورة الإسلامية الإيرانية جمع بين الحوزة والجامعة أي الأصولية والتجديد وعمل مستشاراً للخميني حتى أغتياله ويُعد من أبرز اعمدة الفكر في الفضاء الشيعي المعاصر.. يقول ” إنني وخلافاً لكثير من الأفراد لا أنزعج إطلاقاً من طرح التساؤلات أو التشكيكات وإلقاء الشبهات فيما يتعلق بالقضايا الإسلامية، رغمَ ما اتمتع به من إيمان بهذا الدين والرغبة الجامحة فيه، بل يسرني ذلك كثيراً”
إذ لا يمكن في الظاهرة الإرهابية القول مثل هذا الكلام، إذا إفترضنا انها فكر لانها بوصفها تُسند إلى الدين ونصوصه وتتقولب فيه دون الخوض أو النقاش.
ويعود قائلاً .. ” إن الحديث في مسألة الخلافة والإمامة التجربة السلبية في القرن الإسلامي الأول، وتكرار الوقائع السلبية في أكثر من مرحلة لا سيما في العصر الحاضر، حيث يواجه الجيل الجديد أزمة روحية عن الأسلام .. زلزلة الأفكار بالنسبة إلى الأصول والجذور (وهنا تقارب لمفهوم الصور النمطية وتشكلاتها) ويستمر بالقول .. لماذا يعمل الآخرون على إخفاء سلبيات تأريخهم الديني (هنا يقصد الديانات الآخرى) بينما نحن المسلمين على العكس من ذلك نعمل على إجترار السلبيات وتضخيمها أحياناً أكثر من الواقع”.
أما محمد عابد الجابري، الذي ماتَ وفيه غصة مشروع فكري نهضوي من خلال نقده للعقل العربي، حفظ الجابري ثلثي القرآن ودرسَ الفقه في بداياته، وبالرغم من إنتقاداته للسلفية إلا أنه يحمل في ذهنه أفكاراً سلفية أصوليه نتيجة تأثره بالحاج (محمد فرج) شيخ المسجد الذي كان أحد رجال السلفية النهضوية بالمغرب.
فإذا كان العقل العربي في نظر محمد عابد الجابري ليس بالمستوى المطلوب لإنتاج فكر نهضوي، هنا الخطاب موجه إلى العقل العربي السوي بنخبته وعامته فكيف بالموصوفون أنهم إرهابيون هم حَملة فكر( الفكر، نتاج جمالي قيمي يحرك الحياة نحوة المستقبل)، إذ يرى الجابري .. أن السبب وراء ضعف الفكر العربي المعاصر يعود لهيمنة (أنموذج السلف) .. هنا تقارب مع طرحنا الصورة النمطية سايكولوجياً .. وقد يكون هذا السلف هو التراث العربي الإسلامي، أي النتاج السالف بالمجمل وإنه المسؤول الأول عن إنصراف الفكر العربي عن مواجهة الواقع، والدفع بالخطاب إلى التعامل مع الممكنات الذهنية وكأنها معطيات واقعية ((وبالتالي يجعل الذاكرة تنوب عن العقل)).
الفكر.. مأزق تأريخي ملازم للعقل العربي والأسلامي اصلاً في عبر الانساق الإجتماعية وهو لا يزال في محاولاته التحررية عند النخبة المثقفة بالرغم من كونه مجازفة، وهو بوصفه نتاج جمالي باحث للحياة والخير وليس نتاج قبيح سيء دافع للسفك والقتل والتخريب، إذن لابد من الوقوف عند الظاهرة الإرهابية وهنا بوادر إقتراب الطرح إلى أنها ظاهرة نفسية إجتماعية سلوكية أقرب منه إلى أنها فكر.. وبما انها ظاهرة نفسية إجتماعية فحري بعلم النفس الإجتماعي تفكيكها وتحليلها للوصف والمعالجة، وفي الجزء القادم سنرى بدايات علم النفس في العالم في دراسة الإرهاب كظاهرة سايكولوجية والشخصية الإرهابية.
*نقد الفكر الديني عند الشيخ مطهري،2011، المعهد العالي للفكر الإسلامي، فرجينيا/ الولايات المتحدة الأمريكية.
*العقلانية والنهضة في مشروع محمد عابد الجابري، 2012، أنطون سيف وآخرون ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت/لبنان.
* فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الإتصال أو وجوب النظر العقلي وحدود التأويل (الدين والمجتمع) 1997، محمد عابد الجابري، بيروت/لبنان.

لا تعليقات

اترك رد