تهمة الإرهاب إرهاب مالم يكن إرهاباً !

 
تهمة الإرهاب إرهاب مالم يكن إرهاباً !

الإرهابُ هو أداة أو وسيلة لتحقيق أهداف سياسية ، سواء كانت المواجهة داخلية بين السلطة السياسية وجماعات معارضة لها ، أو كانت المواجهة خارجية بين الدول . فالإرهاب هو نمط من أنماط استخدام القوة في الصراع السياسي ، حيث تستهدف العمليات الإرهابية القرار السياسي ، وذلك بإرغام دولة أو جماعة سياسية على اتخاذ موقف مرضٍ لمآربها ، وإلاّ ؛ فتستمر بالعمليات الإرهابية .(1)

والحالة هذه ؛
فإني لم أرَ أدقَّ و أبلغَ وأشملَ من هذا الإيجاز عن الإرهاب من خلال قراءاتي كافة ، لذا أرى أن أتناوله تناولاً متسلسلاً وأطبّقه على واقعنا المعاش .
إنَّ المتتبع لأحداث العالم ، وما عانته البشرية من أذى متلاحق ، بسبب الإرهاب ، لم ولن يذعن يوماً إلى أيِّ تبرير يبرئ العمليات الإرهابية .. أينما حدثت .

فالإنسانُ هو الإنسانُ في أيِّ مكان ، والجريمة هي الجريمة في أيِّ زمان ، عليه ؛ فإنَّه أينما حصل عمل إرهابي ـ على ضوء المعاني التي تناولتها مقدمة هذا المقال ـ يفرض علينا فهماً مشتركاً واضحاً نتخذه معياراً لوصف الإرهاب من خلال ممارساته الإرهابية ، لا من خلال وصف من لا معيار لديهم غير الحقد والكراهية الناجمة عن تقاطع المعنى مع واقعهم وتوجهاتهم اللاإنسانية مرّة ، وتقاطعه مع مصالحهم الغير معلنة مرّة أخرى .

فالإرهابيون جماعة سياسية منظمة تنفذ عملاً تخريبياً يقصد تدمير الكيان السياسي للحكومة أو سلطة أو نظام أو دولة أو منظمة دولية ، الغرض من هذا العمل التخريبي هو إنهاء الحضور السياسي لهذا وذاك ، لأجل استبداله ببديل آخر يخدم مصالح الجماعة ويعطل مصالح القائمين فيه .

عليه ؛ فعندما يأتي العمل التخريبي منفذاً تدمير التدمير ، سوف لا يعد عملاً إرهابياً ، مالم يكن قد عبر على الوسائل السلمية المتاحة كافة . أما عندما يأتي منفذاً تدمير الإصلاح ، هو بكل تأكيد يعد عملاً إرهابياً .

من هنا ؛ لابد لنا أن نميّز بين العمل النضالي أو الجهادي الذي يهدف إلى تدمير التدمير لأجل تأهيل الواقع الصالح ، وبين العمل التخريبي الإجرامي الذي يهدف إلى قتل الأبرياء وسبي الأناس الآمنين وحرق الحرث والنسل دون رحمة ولا هوادة ، فإن هذا يعد جريمة كبرى بحق البشرية ، وعلى جميع الخيرين محاربتها بالسيف والقلم .

ما قام به الأتراك حيال الأرمن ، وما قامت به روسيا حيال القوقاز ، وما قام به ألمانيا و بريطانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية من جرائم حرب حيال الشعوب ، وما قامت به الولايات الأمريكية حيال اليابان وفيتنام ، وما قام به الصرب حيال مسلمي البوسنة والهرسك ، وما قامت به إسرائيل حيال الفلسطينيين في دير ياسين وفي صبرا وشاتيلا ، وما قام به صدّام حيال الشعب الإيراني المسلم في غزو الجارة الجديدة واستخدام الأسلحة الكيميائية ، وما فعله حيال الكورد في حلبجه وفي الجنوب والكويت ، وما قام و يقوم به تنظيم القاعدة من عمليات إجرامية في أمريكا و أوروبا و آىسيا حيال الشعوب الآمنة المسالمة ، وما يقوم به داعش حيال المسلمين والعلويين والمسيحيين في سوريا و الأيزيديين والمسيحيين والشيعة في العراق ، وما تقوم المملكة السعودية حيال اليمنيين ، وما تقوم به حكومة البحرين حيال أغلبية شعبها .. كلها جرائم منظمة مقصودة .. منفذة مع سبق الإصرار والترصّد ، ولم تأتِ عن خطأ يبرره التاريخ أبدا .

لقد فَجَعَتْ إسرائيلُ شعبَنا العربي الفلسطيني من خلال احتلال الأرض وحرق من عليها عام 1948وما بعده بمساعدة المملكة المتحدة و الولايات المتحدة .. تماماً مثلما فعل صدّام في حلبجه عام 1988. فعندما سكت العالم على هذه العمليات الإرهابية ، وساند العدوان ، إنقلبَ عليه .. وهنا يحضرني قول لآية الله الخميني زعيم الثورة الإسلامية في إيران ، عندما خاطب الحكومة الكويتية في الحرب العراقية ـ الإيرانية (لا تساندوا العدوانَ فينقلبْ عليكم !) ، ومن ثم أنقلب عليهم فعلاً !!!
فالإرهاب الذي يقلق الغرب اليوم هو إرهابٌ كانت له جرائمه بمنطقتنا ومنطقتهم من هذا العالم .. سكتوا عليه .. أيّدوه .. أسّسوه ؛ كلها أمور لا تعنيني استخبارياً ، مالم أعززها بالمستمسكات الثبوتية ، لكن الذي أصرُّ عليه هو ما أشار إليه الزعيم الإيراني الراحل !
لو كان العالم قد وقف بوجه العثمانيين عندما أرهبوا الأرمن ..

لو كان العالم قد وقف بوجه الروس عندما أرهبوا القوقاز ..

لو كان العالم قد وقف بوجه الإدارات الألمانية و الإيطالية والبريطانية والأمريكية وهي ترهب من تولت شأنهم ، لما وصل الإرهاب إلى عالم اليوم !

الشعوب التي تناضل اليوم من أجل رفع الاستغلال عنها ، وتحرير أوطانها من الغازي والمحتل ، أو مسك أراضيها المحررة بالتضحيات .. كما في جنوب لبنان بالمقاومة الشريفة لحزب الله ، من حقها أن تقوم بأية عملية جهادية أو نضالية .. في أيِّ مكان من العالم ، ومهما كانت دموية وفتك هذه النوع من العمل لا يمكن أن يسمّى عملاً إرهابياً بمنطق الحقّ و الإنصاف ، وهو لا يشبه العمل الإرهابي الإجرامي الذي يقوم به الظلاميون والإجراميون والمستعمرون حيال الشعوب المتطلعة إلى الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة .
لا يصح أن تعقد المؤتمرات الدولية لتكرار خطأ مساندة العدوان من خلال إنكار الحقوق ومصادرة حريات الشعوب في آسيا وأفريقيا و أوروبا وأمريكا اللاتينية .. أو أي مكان من العالم .

على المنظمات الجماهيرية والإنسانية والمؤسسات الثقافية أن تنشر ثقافة التمييز بوعي بين الإرهاب و بين الجهاد أو النضال . فعندما تختلط المسميّات ترتبك المفاهيم ويشوبها اللغظ والإبهام ، بحيث تحار الشعوب بين تأييد الحقّ أو تأييد الباطل دون وجه حقّ .
والله من وراء القصد ؛؛؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) د. عادل عامر ـ أسباب الإرهاب ـ جريدة المصريون

المقال السابقمن يحتقر إنسانيّة الإنسان لا دين له
المقال التالىالعشوائيات والأمن الاجتماعي
رعد موسى جعفر الدخيلي شاعر وكاتب عراق من مواليد / بغداد ــ 1955 حاصل على دبلوم اتصالات وبكالوريوس هندسة كهربائية من الجامعة التكنولوجية العراقية.. عضو نقابة المهندسين العراقيين.. عضو الإتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين.. عضو رابطة الأدباء العرب .. عضو اتحاد الصحفيين العراقيين. من أسماء معجم ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد