سكوت كوردي على فساد مخيّمات لاجئي إقليم كوردستان

 

المجتمع السويدي، ليس مجتمعاً ملائكياً، فالفساد موجود فيه «الفساد مشكلة عالمية يُعاني منها العالم أجمع»، ولكن ما يدعو للاطمئنان، أن مستوى محاربة الفساد عالٍ جدّاً، إضافة إلى أن مستوى الثقة في المسؤولين والسياسيين عالٍ أيضاً، خصوصاً فيما يتعلّق باحتمالية تلقّيهم للرشاوي، وتدعيميهم بالنفوذ «في داخل كلّ حزب كوردي أو سوري، يجب تواجد مكاتب؛ لمكافحة الفساد».

ومناسبة ذلك، أن السويد عُرفت تاريخياً، بتدنّي مستويات الفساد فيها، حيث تحتلّ دوماً مراكز متقدّمة في مؤشّر الشفافية العالمي، حيث احتلّت عام ٢٠١٨م، المركز الثالث على مستوى العالم للشفافية، من بين (١٨٠) بلداً، لتتقدّم بذلك (3) مراكز عن العام السابق ٢٠١٧م. ولكن هذا لا يعني أن الفساد منعدم تماماً، حيث تقوم الصحافة بنشر فضائح وقضايا فساد بين الحين والآخر، وتقوم الجهات الحكومية والقضائية بمحاولة معاجلتها فوراً.

ومن الفكاهة أن نقارن أنفسنا نحن – دول الشرق الأوسط – بدولة مثل السويد، فأكثر ما تخاف منه الشركات والمؤسّسات السويدية فعلياً هو الإعلام، حيث يرهبونه أكثر من هيئة مكافحة الفساد نفسها، فعادة ما يفضّل السويديون الإبلاغ عن قضايا الفساد للصحفيين والإعلاميين، وليس للجهات المسؤولة، مع أن تقديم البلاغ لتلك الجهات أمر فعّال بحدّ ذاته، ولا أحد يشكّ في نزاهتها، على عكس الإعلام الكوردي المتصارع، والذي لا يملك ذرّة شجاعة أو مسؤولية أو استقلالية – حيادية، للوقوف في وجه الفساد، ومعالجته مع الجهات الحكومية.

في إقليم كوردستان، لاجئون ينتظرون لساعات، فيحصلون على إجازة خالية من الذلّ والإهانة، لدرجة تشعر وكأنهم تجّار كِبار مدعومون من جهات دولية أو منظمات عالمية، ولاجئون ينتظرون لشهور، حتى أحياناً ينسون أنهم قدّموا على إجازة أو طالبوا بها، ناهيكم عن هدر كرامتهم؛ من محسوبيات حزبية وإهانات ومُنْيات.

لاجئون لا يملكون ثمن رغيف خبز، ويشطب اسمهم من قائمة المواد الإغاثية، ولاجئون يملكون أربع سيّارات ومحلّات ويحصلون على ما يسرّ القلب ويستطاب اللسان، فأيّ عدل هذا، وأيّ فساد؟ أين المجلس الوطني الكوردي من هذا الفساد الإداري الناخر، داخل مخيّمات اللاجئين، بإقليم كوردستان؟ لماذا لا يكون صوت الفقراء والضعفاء والشرفاء؟ أين القضية الكوردية من هذا الفساد، ومن هذا التشبيح الحزبي؟ مَن المسؤول عنه؟ وهل الحكومة الكوردية الجديدة في إقليم كوردستان ستتحرّك؟

إن نقطة بداية ونهاية قضية الفساد متعلّقة من الدرجة الأولى بالشخصيات الحزبية والمستقلّة، التابعين بشكل نظري وفعلي، لأحزاب سياسية، لها سلطتها على اللاجئين وقبضتها الحديدية على رقابهم، الذين يعملون على تنظيم المعاملات والموافقات الخاصة بزيارات وإجازات اللاجئين الكورد والسوريين، بين إقليم كوردستان وغربي كوردستان «روجآفا»، ذهاباً وإياباً، ويتولّى عملية التنظيم بشكل رئيسي الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، وهذه حقيقة يعيشها جميع اللاجئين «لم المتحزّبون يعتبرون هذه الحقيقة، على أنها معاداة أو تهجّم على حزبهم؟».

وأكثر ما يُتهمون به، فيما يتعلّق بالفساد والاستغلال والمتجارة، أنهم يكتبون تقارير كيدية بحقّ كل لاجئ يشمئزّ منهم، أو يحتجّ على معاملة مدراء المخيّمات، وأن لهم نفوذ مالي وسياسي مباشر من بعض القيادات الحزبية المدعومة من الإقليم نفسه، فيستفزّون العائلات، ويهدّدونهم بالأسايش وأجهزة المكافحة، ولعلّ الأهداف من هذا الفساد كثيرة، منها ملء الجيوب، أو إرضاء أجندات حزبية، أو تركيع الناس، أو تشويه سمعة بعض من المدن الكوردية.

إن دور ومسؤولية المفوضية العامة للاجئين ومنظّمات الأمم المتحدة في إقليم كوردستان كان مخيّباً ومؤسفاً؛ لأنهما لم تستطيعا الالتفاف حول قضايا ومشاكل وتحدّيات التي تواجه اللاجئين، ولم تقوما بحلّها ولا بالتخفيف من وطأة آثارها؛ لأن التهم التي تُحاك ضدّ الناس كانت جاهزة، والذين يؤلّفونها ويكتبونها هم أزلام لدى الأحزاب الكوردية السورية، إلا أن الضمير يقول ويؤكد أن الأحزاب بصورة عامة ليست شريكة فعلية عن هذا الفساد والاستغلال الكبيرين، فالقضية هي قضية شخصيات متنفّذة، لها تأثيرها الكبير على توجّهات وقرارات الحزب.

وواقع الحال يقول، أن قضية الفساد ليست قضية سياسية فحسب، بل قضية فساد إداري، وضمير مُباع، وأخلاق معدومة، فكثير من الأحيان كانوا يسرقون أرزاق اللاجئين، من الرز والسكر والبرغل، والألبسة، ويشكّلون عصابات؛ للتعرّض على اللاجئين الذين ينتقدون ويحتجّون ويعارضون، إلى الضرب المبرح والشتائم الخارجة عن حدود الأدب والأخلاق والمبادئ الإنسانية.

وقبل أن أسرد تفاصيل شهادات حية، حصلت عليها من بعض اللاجئين، أنوّه على مسألة حسّاسة، فالأسماء المرموزة بالحروف، هي أسماء لاجئين مقيمين في المخيّمات والمدن، وقد رفضوا الكشف عنها؛ خوف من عصابات حزبية،

وممارسات الأجهزة الأمنية، ومن عملية الترحيل، التي تُدار سرّاً بحق كلّ من يعترض أو يحتجّ على سياسة الأحزاب الكوردية – السورية والأجهزة الأمنية في إقليم كوردستان، والأهم من ذلك أن الأسماء المذكورة لبعض الموظّفين والمسؤولين الحزبين المخطئين أو الفاسدين، ليست إلا أسماء تعمل بدعم حزبي، وليس سياسي في سبيل المجتمع والقضية.

شهادة أولى:
«أ . م . ش»، ناشط سياسي مقيم في إقليم كوردستان «رفض الكشف عن اسمه؛ بسبب خوفه من تقرير قد يصل إلى الأسايش أو الأجهزة الأمنية، بتهمة أنه آبوجي أو عميل لدى النظام السوري، ما سيجبر عندئذ على الطرد بطرق يشرّعونها وفق أهواء محدّدة»، يقول عن الفساد والانتهاكات والمحسوبيات المستفحلة داخل مخيّم «كويلان»: «دلوفان، الذيّ عُين مختاراً على مخيّم كويلان في محافظة دهوك، عضو في الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، وهو المسؤول عن المخيّم، الذي تحوّل من مخيّم للاجئين إلى مول تجاري رابح، يديره عصابة حزبية، يتعاون بمجموعته الخاصة مع إدارة المخيّم، ضدّ احتياجات شعبه عندما يكون الأمر متعلّقاً برفض قراراته والاحتجاج على سلوكه، وخاصة أهالي مدينة كوباني. نعيش منذ خمس سنوات على ممارسات الفساد والفاسدين وكتابة التقارير الكيدية بحقّ الناس».

وتابع: «لمخيّم كويلان وضع خاصّ من حيث استشراء الفساد، مقارنة مع فساد بقية المخيّمات، فحتى الآن تمّ تغيير ثلاثة مدراء للمخيّم، ولكل مدير أساليبه وأزلامه في عملية الفساد، فكثير من الأحيان كانوا يرحّلون اللاجئين خارج الإقليم، وفي ساعات متأخّرة من الليل، بدليل لو أعلنت عن اسمي هنا في هذا المقال، لكنت خلال أربع وعشرين ساعة مُقالاً من وظيفتي ومطروداً خارج المخيّم؛ فلا مكان للنقد البنّاء والاحتجاج السلمي والرفض الشرعي مع إدارة المخيّم وأزلامها وسماسرتها».

وبالنسبة لإجازات لاجئي مدينة كوباني: «عندما نذهب إلى مكتب الإجازات ونخاطب المسؤولين عنها، بغية التقديم على إجازة إلى كوباني، يجيبوننا بضرورة أن نراجع مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا في هولير، وأن إجازات الكوبانيين بيد مكتب الحزب، والحقيقة أن هناك أشخاص أعرفهم، يزرون مدنهم كل شهرين أو ثلاثة أشهرة، في حين هناك أشخاص لم يستطيعوا زيارة أهاليهم منذ عام وعامين وثلاثة، فإجازات اللاجئين الكوبانيين باتت قضية عنصرية ومناطقية».

شهادة ثانية:
بدوره قال «م . س . ر»، وهو طالب جامعي مقيم في إقليم كوردستان، عن الفساد بحقّ لاجئي محافظة السليمانية، متهماً: «حجي عفريني، شخصية مستقلّة مقرّبة من الاتحاد الديمقراطي والديمقراطي التقدّمي الكوردي، هو رئيس مجلس اللاجئين لكورد روج آفا بمدينة السليمانية، كثير الاهتمام بلاجئي مدينة عفرين، حيث يؤمّن

وظائف وعمل لهم بشكل خاص، يتدخّل في مشاكل اللاجئين بقلب محروق مفعم بالحماسة، متوعّداً بحلّها، وبعد ساعتين ينسى كل شيء، وكأن شيئاً لم يكن. له علاقات واسعة مع كل المنظمات والدوائر الحكومية في السليمانية، يتواجد في جميع الاجتماعات الخاصّة باللاجئين، لا أحد يستفيد منه سوى أهل عفرين».

وعن الخبز الذي يُباع للاجئين بسعر غال يقول: «هناك فرن آلي باسم عفرين في مخيّم باريكا، يصنع خبز اللاجئين بسعر باهظ، وعندما أحضر فرن آخر خبزاً من خارج المخيّم، وبسعر أرخص، قدّم المدعو حجي شكوى إلى إدارة المخيّم، بحقّ ذلك الفرن، وبعد يومين من توزيع الخبز ليمُنع من الدخول إلى المخيّم؛ بحجة عدم تعطيل فرن عفرين، الذي له حصّة فيها، إضافة إلى راتبه في منظمة (UN) لشؤون اللاجئين».

شهادة ثالثة:
فيما «م . ك»، ناشط حقوقي، أقيم سابقاً في مخيّم كويلان، وحالياً مقيم في أوروبا، يتهم ثلاث شخصيات بالفساد واستغلال حاجات اللاجئين: «الذين كانوا في البداية يهينون اللاجئين في مخيّم كويلان هم (محمد الفارس، أبو جوان، المختار دلوفان)؛ لأن هؤلاء كانوا يرفعون التقارير الكاذبة ضدّ اللاجئين، وكنت أحد ضحايا هذه التقارير الافترائية، غير الإنسانية».

مضيفاً: «محمد فارس، رفع عليّ تقريراً كاذباً، واتهمني بأنني أتكلّم على إدارة المخيّم، وأتهمهم بالفاسدين، لذلك تمّ معاقبتي من قبل مدير المخيّم السيد إسماعيل، فهؤلاء يرفعون التقارير الكاذبة على جميع أهالي كوباني، باتهامات باطلة لا أساس لها، وهي أنهم ينتمون إلى الحزب العمال الكوردستاني؛ لكي يسيئوا إلى سمعة الكوبانيين، ولألا يتوظّف شخص واحد من كوباني في المخيّم، لذلك ممنوع توظيف الكوبانيين، حيث يتمّ فصل أيّ شخص من كوباني من التوظيف أو التدريس أو مع المنظمات الإنسانية إذا لم يتعامل مع محمد فارس وأبو جوان والمختار دلوفان».

وأكد: «هؤلاء المجرمون يشوّهون سمعة أحزاب المجلس الوطني الكوردي، ويخرّبون بيوت اللاجئين بسرقة أرزاقهم وتعطيل معاملاتهم، لذلك يجب طردهم ومحاسبتهم ومقاضاتهم في محاكم إقليم كوردستان، ولو كنت على قناعة بأني لن أطرد من إقليم كوردستان مستقبلاً، لقلت الكثير».

شهادة حزبية:
من جانب آخر، ونتيجة تواصل كثيف مع اللاجئين، والاستماع إليهم، والذين اتهموا شخصيات قيادية من الدرجة الثانية في الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، تواصلت مع «هيثم مراد»، وهو عضو المجلس المنطقي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، حيث قال: «إننا أيضاً نسمع بهذا الكلام بين الآونة والأخرى، فنتواصل ونلاحق الخبر، فننصدم بكلمة (لا أستطيع)، فهل كلمة لا أستطيع هي الخوف؟ فيكون الجواب (لا)، بل (لأستفيد منه في المرّات الأخرى)، وبناءً على هذا؛ أصدرت منظمة حزبنا في السليمانية توضيحاً لأهلنا في مخيّم باريكا، أننا نرغب بكشف الحقائق، فمَن يذهب إلى غربي كوردستان مقابل المال فإننا سنتكفّل بالمال الذي دفعه، وسنرسله في نفس اليوم، مقابل منحنا اسم المرتشي، لكن لا أدلّة ولا شكوى».

وعن الآلية الفعلية – المناسبة للتعامل الأمثل مع قضية الزيارات والإجازات، كي يتوقف معها الفساد والاستغلال، أجاب مراد: «يوجد في كامب باريكا أكثر من (2000) منزل، وفي السليمانية (20.000) لاجئ. ناحية بازيان، ناحية بايجان، قضاء كويا، حلبجة… المناطق الصغيرة الأخرى، جميعها تتبع لمنظّمتنا. إننا كبرنامج أسبوعي، نتبع الآلية التالية: يومان لكوباني، ويومان لمنطقة الجزيرة، وكلاهما في مخيّم باريكا، يوم لسليمانية وريفها، يوم لكويا. واجتماعاتنا على مستوى المجلس المنطقي تتم كلّ (١٥) يوم؛ لفرز الأسماء حسب الأولوية، رغم أنه بوسعنا أن نرسل كلّ يوم اسمين فقط، مع مراعاة حالات الوفاة، التي توافق عليها بشكل فوري، إذا توفّرت الشروط فيها، وهذه الشروط تم تحديدها من قبل إدارة معبر سيمالكا».

وقبل خلاصة الكلام، أضيف منشوراً، للكاتب السياسي الكوردي «كوهدرز تمر»، نشره على صفحته في الفيس بوك، قال فيه: «الحركة الكوردية في سوريا أكثر حركة لم تهتم بجمهورها ووطنييها، ولم تلتفت يوماً لآرائهم وأطروحاتهم، وتركتهم يواجهون الواقع بمرارة. وبعد أن تركوا الوطن ونزحوا وهاجروا، تأتي أحزابنا هذه وراءهم إلى أوروبا والمهجر؛ لتستمع إلى آرائهم ومقترحاتهم وانتقاداتهم! متظاهرة بأنها تحترمها، وبعكس الواقع الذي يعرفونه، وعايشه أغلبهم ضمن أطرها! والأغرب مازال البعض يثق في قدرتها ونواياها بالتغيير، والاستماع إلى آرائه ومقترحاته، رغم كل التجربة الطويلة المريرة، والفشل الذي أوصلتنا إليه».

وخلاصة القضية، هو أن فيلاً سرق كيس سكر، وسرقت النملة حبّة سكر. قامت الدنيا ولم تهدأ، وكتبت الصحافة «لقد قبضوا على عصابة سرقة السكر». وفعلاً فقد تم تقديم النملة للمحاكمة؛ بتهمة سرقة كيس السكر، والدليل هو حبّة السكر التي ضبطت لديها! والحقيقة أن كيس السكر كان مع الفيل، ولم يره أحد؛ لأنه أخفاه على ظهره العالي، وحتى لو رأوه فلن يتجرّأ أحد على ضبط الفيل والقبض عليه؛ فاللصوص الكبار لا يطالهم القانون!

تم محاكمة النملة، للانتصاف، للعدالة، وتطهير المجتمع من اللصوص، أما الفيل فيوزع في بداية شهر رمضان حبّة سكر على كل فقير، من الكيس المسروق، ويدعو له الجميع بطول العمر، ويشهدوا له بأنه كريم ويشعر بمعاناة الفقراء، وينسى الجميع أنه أصلاً حرامي كبير، وسارق كيس السكر، وسيّد الفاسدين.

لا تعليقات

اترك رد