فقدان التوازن الاجتماعي

 

إن الحديث عن وجود مشكلة اجتماعية بين الناس كالفقر والبطالة والجريمة أو هروب التلاميذ من المدرسة يعمل على إثارة مشاعرهم وهواجسهم وخيالهم ويوسع حجمها أو يبالغ في خطورتها بحيث تصور وكأنها معضلة مستعصية الحل تعيش في أحشاء المجتمع يفهمها السامع بأن المسئولين في المؤسسات الإصلاحية والعقابية غير قادرين على السيطرة عليها أو معالجتها. إذ أن تضخيم المشكل بين عامة الناس يعمل على إقلاقهم وعدم ارتياحهم فيصبح هذا التضخيم مشكلة أكبر من حجمها وآثارها تتعسر على المصلحين معالجتها بيسر وسهولة، هذا الرأي خاطئ لأن كتم المشاكل وعدم الكتابة عنها لا يحل المشكلة وإنما يزيد من تفاقمها وتزداد حدتها.

تخضع المشكلة الاجتماعية في حجمها وتنوعها وتأثيرها للظروف التي يخضع لها المجتمع، فكلما زاد حجم الكثافة السكانية في مجتمع ما زاد تعقيده بنائياً كلما أدى ذلك إلى زيادة في المشكلات الاجتماعية وتنوعاً في أسبابها ومصادرها وزيادة في أشكالها وأنواعها.

تظهر المشكلة الاجتماعية في منشأ يعكس الاضطراب الاجتماعي والشخصي، وتكون نتيجة لتمزق نسيج العلاقات الاجتماعية، أو نتاج سلسلة تصدعات تحصل داخل المجتمع.

تمتاز المشكلة الاجتماعية بالحتمية في وجودها فهي دائمة ومستمرة مع استمرارية الحياة الاجتماعية، ولذلك فهي تظهر في جميع المجتمعات الإنسانية سواء الكبيرة أو الصغيرة المتقدمة أو المتخلفة. تمتاز المشكلة الاجتماعية بأنها تظهر بسبب التغيرات الحاصلة في الحياة الاجتماعية، أو في المؤسسات الاجتماعية.

يشير مفهوم التغير الاجتماعي إلى الاختلافات والتغيرات التي تحدث عبر الزمن لمجتمع ما، وتشمل هذه التغيرات العادات والقيم والقوانين والتنظيمات الخاصة بالنظام الاجتماعي الموجودة في المجتمع، كما قد يشمل التغير الاجتماعي التحول في التركيب السكاني للمجتمع أو بنائه الطبقي، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية. بمعنى آخر يؤثر التغير الاجتماعي المفاجئ على البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية.

يختلف أفراد المجتمع في الدراية والمعرفة عن المشكلة الاجتماعية السائدة في المجتمع، ويرجع هذا الاختلاف إلى درجة القرب أو البعد من المشكلة وإلى نوع العلاقة بينهم. إن جميع المشاكل الاجتماعية يتم إدراكها بدرجة أقل أهمية عند البعيدين عنها اجتماعياً وجغرافياً. لأن المعرفة بها تكون قليلة وبالتالي تفقد الأهمية،

كما أن اهتمام الناس بالمتاعب الذاتية للأفراد يكون أكثر من اهتمامهم بالشؤون العامة للمجتمع، ويزداد إدراك الناس للمشكلات الاجتماعية إذا كانت “المشكلات” تمثل حالات مستعصية، أو ذات صيت واسع، أو تمس جانب من اهتمامات الناس.

معظم الناس لديهم معدل محدود من الدراية والمعرفة حول المشكلات الاجتماعية وغالباً لا تكون منتظمة وأحيانا تسمى متناقضة ومرات تغدو غير صحيحة، والذي يستمع إلى المغالطات الواسعة المتعلقة بالمشكلات الاجتماعية يكتشف أن معظم معرفة الناس حولها سطحية غير متعمقة، الأمر الذي يتطلب عدم الوثوق بها.

يجب أن يكون هذا الأمر واضحاً ومسلّماً به منذ البداية عند الحديث عن التوازن المفقود في معالجة التطرف والغلو؛ لأننا في بعض الحالات وربما كثيراً ما نُحارب شيئاً، لكننا نؤكد وجوده ونركز الدعاية له من حيث لا ندري ولا نشعر، وهذا ما يحصل لنا في المحاربة والمواجهة للتطرف والغلو.

والذي يتكون من خلال مراحل يُنتج بعضها بعضاً فأولها المرحلة الثقافية التي يتم فيها التأسيس للغلو والتطرف من خلال مناهج تعليمية صلبة تكرس العداوة وتحجر الحقيقة وتتحدث عن المختلف بصفته الكفرية الضدية التي يجب القضاء عليها وإتلاف منجزاتها. وكل ذلك في سبيل الله. ومن أجل جلب التعاطف مع هذا الدرس التعليمي يُقدم الممارسون لهذه الثقافة عبر التأريخ بأنهم الأبطال الماجدون. هذه الثقافة التعليمية أياً كان مكانها في تعليم المدارس أو في تعليم المساجد وخطبه الأسبوعية على مدار العام، أو في الفتاوى والأحكام عبر وسائل الإعلام ووسائطه. كل هذه الثقافة تؤسس للمرحلة الثانية، وهي التطرف والغلو الفكري، الذي ينتجه المتطرف نفسه من خلال التفكيك والتركيب لتلك الثقافة التي كانت ترافقه في بيته ومدرسته ومسجده وعبر الأثير في سيارته.

هذه المرحلة مع خطورتها لا تقل خطورة عن مرحلة الثقافة الفكرية أو السلوكية المتطرفة، إلا أن اهتمامنا بمواجهة المرحلة الفكرية أكثر، لأنها أصبحت حالة ظاهرة يمكن التعامل معها فكرياً وأمنياً، مع أن المواجهة الفكرية للفكر المتطرف مع بقاء الخطاب الثقافي الداعم له هو حال من فقدان التوازن في المعالجات والحلول.

إن شيئاً لا بد من أن يحصل، فالحديث عن التوسط والاعتدال والتوازن يجب أن يكون حقيقياً في مفاهيمه وفي أنظمته وسلوكياته. ويجب أن يلمسه الناس في حياتهم وممارساتهم من خلال العدالة الاجتماعية والحقوق الإنسانية، وفي ذلك أبلغ تعليم وأصدق تعبير عن هذه المعاني الكبيرة والجميلة.

فالحديث عن طعم التفاحة مهما كثر واتسع فإنه لا يساوي شيئاً عند قضمة واحدة يتذوقها الإنسان من التفاحة التي يسمع الحديث عنها. وإن تغيراً حقيقياً لا بد من أن يحصل في البنية الثقافية. فالمناهج الدينية التسامحية الحياتية يجب أن تكون هي مدار التعليم والخطابة والإعلام، وفي السيرة النبوية الشريفة التي يتم اختزالها بالمغازي والسيرة.

يكمُن الارتقاء النّفسي والّروحي والصّحي في حال استمتاع الفرد في حياته بشتى الطرق المشروعة دينًا وعُرفًا وقانونًا، فالأسلوب الذي يسلكه الفرد وعدم تأرجح كفتي ميزان حياته وتساويهما بالتوازن والاعتدال هو طريق سعادته واستقراره. إن إشباع الحاجات المادية والنفسية إشباعًا متزنًا ومعتدلًا يؤدي إلى نمو الشخصية الإنسانية نموًّا سليمًا،

وبالتالي سيشعر الفرد بالرضى والاكتفاء والاستقرار النفسي البعيد عن الضغوطات النفسية، إذ إنّ الفرد سيصبح على علمٍ تام بذاته، وبكيفية التواصل مع الآخرين بتوسط واعتدال، فالاعتدال والوسطية هما هبة الله سبحانه وتعالى ومركز أمان وسمة رحمانية يمتاز بها الفرد المعتدل، إذ تبعده عن التعصب والتّشدد والتزمت والانسياق وراء رغبات النفس التي قد تفسد حياة الفرد وتجعله في دوامة الضّياع النفسي، فاتباع الفرد سلوك المنهج الوسطي المعتدل في حياته وعمله وعلمه يساعده في العيش ضمن منظومة المجتمع في تناغم وانسجام وعدل، فتتوازن علاقاته، وتنجلي غيمة الفساد النفسي والعنف بكل أنواعه السيئة.

يعد من أهم الموضوعات التي تُعالج في علم النفس، وعلم النفس الاجتماعي، وغيرها من العلوم النفسية، التي تهتم بالتوافق النفسي والاجتماعي والذي يهدف لإشباع حاجات الإنسان ورغباته ليصل إلى التكيف النفسي والاستقرار والتوازن، وكيفية تفاعله مع نفسه ومع المحيطين به في كافة البيئات المختلفة والمتنوعة.

التوازن هو حالة من الشعور بالرضا عن الذات ومدى التلاؤم والانسجام والراحة والاطمئنان التي يصل لها الفرد نتيجة إشباع حاجاته ورغباته النفسية والمادية والاجتماعية، التي تساعده على تغيير سلوكه حسب الموقف والمشكلة التي تواجهه، مما يدل على نضجه الانفعالي وقدرته في السيطرة على الموقف أو الصراع الذي يمُر به، فالتوازن والاعتدال خاص بالإنسان لأنه مخصص للجانب النفسي والاجتماعي.

يعتقد الكثير من الناس بأنه مع مرور الزمن وتواتر الأحداث وخضوع المجتمع لقانون التغير والتطور، فان المشاكل القائمة تكون في طريقها إلى الزوال وهذه رؤية غير واقعية إن لم تكن وهمية، لأن العمل والمثابرة من القيم الإسلامية التي أوصى الله عباده امتثالاً لقوله تعالى: ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” والتغيير يتم من خلال الجهود المثابرة والكفاح في مواجهة المشكلات التي تعيق تطور ونمو المجتمع.

لا تعليقات

اترك رد