أمير حمدان … صياد اللحظات الساحرة والأحلام

 

التاريخ يعيد نفسه … فلازال بردى يروى بالدماء ويئن ولازال العاصي يبتلع جثث الشهداء ويجن أما في دجلة فلا تزال تحرق الأفكار وعلى أطرافه يتربص التتار

تستعيد فرشاته ذاكرة المكان والمفردات التراثية ..بوابات ومداخل قوسية ..منافذ ونوافذ وكثير من الجرار والفخار وهو يعيد تأليفها وترتيبها على خلفية شخوصه المحلقة والنائمة ليعيدك إلى زمن السندباد في دمشق وبغداد إلى زمن المدينة الحالمة ثم لينبهنا إلى آثار لا تزال تسرق وطاقات مبدعة لا تزال تحرق وكوادر تستثمر في غير موضعها ..

ولازال الفنان أمير حمدان يرسم مشبعاً بالحنين وموشحاً بألم دفين يمتد كما ظلال زاحفة تغمر اللوحة والوجود عبر مجموع لوني متجانس وبحس أكثر شاعرية وشفافية كما الحلم مغلفاً بالضباب ومشبعاً بوميض اللحظات الساحرة عبر ليلة تفرش ظلالها الأقمار أو عبر حوار دافئ يأخذك إلى أطراف النهار لحظة الغياب حيث الاشتعال البطيء للأحمر يجعل مجموعه أكثر ميلاً للحرارة ثم للترابيات والبنيات أو خلال السويعات الأولى من الفجر و نسيج من الخضرة الرمادية والألوان الزرقاء والبنفسجية

من خلال الرؤى الجمالية ل أمير حمدان أستطيع أن أتلمس أفكاره الرافضة لاستسهال العمل الفني والرافضة للمفاهيم الخاطئة ول الأسلوبية والخصوصية تلك الواقعة تحت وطأة التكرار الآلي و الملتزمة بتراتبية واضحة ونهج مكشوف يمكن أن يصير لاحقاً متاحا ومباحا يسهل تقليده حين لا يكون موصوماً بنفس الفنان وحسه الخاص فبين الفنان والدهان مسافة أمان فاصلة مابين عملين أحدهما يقوده التكرار وحركات آلية للمسات يتوهمها اكتشاف والآخر تقوده الأحاسيس والرؤى الجمالية لتصير العلاقة مترابطة مابين عوالم الذات والموضوع المعالج

وأمير حمدان امتلك التقنية التي تمكنه من الدخول إلى لوحته مستلهما من رؤاه وأحلامه وممسكاً بموضوع لوحته وملعقة الزيت في آن بمعنى أنه وإن فضل البقاء في صومعته فإنه لن يضيره أن يكون معك تحدثه ويحدثك حين يشكل عوالمه المتجانسة بهذا الكم من السلاسة ليشعرك ويؤكد لك بأن العمل الفني لا يحتاج إلى جهد كي ينجز ( العمل الفني لا يحتاج إلى جهد كما أنه يرفض الاستسهال ) قد يتساءل أحدكم إن كنت أناقض نفسي هنا وكي أوضح أقول الفرق شاسع بين من يتوهم أن الإبداع هو مجموعة حركات آلية محفوظة أوخربشات بلا إيقاع أو ضابط حسي فيسعي لاهثاً خلف الإبداع دون أن يطاله وبين من يترقب ويتأمل وهو مهيأ بكليته وموقن بأن لإله الحب والخلق قصر في قلبه طالما طهر روحه من كل الشوائب الدنيوية وهو في الحقيقة ل كذلك وإن بدا الواقع غير ذلك فالحقيقة أن الإبداع يكتنز في تلك النفوس النقية والطاهرة و الأبية الرافضة للانخراط في بوتقة الشللية والعلاقات الشخصية التي طالما لوثت الواقع والمشهد الثقافي فصارت الصحافة كما الإعلام مسيرة وكسولة ترفض بذل أي جهد للكشف وتكتفي بما يملى عليها ليحتل المدعين النوافذ الصفحات كما احتلوا قبل ذلك بتحفهم الرديئة صالات المعارض والملتقيات

إن كان كلامي قاسياً فله مبرراته فهل يعقل أن تلوث ذائقة المتلقي بالنشاذات وغيرها وتلك التي تدور في فلك التكرار والخزعبلات في حين تتكدس في المراسم الغنية والمتواضعة أجمل الإبداعات

ما سوف أقوله أخيراً تستطيع أن تستشفه عبر العلاقة الترابطية بين الموضوع وأسلوب المعالجة والصفات الشخصية والنفسية للفنان وهنا تتبدى لك الخصوصية والمصداقية لشدة صدقه تشعر وكأنه يرسم ذاته وأدعوك هنا لمتابعة الأعمال والسير الذاتية والصور الشخصية لكل من فان غوغ وبول غوغان كما أدعوك للتقرب ومتابعة أعمال أمير حمدان

وأختم بالقول
بغض النظر عن المهارات المكتسبة في إحدى جوانبها مرآة للذات .. والقارئ والمحلل الجيد يستطيع أن يستشف الملامح الشخصية والنفسية لصاحب العمل من خلال عمله

لا تعليقات

اترك رد