ذاكرة التراث بين الاستذكار والاستدراك – جذور وأحداث وكتب – ج1

 

تعد مسألة الاهتمام بالتراث ، بمثابة الحفاظ على ماضي الاجداد الذي يمثل هويتنا .. اذا ما اعتبرنا ان للتراث قيم ثقافية ومعرفية وجمالية وسلوكية في حياة الشعوب والامم السابقة ؛ بحيث يلاحظ المتتبع لحركة التاريخ الانساني تواجد تراث لكل شعب من الشعوب يستعين به للارتقاء بحضارته المعاصرة ؛ لان التراث يأتي هنا بمثابة موروث الشعوب القادم من الاجيال السابقة والمتمفصل باللاحق الممتلئ بالطقوس والمعارف والفنون والآداب والاثار الفنية والمعمارية والعادات والتقاليد والحكايات .

بمعنى آخر ان التراث هو الهوية التي تشكل تاريخنا المعاصر وتصنع مستقبلنا المشرق . فالتراث في حدود بعض المعاجم المهمة ومنها معجم لسان العرب نجده محدد بكل مايرثه الناس ، وهو كل ما ورثناه من اسلافنا ، و ما يخلفه الرجل لورثته. (1) وهو مجموع ما ورثناه من خبرات وانجازات ادبية وفنية وعلمية ،ابتدأ من اعرق العصور إيغالا في التاريخ حتى أعلى ذروة نبلغها في تقدمنا الحضاري. (2) بينما نجده في معجم (Webester ) محدد بالممتلكات التي يمكن توارثها ، أو هو مايمكن ان يتوارثه الفرد من اجداده أو من الماضي كالشخصية والحضارة والتقاليد وغيرها . (3).

بينما يلاحظ المتتبع لمصطلح التراث في حدود الفكر المعاصر ، بانه يوازي مفهوم الثقافة (Culture) أو الحضارة (Civilization) ، والذي يمكن تقسيمه الى نوعين الاول تحت مسمى التراث المرئي الملموس (العمارة القديمة واللقى الآثارية…) المتواجدة في المتاحف الدولية والوطنية .. بينما الثاني يسمى بـ التراث الغير مرئي المتمثل بـ (الانجاز الفكري والثقافي والادبي والذهني والفلسفي والديني والعلمي).(4)

من هنا نجد انه هنالك حاجة ماسة الى الاهتمام بالتراث وضرورة الحفاظ عليه من الغياب ؛ كونه يستعرض للأمم الاخرى جذور الماضي .. إذ تواجدت العديد من المنظمات العالمية الدولية التي اهتمت بالتراث ، اهمها منظمة اليونسكو التي سبق وان عقدت اتفاقية دولية لحماية التراث في عام 1972 والتي تمت عنونتها بـ (اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي) والتي انبثق عنها بنوداً عديدة وصندوقا دولياً .. وبحسب هذه الاتفاقية تم تصنيف التراث الى التراث الثقافي (المعالم الاثرية والتاريخية والحضرية القديمة) والتراث الطبيعي (المحميات الحيوانية والنباتية النادرة) . فالانسان منذ النشأة يتغذى من التراث (اللغة – الاصوات – التقاليد – القصص – الحكايات – الاناشيد – الخرافات – الروايات – الحكم والامثال ….) . بمعنى ان حاضرنا مرآة لتراثنا وهو مستقبلنا وهويتنا وحضارتنا .. فلا حضارة بدون تراث .

وفي حدود حياتنا المعاصرة تم تقسيم التراث الى ثلاثة انواع (شفوي) مختص بالحكايات والقصص الشعبية والاشعار والاخر (مكتوب) كما في المخطوطات بانواعها فضلا عن (المنقول) والمتمثل بالنقود والاسلحة والحرف واخيراً (المعماري) كما في الحصون والمساجد والابواب والقصور .. ومما تقدم يتضح لنا ان للتراث مظهرين ، الاول معنوي يتمثل بالنتاجات الأدبية والفلسفية والثاني مادي يتمثل بالنتاجات المعمارية والتصميمية ، وان التراث في كلا المظهرين يُعد الدليل والمرشد للثقافة ؛ فالتراث ابداع ثقافي سوسيولوجي سواء كان خاصاً أو عاماً يعتمد على مقومات معرفية وفق أسس متينة تؤكد على أن الحاضر هو غير الماضي، وبالتالي أصبح التراث لا يدل على فترة زمنية قديمة بل يمتد، حتى يصل إلى الحاضر، ليكون الحاضر أحد مكونات الواقع .

التراث وذاكرة الرماد في العصور القديمة :
اشتهرت في العراق القديم أعظم مكتبة في التاريخ البشري وهي مكتبة آشوربانيبال (مكتبة القصر الاشوري) التي كانت تحوي على العديد من الألواح الطينية ذات الجنبة الادبية والفنية والدينية ولكن بعد سقوط الإمبراطورية الأشورية حدود عام 612 ق.م بعد تحالف الملك البابلي نبوبلاصر مع أقوام الميديون واضرام النار في نينوى بعد حصارها 3 اشهر تم نهب وحرق هذه المكتبة الكبيرة وتدمير جميع محتوياتها.. وتنص المدونات التاريخية على انها كانت تحوي على 1000 رقم طيني مدونة بالكتابة المسمارية… بعضها معروضة في المتحف البريطاني بلندن .

وفي مصر القديمة بحدود عام 48 ق.م تم حرق مكتبة الإسكندرية الملكية العظمى الممتلئة بالمخطوطات والوثائق التاريخية والعلمية والفكرية الخاصة بالحضارات القديمة ، على يد يوليوس قيصر الذي حرقها ليشغل الناس بها ويهرب بنفسه .

وايضاً نستذكر الحرق في الحضارة الصينية القديمة التي كانت تضم العديد من المكتبات الضخمة في المدن لكن الإمبراطور الصيني تسن تشى هوانج 246 _ 209 ق.م قد أمر بجمع كل كتب العلوم والفنون والأدب والتاريخ وأمر بحرقها جميعا واضاع بذلك التراث الحضاري الصيني .. وفي فرنسا بعد اندلاع الحرب الفرنسية البروسية في 1870م، استسلمت مدينة ستراسبورغ الفرنسية بعد سقوط 193 ألف قنبلة بروسية عليها مما سبب احتراق المكتبة وبداخلها 400 ألف كتاب.

و لاننسى عند الحديث عن ذاكرة الحرق الغزو المغولي لبغداد عام 656 هـ – 1258م، واحراق أغلب المكتبات في بغداد ويقدر عددها حوالي 36 مكتبة ! .. فضلا عن رمي الكتب في دجلة والفرات التي كانت بمُختلف المجالات العلميَّة والفلسفيَّة والأدبيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وغيرها فأصبحت المياه بلون أزرق ، فضلا عن اضرام المغول النار في بيت الحكمة، وهي إحدى أعظم المكتبات آنذاك .

لا تعليقات

اترك رد