علم نفس الإرهاب بين المهاجرين والمجتمع الأروروبي – ج1

 

يمثل الإرهاب ظاهرة عالمية في عالمنا اليوم، سيما أن الكثير من دول ومناطق العالم ترزح تحت وطاة الصراعات والنزاعات وبالخصوص تلك المنظوية على أسس دينية أو عقائدية ، وبعد ان ظهر الأرهاب كمفهوم في العقدين المنصرمين على شكل أحداث وجماعات مبهمة تترك أثراً واقعيا أقرب في تصوراتهِ إلى الهولويودية إلا انه بات بالفعل مجموعة أحداث أكثر مما توصف بمفردة عنف أو عدوان.

كما أسفرت الاحداث بعد إحتلال داعش لمناطق واسعة في سوريا والعراق بعد العام 2014، هزة إجتماعية وليست أرضية، فبغض النظر عن الأضرار والمعارك والخراب الذي حَل نتيجة هذه الكارثة التي لم يسبق للتأريخ أن وثق مثيلا لها، كان أحد أبرز النتائج هو بروز حالة من التشظي المجتمعي بين النزوح والهجرة عدا تفكك أبسط الروابط الإجتماعية بين الجماعات المشكلة للمجتمع، من الطبيعي أن تطفو الهوية الفرعية على أساس الإثنية أو العرق على الهوية الوطنية وهو حاصل جمع متكرر لتجارب سابقة بعد الإحتلال للعراق 2003.

وبينما تتسع رقعة الصراع في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط ولا حل يلوح في الأفق لحد الأن إلا أن أزمة الهجرة الناتجة عن ماجرى ويجري أصبحت تشكل عبئاً دراماتيكياً على المجتمع الأوروبي وصناع القرار فيه، لأول مرة في تأريخ أوروبا وتأريخ الهجرة كظاهرة عالمية واجهت الدول الأوروبية في عام 2015 موجة عارمة من كتلة بشرية يقارب عديدها المليونين شخص جُلهم شرق أوسطيون وخارجون للتو من صراعات دموية وتجارب صامة مشحونة بمختلف الإزمات النفسية الأخرى، الأمر الذي سبب صدمة كبرى وأيقظ الإتحاد الأوروبي حول قضية لم تكن بالحسبان من قبل وهي الحدود المفتوحة وإشكالية ضبطها أو التحكم بها.

ولم يكن أمام الاوروبيون بُداً إلا أن يستقبلوا الناس وتنظيم إيوائهم وقبول طلباتهم للجوء، وكالعادة بين منح الحق ورفض طلب اللجوء، أصبح في واقع الحال مجتمع مهاجر مختلف عن المجتمع الأصلي الأوروبي، وبغض النظر عن مشكال الإندماج والتثاقف في المجتمع أو البيئة الحاضنة الجديدة، برزت اليوم مخاوف (الإرهاب) في أوروبا، إذ تشكل قضيتي الهجرة والإرهاب من أبرز المحركات السياسية الداخلية للاعب السياسي الأوروبي (بالنسبة لقضية الهجرة مع او ضد) وفقا للدراسات البحثية والمقالات العلمية.

وأي كانت المبررات لهذا المخاوف فأنها أي المخاوف بدأت وقد تزداد، فان من الاهمية بمكان الإتفاق إلى أن الإرهاب كسلوك من وجهة نظر نفسية من الصعب التكهن به قبل حصوله او وقوعه، وهذا الأمر ياتي من حيثيات علم النفس أن الأمر لايزال غامض من الناحية النفسية كتصنيف علمي أسوة بالإضطرابات المتعلقة بالعدوان والسلوك المضاد للمجتمع، فالعنف والجريمة لها معطيات ومحددات وتعريفات مختلفة عن الأرهاب يمكن الأستدلال بها على الشخصية العدوانية أو الإجرامية وهو امر أثبتته الدراسات والمعايير العلمية منذ زمن طويل، لكن الشخصية الإرهابية لم تزل غير واضحة المعالم ولا توجد معايير تحد كيفية تشكل هذه الشخصية، وهذا ما يجعل من الصعب التكهن بالسلوك الإرهابي الناتج من شخصية المنتجة لذلك السلوك.

ما يميز السلوك الإرهابي عن باقي التصنيفات النفسية السايكوباثية هو أن الأول يُبنى على فكر بينما السيكوباثية خلل نفسي على أسس إجتماعية او حتى جنينية في بعض الدراسات ولا يوجد ما يسمى (الفكر الإجرامي أو العدواني) فللجريمة والسلوم العدواني دوافع تحركه وتنميه بينما السلوك الأرهابي ينشئه الفكر وهي جدلية بحثية تستدعي الوقوف عندها في المجال البحثي النفسي، إذن هنا السؤال هل الفكر يعني بالضرورة الدين؟

قد نحتاج إلى الكثيرمن الوقت وأن خُيض في هذا الأمر الكثير من النقاشات والتفسيرات للإحاطة بأجابة لهذا التساؤل، ولكن ما يهمنا في الأمر هو أن الشخصية الإرهابية نمط نفسي له محددات خاصة بدأ في الوقت الحاضر علم نفس الأرهاب محاولات خاص و لتقديم تنظير لتعريف و وصف للإرهاب والشخصية الإرهابية، وإن كان الأمر لا يزال في طور المحاولات التنظيرية والبحثية البسيطة.

ولغاية توفر إطار نظري وتعريف علمي للشخصية الإرهابية ومن ثم محاولة التحكم بالعوامل المنتجة أو المُطوِرة لهذه الشخصية يبقى المجتمع المنحدر من خلفية دينية وتحديداً إسلامية تحت وطاة الشك او التوجس في أنه مصدر او منفذ لهكذا شخصية، وهذا ما يجعل الأمر الأن في الدول الأروربية مثار جدل بين الأرهاب والهجرة وبروز وصمة إجتماعية للمجتمع المهاجر أكثر منها كفوبيا الأجانب، وهل أن المهاجرين هم خطر أو تهديد خارجي للمجتمع الأروربي؟

من جانب آخر تضمين المهاجرين في عملية صناعة الأمن القومي كعملية التوثيق الأمني لهم في هذه الدول على أساس أنهم يمثلون مثار شكوك لتهديد وخطر قدم من الخارج هو مثار جدل آخر يمس في جوهره النظم الديموقراطية السائدة في تلك الدول، وبين هذا وذاك تأتي اهمية التوصيف النفسي للشخصية الإرهابية لغرض التشخيص والمعالجة.

أخيراً، بعد أن خلف داعش عشرات الألاف من النساء والأطفال في سوريا والعراق، يجعل اهمية فتح آفاق الدراسات في مجال علم نفس الأرهاب أحد مبررات التهيؤ لأول جيل جديد قُدرَ له ان يُولد إرهابياً (لا أقصد جينياً بل بالتكوين الإجتماعي والنفسي).

لا تعليقات

اترك رد