الثورة وتحرير الفلوجة

 
الثورة وتحرير الفلوجة

الدماء التي سالت على ارض الغبراء يوم اقتحامها ودخول مكاتب رئيس الوزراء، شكلت نقطة تحول كبرى في مسيرة الثورة التي حولها الطغاة الفاسدون من تظاهرات واحتجاجات سلمية الى ثأر دموي بين الجماهير وبينهم، ولم يعد بالامكان تجاوز هذه المسالة الا بازاحة الزمرة الفاسدة من سدة الحكم، ورغم غباء هذه الزمرة وعدم معرفتها بكيفية التصرف بعد احداث القمع وسقوط الشهداء في التظاهرة، وانكارها المخزي لماحدث، فقد اكتشفت ان الهوة بينها وبين الجماهير قد اتسعت وان عليها التصرف لضمان استمرارها في السلطة، وسرعان ما جائتها المشورة من اطراف معروفة بخبثها وخبرتها في التعامل بطرق التسويف والالتفاف والاحتيال على الجماهير الغاضبة، وكانت تلك المشورة تقضي بالتحرك لتحرير الفلوجة لاشغال الناس ولفت انتباههم لما هو اكبر واعظم، اذ لايمكن لجموع الفقراء والجياع وكذلك الناشطين المدنيين الا ان يقفوا وقفة وطنية لمساندة الجيش والقوى الامنية لانجاز هدف هو امنية كل عراقي وطني شريف في ان تتحرر ارض العراق جميعها وليس الفلوجة فقط من براثن الارهاب، وهو فعلا وبكل المقاسات اكبر واعظم مما يعانيه المواطن اليوم، وهذا ما حصل فعلا اذ ان عموم الشعب وبكل مكوناته يقف اليوم وقفة رجل واحد خلف كل الجهود الرامية الى التحرير، رغم ان مثقفيه ونشطائه يعرفون اللعبة تماما الا ان سلامة الوطن ونصرة جيشه وقواه المسلحة من المهام التي لايمكن التوقف عندها والتقاش فيها، ولكن وبغباء مكشوف وجهل في الادارة والسياسة راح العبادي يتوسل الجماهير لتأجيل تظاهراتها واحتجاجاتها الى مابعد تحرير الفلوجة، لاسباب تتعلق حسب تبريراته بعدم امكانية حماية المتظاهرين لانشغال القوات الامنية هناك، وموهما اياهم بان بعض الجهات المعادية تنوي القيام باعمال ارهابية أثناء التظاهر، متناسيا ان تلك القوات هي التي اطلقت النار وقنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين وان لعبة اشغال الناس بتحرير الفلوجة وان كانت مكشوفة الا ان الجماهير الغاضبة لايمكن ان تخون الوطن وتتقاعس عن تقديم دعمها وحبها وتضحياتها من اجله، وانها في كل الاحوال لايمكن ان تكون كما هم الحاكمون والمتنفذون، عملاء ماجورين وفاسدين ودمى وضيعة بيد المحتلين واذنابهم.. ولكن السؤال المهم الذي يتطلب اجابة واضحة هو : الى متى يمكن تاجيل ثورة الجياع؟.. والاجابة على هذا السؤال قد تكون مفاجئة للجميع، فاذا كانت الزمرة الحاكمة ومن يقدم الدعم والمشورة لها جادين او غير جادين في تحرير الفلوجة، فان التحرير ان تحقق فهو نصر للعراق ولجيشه الباسل ونصر باهر للمتظاهرين الذين دفعوا الحاكمين برغبتهم الحقيقية او بدونها للتحرك لتحرير مدينة المآذن، وليس للحكومة التي اتخذت من التحرير وسيلة لاخماد الثورة وتاجيلها وتهدئة النفوس بعد ان اريقت الدماء على مذبح الحرية، ولكن الاهم ايضا ان تحرير الفلوجة ان تم وسيتم بسواعد الابطال من القوى الامنية فان الحكومة ستكون ملزمة بالاستمرار واستثمار النصر والتوجه الى الموصل وهذا ايضا سيكون احد مكاسب الثورة وانتصاراتها وليس نصرا للزمرة التي ستجد في تحرير الموصل ايضا وسيلة اخرى للتسويف وتاجيل الثورة والتهرب من غضب الجياع ومن ثأرهم الذي مازال قائما وسيبقى الى ان تحين ساعة الحساب..

ومن ناحية اخرى ومع حسابات التفاؤل والامنيات باستكمال تحرير الفلوجة والموصل واية بقعة اخرى من الوطن الجريح، فان ابتعاد شبح داعش والارهاب سيحقق بشكل اكيد نوعا من الاستقرار الذي ينشده المواطن، وهذا بحد ذاته احد الاسباب التي دفعت الناس الى التظاهر والاحتجاج ومن ثم الثورة، ولكن على الجميع ان يتذكر ان اوضاع البلاد قبل داعش لم تكن افضل مما هي عليه الان، واوضاعه بعد داعش ايضا سوف لن تكون كما تطمح وتتمنى الجماهير، اذ ان الداء الاكبر والعقدة الرئيسية هي وجود الاحتلال وتدخله وتدخل دول الجوار وقوى اخرى متعددة في القرار السياسي وفي شكل النظام الطائفي الذي خضع له المواطنون، ومن ثم اشاعة ثقافة الفساد التي فتحت الباب على مصراعيه لداعش وملحقاته للدخول والسيطرة على اجزاء مهمة من البلاد، مع تغييب العقول والكفاءات الوطنية وتمكين الاغبياء والجهلاء من ادارة شؤون الدولة، واذا ما كتب الله لنا طرد داعش خارج الحدود فان علينا اذن البدء من جديد بمحاربة الفساد والطائفية والقوى الداعية لها والمستفيدة منها، وهذا يعني الاستمرار الحتمي للثورة التي جرى تاجيلها مرات ومرات، ولاسباب عديدة مختلفة ودواعي تحرير الفلوجة حاليا ..

لا تعليقات

اترك رد