في ذاكرتي سبورة

 

في كل عام دراسي جديد تحملني الذاكرة الى أيام دراستي الاولى التي خلت وتراكمت عليها الايام المتقادمة، إذ أن هذه الانتقالة من حضن المنزل الى مكان جديد تعد من أهم اللحظات بحياة الإنسان.

أتذكر حين خطت اقدامي المدرسة اول مرة في اول مراحل العمر والدراسة والعلم وتطوير الذهن كنت واقفة بخوف وحيرة احتضن اطراف ثوبي الأزرق الجديد لعله يعطيني الشعور بالأمان حيث حتى اطراف شعري التي كنت اقتضمها بين اسناني وقت خوفي لملمتها جدتي بضفائر عالية جدا لا استطيع الوصول اليها. كنت اعتقد ان الخوف سيتلاشى حالما اتعود على المكان كما قيل لي.

مرت الايام وما زال خوفي قائم وما زالت خطاي تتباطأ حالما اصل اسوار مبنى المدرسة العالية. كنت أراقب خطوات الجميع لعلي ارى ما يرشدني ويحل عقدة خوفي.
خوفي هذه المرة لم يكن من المجهول في المدرسة الكبيرة أو من واقعي الجديد بل من صفعات معلمتي التي كانت تصب غضبها اليومي على اجساد الصغيرات زميلاتي من ضمنهن جسدي بلا رحمة و دون ان نعلم السبب.

‪تستمتع معلمتي حد النشوة وهي تمارس هوايتها المفضلة في تعذيبي، وما ان أدخل قاعة الدرس وقبل ان تنطق هي بكلمة يبدأ جسدي الغض بالارتعاش ويتأهب مستعداً لتلقي المزيد من العنف .‬

حتى جعلتني اعتقد ان من قواعد التعليم ضرب الأطفال وتصورت انه مفيد لتقويمهم وتربيتهم ، لكن‪ ‬يجب ان يكون لسبب معقول، حتى عندما شكوتها لوالدتي اجابتني بأن المعلمة تريد تربيتي ومصلحتي وربما فعلت شيئاً ما يستحق العقاب من تلك المعلمة

ترسخت عقدة الشعور بالذنب في داخلي ، واعتقدت بانني استحق العقاب لشيء او للاشيء حيث لم اجد حل للغز الضرب دون سبب.
لم تكن حكايتي بأسوء من حكاية شخصية سالي في فيلم الكرتون الشهير والذي كنا ننتظر مشاهدته كل يوم بعد الظهيرة. كانت سالي تعامل معاملة قاسية من قبل معلمتها ” الانسة منشن” و لسنوات طويلة دون أن تفعل شيء يستحق.. ربنا كانت مثال للضحية التي اقتديت بها حينها.

انتقلنا الى منطقة اخرى ومدرسة اخرى ، وما زال الشعور يلاحقني و لم استطع التخلص من عقدةً الشعور بالذنب بسهولة ،
رغم ان معلمي الجديد كان إنساناً طيباً ورقيقاً، لكنه هو الاخر كان يمارس وسيلة العقاب للصغار لمن يستحق، ويبدو انها كانت حالة طبيعة غير مستهجنة في ذلك الزمن .

وبسبب عدم ثقتي بنفسي واحساس الفشل الذي لازمني وصك مسامعي في مدرستي الاولى. كنت اعتبر رحلتي من طاولتي الى السبورة لكتابة حرف او رقم هي الاطول والاصعب على الاطلاق، وانا اقطع المسافة كان يدور برأسي ما لا يمكن ان يدور برأس طفلة صغيرة بسني، كان القلق يساورني والخوف ينتشر بين اضلعي والصوت بداخلي يقول “هل سأنسى ما يريد مني معلمي كتابته؟ ام ربما سأفشل حتى بالمحاولة! هل سيضحك زملائي على فشلي؟ ام علي ان اتذكر مشهد الصفعة والالم الذي يلحقها؟
هل أهرب من الباب المقابل للسبورة وانهي كل مأساتي ومعاناتي؟ ام اجرب حظي واكتب ماهو مطلوب مني..” وبين هذا وذاك حتى اصل لمحطتي الأخيرة واقابل وجه السبورة ….. لا ارى امامي سوى ذلك السواد والعتمة المطبقة، انسى بعدها ما طلبه مني معلمي‪.‬
انظر للتفاصيل الغير ممسوحة عليها لعلي ارى ماينقذني من موقفي هذا، لا اسمع ولا ارى شيء من حولي سوى تلك اللوحة (السبورة ) الكالحة، وفجأة يشق صراخ معلمي مسامعي …. اكتبي حرف التاء! (يشبه الطاسة ونقطتين) ومع كل المحاولات والمساعدات لم ينفعني شيء ولم استطع كتابة اي حرف على تلك السبورة او غيرها ، فقد أذهلني الخوف عن كتابة الحرف‪.

من حسن حظي انني لم ابقى سوى عدة شهور على هذا المنوال اذ كانت سعادتي لا توصف حين أغلقت المدارس بسبب صفارات انذار الحرب المجنونة .
وببراءة الطفل كانت امنيتي ان يقع اول صاروخ على بيت معلمتي القاسية لينتقم لخدي من عذاب كفها اللعين وصفعاتها المؤلمة! لم اعلم ان للحرب صفعات اعظم واكثر قسوة من صفعات معلمتي البلهاء!

وبعد ثلاث عقود مضت على ما فعله بي المعلمون، وقفت امام السبورة بالجامعة التي تخرجت منها في لندن وتذكرت نظرة مدرسي التي كانت تقول لي مكانك هو المطبخ وليس المدرسة تيقنت ان الفشل بكتابة حرف التاء لم يكن بسبب غبائي وعدم استيعابي وانما بأساليب التعليم التي ربت اجيالنا على الخوف والضرب والاهانة وفقدان الشخصية. ‬

‎‪ وبينما انا أتأمل في سنيني التي غادرتني، استذكرت تلك الحادثة التي غشاها مسحوق طباشير الزمن عن صندوق ذاكرتي، حينما قرأت خبر في احدى الصحف البريطانية مفاده بأن المعلمين للمراحل الابتدائية والثانوية في بريطانيا يجب ان يعملوا مع دوائر ومراكز الصحة العقلية، من اجل ان يتدربوا على إكتشاف علامات القلق والاكتئاب لدى الطلبة، وايضا يجب ان يقوموا بدراسة التخصص النفسي الذي سيحتاجون له‪.‬

يرى القائمون على هذا البرنامج ضرورة اشراك المعلمين في هذا البرنامج كي يأمنون على علم وبناء نفسية هذا الطفل حتى يستطيع هو بدوره بناء مستقبله و مستقبل الاجيال القادمة بشكل سليم وخال من العقد النفسية‪. ‬

فيا ترى من قصد الشاعر احمد شوقي بقصيدته الشهيرة التي تقول‪:‬
‎‪ قم للمعلم وفه التبجيلا‬
‎‪ كاد المعلم ان يكون رسولا‬
‎‪ اعلمت اشرف أواجل من الذي‬
‎‪ يبني وينشأ انفسا وعقولا‬
هل عنى ذلك المعلم الذي كان يتلذذ بتعذيب الأطفال وفي الوقت نفسه يبني ويربي النفوس والعقول؟

‪حملت ذاكرتي مشاهد مرعبة عن قسوة المعلمين انذاك، وحملت كذلك مشاهد جميلة ومحببة عن امرأة عفوية وطيبة هي المساعدة او ما يطلق عليها بـ ( الفراشة ) ‬ كنت اتوجه لها كل صباح قبل بدء الفصل كي ترخي خصلات شعري التي حبست مابين خيوط الضفائر لاحتضنها حين يدب الخوف في قلبي . كانت تغمرني بقوة وتقول : ستصبحين يوما ما امرأة مهمة في المجتمع وستقفين امام هذه المعلمة البلهاء وتعلميها كيف يجب أن تعلم الأجيال.. لا أعلم ما حل بمعلمتي وليتني أستطيع أن امتثل امامها اليوم.. ربما سمع الله دعائي وحل بها ذلك الصاروخ الذي تمنيت، او ربما ما زالت تقف أمام السبورة تمارس هوايتها المفضلة.

لا تعليقات

اترك رد