فقري فقر الملائكة

 

هما عالمان متناقضان حد التصادم ومن الصعب أن يجمع شخص بين نقيضين متطرفين بإتقان لدرجة الثمالة فصاحبنا كان يجمع القداسة بأقصى دراجاتها والسفالة بأقصى درجاتها في وقت واحد . ذلك الرجل هو الكاتب والمفكر الفرنسي جان جينية.
لا يشبه جان جينية في عوالمة أحد من قبله يجمع بين الإيمان والفيض الميتافيزيقي وهو ترابي ويعيش على التراب ويتحلى بأخلاق التراب . وكان يرتكب الموبقات جميعها بدم بارد وعفوية غريبة وتحد يشبه الانتحار . وهناك من يعتقد أنه قديس لا يشق له غبار و شهيد من شهداء الإنسانية العظام .
كانت أولى المصائب أنه ولد في عام 1910 مجهول الأب والأم وتركته أمه في عناية الإسعاف الحكومي العام في المشفى فنشأ بين الفلاحين وعاش حياة التشرد . ودخل في العاشرة من عمره إلى الإصلاحية بجرم السرقة . هذه الطفولة البائسة تركت وقعا سيئا على جان جينية وصار أكثر شكا وشرا وهجومية على العالم المحيط . وعندما بلغ الثامنة عشرة تطوع في الفرقة العسكرية الأجنبية الفرنسية وقد كانت هذه الفرقة العسكرية تضم في صفوفها كل صنوف المجرمين والقتلة والحثالة وكل شيطان رجيم هانت عنده القيم الإنسانية ومن تساوت عنده الأخلاق والمفاسد . لكن حياة الجندية في لم تعجبه وحيث أن التشرد يسري في دمه فقد هرب من الفرقة وعاد إلى حياة التسول ليكون أثناء التسوق سارقا محترفا ونتيجة لذلك دخل السجن عدة مرات وصار ينام في الحدائق يفترش الأرض ويلتحف السماء . كان يتلقى تجاربه في الحياة وكأنها قدره المحتوم لم يقم بأي ثورة أو نقمة أو تمرد على واقعه ولم يرتدع رغم سنوات السجن . لقد تقبل الحياة كما تأتيه بقبحها وجمالها. فيقدس الشر ولم يفهم القداسة إلا من خلال الشر . الشر هو الفضيلة الوحيدة لديه والسرقة هي النزاهة الوحيدة الممكنة والوشاية الخسيسة هي الشكل الوحيد للعلاقات بين الناس وقد امتدح هتلر والجستابو كما امتدح السرقة والشذوذ الجنسي . يسجل القديسون في الأماكن المقدسة وتطلق أسماؤهم على الساحات والأديرة والمؤسسات ولم يفكر جان جينية أبدا في أن يضم اسمه إلى هؤلاء . لقد أخفى حبه للشر المجنون المعربد في دمه وأخلاقه اليأس الذي لا يقهر . لقد كان التمرغ بالوحل بالخنازير طريقته المثالية لشتم الحياة وقد عمل طويلا ضد الطبية ذاتها وكان يشتهي أن يقلب كل شيء رأسا على عقب ليثبت طريقته الملعونة في الإصلاح . وكان طيلة حياته غارقا في جحيمه وكأنه في جنة عدن ليس لها مثيل وكان يهضم الرزائل بدقة خبير التغذية لم يستطع أن يسمو في يوم من الأيام لأنه يجرى في مجراه على موجه مختلفة . لم يكن يتبع إرادته بل طبيعته كان يعيش حياته في تحد لنفسه المنحطة ليستخلص من انحطاطها كبرياء ليس له حدود ومجد سلبي لا يدانيه مجد .
لكن من أين تأتي عظمة جان جينيه ؟
لو كان جينيه من العاديين لمات كأي كلب تحت جسور باريس لكنه كان شاعرا ثائرا في القمة بوجهه الرحيم وذوقه الفني الجمالي الرفيع وقد وصفه جان بول سارتر يوما في عام 1951باسم ” القديس جينيه ممثل مضحك هزلي وشهيد ” وقد وصفه كوكتو ” بالصديق العزيز ” وتعتبر أعماله الأدبية والشعرية من الأدب الكلاسيكي المعاصر وخاصة ” الخادمات” و”الشرفة ” و ” الستائر” و “السود” و”السير العاشق” و”مواكب السفن ” و” يوميات سارق ” و ” نوتردام الزهر” .
هناك مسافة تقدر بآلاف الأميال بين ذاته الحيوانية وذاته الإنسانية وبين أسلوبه الكلاسيكي وأسلوبه الأدبي المعروف . إن أدب جان جينيه يعد قداسا أسودا بمظهره الجمالي الاحتفالي حيث تصبح السفالة ” نوعا من الذخائر الدينية” ولونا من ألوان الفداء بين البشر ويحاول أن يعري المجتمع الغربي في روايته “نوتردام الزهر” حيث يصف العالم الذي تجتاحه الرزيلة والموت والدعارة عبر شخصيات وسيطة قادرة على الفصل بين الفضيلة والرزيلة في أردأ لحظة من لحظات المجتمع لدرك فيما بعد أنه يعيش حالة براءة حالمة وحماسة مليئة بالإشفاق لكونه صوفي الشر بأنواعه.
وقد بدأ نثره العميق في النصف الثاني من القرن العشرين في السجن ومنذ أيامه الأولى فقد ” بدأ مشواره الصامت الوحيد المنفرد بين التنكيل و الإهانة الجارحة في السجن” وقد أتلف مدير السجن الصفحات الأولى من كتابه ” نوتردام الزهر ” التي تعد حتى اليوم من عيون الأدب الفرنسي المعاصر . كان إتلاف الصفحات الأولى من كتابة أعنف إهانة توجه للكاتب الكبير. ولا يمكن للقارئ أن يحبس دموعه من الانسكاب وهو يقرأ الكتاب المعجون بالمعاناة والخوف والجمال والمحبة.
يكتب جان جينيه عن القبيح ليجبرك رغما عن أنفك أن تنظر بمحبة إلى الوجه الآخر الجميل . الكتابة عنده تنفس وحياة يكتب الجارح والشاذ بعذوبة ناعمة وبيان وتتحلى الصورة عنده بالوظائف التالية مثل الشرح والتوضيح والمبالغة والتحسين والتنقيح والإيحاء والوصف والمحاكاة والجمال والإبداع والرمزية . كان يشعر بالقرف عند الحديث عن الكتابة . الكتابة نوع من التحدي يشبه تماما الاستعداد للسرقة والتشرد والشذوذ وقد كتب جان جينيه الكثير من الكتب التي يخجل المترجمون من ترجمتها ” وقد نشرت الكثير من كتبه خالية من ذكر دار النشر الفرنسية” لأنها كانت تعتبره نوعا من الشذوذ الملعون لكن لم يجاريه أحد من الكتاب في نعومته المجنحة مثل الملائكة .
لقد تدفق قلب جان جينيه بالحب للمظلومين والمعذبين في الأرض ويذهب معهم إلى أقصى الحدود يحارب السماء والقدر العاثر للناس ونجد يقف مع السود أيام حكم بريتوريا العنصرية ووقف مع المهاجرين العرب إلى فرنسا والمناضلين اليابانيين والفهود السود في أمريكا وكان دائم التجوال والحركة .
وقف جان جينيه مع الجزائر في وجه فرنسا الغازية وأرخ النضال الجزائري في مسرحية الستائر وعرضها على المسرح الفرنسي في أوج اشتعال الثورة الجزائرية. وقد وقف جان جينيه أيضا مناصرا قويا للقضية الفلسطينية وكتب مقالته الرائعة ” أربع ساعات في شاتيلا ” وثق فيا الكثير عن البربرية الصهيونية وقال يومها ” لقد أصبحت فلسطينيا وأنا أكره إسرائيل ” . زار جان جينيه المخيمات الفلسطينية عدة مرات وكتب عن معاناتهم وخصص الأم الفلسطينية بالكثير من الكتابات الجميلة وقال :” أنا أدافع عن الفلسطينيين لأنني أحبهم وكفى ” ثم استطرد قائلا : أريد تحويل المهانين والمضطهدين المطمورين مع حكاياتهم تحت الإرهاب والاستغلال إلى صوت مسموع مصاغ ومصقول ومكتوب بماء الذهب .”
تجده في كتابه الرائع ” ذكريات الأسير العاشق “يتدفق حبا وحنانا مثل النهر الصافي في عشقه لفلسطين ورموزها الجميلة حتى لحظاته الأخيرة . عاش حياته في غرفة في فندق وكان كل ما يمتلك كتبه ومقالاته وسبعة كتب وساعة منبه وحقيبة وثلاثة قمصان . أليست كبيرة هذه الثروة ؟
سأله أحد الأصدقاء يوما : ” أهذا كل ما تمتلك ؟ ”
فيجيب: ” أجل ولما يجب أن أمتلك أكثر؟ إن فقري فقر الملائكة ولا تهمني أبدا المواد والممتلكات الأخرى . إنني أكتب وهذا يكفيني .”
رحل عن دنيانا إلى أمه الأرض ولم يقل وداعا ً
أهو قديس أم سافل؟
الأمر لكم …..يا سادتي .

المقال السابقارادة الشعوب
المقال التالى” الْهِتْر !! “
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط سابقا . كاتب في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد